جمال المحلاوي يكتب.. بدائل الولايات المتحدة لدور الإخوان

تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة والإخوان وتطورها
شهدت منصات التواصل حالة من الجدل إثر إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصنيف “الإخوان المسلمين” في مصر والأردن ولبنان “منظمات إرهابية”، وفرض عقوبات عليها وعلى عدد من أعضائها.واتهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هذه المنظمات بارتكاب “أعمال عنف”، مشيرا إلى أن الإدارة الأميركية ستستخدم كافة الأدوات المتاحة لها من أجل حرمان الإخوان في الدول الثلاث من الموارد، زاعما أنها تستخدم تلك الموارد “للانخراط في الإرهاب”، على حد قوله ولكن يظهر التساؤل لماذا لم تصنف تلك الجماعة في الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية ؟ وهل تحتفظ الولايات المتحدة بذلك الوجود لتلك الجماعة كوسيلة للضغط على الحكومات التي تعتبرها مارقة عند الحاجة لها لفعل ذلك ؟ هل قررت الولايات المتحدة استبدال تلك الجماعة بجماعات أكثر استئناسا تتماهى توجهاتها مع المصالح الأمريكية تماما في المنطقة العربية وأهمها أمن إسرائيل ؟ ومن خلال ذلك التحليل نحاول الإجابة على تلك التساؤلات .ففي 13 يناير من هذا العام صنفت وزاراتا الخارجية والخزانة الأمريكيتين الإخوان في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية الأمر الذي ينهي أي حديث عن الإخوان كبديل سياسي خاصة في العالم العربي .
وتعود العلاقات بين الأمريكيين والإخوان منذ الأربعينيات من القرن الماضي والتي بدأت بإصدار تقرير السفارة الأمريكية في القاهرة عام 1944 والتي تحدد وصفها بأنهم جماعة إسلامية متعصبة .وبدأت اللقاءات في الخمسينيات من القرن الماضي حينما اشتد الصراع بين الإخوان والرئيس الراحل جمال عبد الناصر حيث عقدت لقاءات دورية بين القائم بالأعمال الأمريكي فرانك جافني ومرشد الإخوان الأسبق حسن الهضيبي في السفارة الأمريكية بالقاهرة . ورأت واشنطن فيهم بديلا لمواجهة المد الشيوعي والتقارب المصري السوفيتي في ذلك الوقت الأمر الي اهتمت به المخابرات الأمريكية بشكل كبير لدراسة إمكانية استغلالهم واستخدامهم كأداة دعاية مناهضة للشيوعية .ومنذ ستسنيات القرن الماضي مولت الولايات المتحدة الإخوان حيث خصصت لهم صناديق بنكية تحت عنوان ز4320 س عبد الناصر مصر , الأمر الذي أكد عليه الصحفي الكندي آيان جونسون في مقال نشرته نيويورك ريفيو أوف بوكس في فبراير 2011 .وفي عام 1963 بدأ النشاط الفعلي داخل أمريكا بتأسيس اتحاد الطلاب المسلمين بجامعة إلينوي .وبحلول أواخر السبعينيات أدرك قادة جمعية الطلاب المسلمين أن المنظمة الطلابية لم تعد كافية لتلبية الاحتياجات للعدد المتزايد من المسلمين الذين قرروا الاستقرار في أمريكا نهائيا فقاموا بتأسيس الجمعية الإسلامية
وقد اتسم تطور شبكات الإخوان في جميع الدول الغربية بالتحول من تجمع طلابي إلى منظمات شاملة تخدم احتياجات مجتمع مسلم دائم في الغرب ثم تطورت النظرة والتي يؤكد عليها محمد أكرم، عضو مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين الأمريكية عام 1991، والذي شغل لاحقا منصب الأمين العام لمؤسسة القدس العالمية وهي مؤسسة مقرها لبنان كان يرأسها في حينه الزعيم الروحي للجماعة الشيخ يوسف القرضاوي أنه يجب على الإخوان أن يفهموا أن عملهم في أمريكا هو نوع من أنواع الجهاد الكبير للقضاء على الحضارة الغربية وتدميرها من الداخل وتخريب بيتها البائس بأيديهم وأيدي المؤمنين حتى يتم القضاء عليها وينتصر دين الله على جميع الأديان الأخرى (لورينزو فيندو .يوليو 2025 ,جماعة الإخوان المسلمين في أمريكا: تاريخ موجز)
معضلة الإسلاميين
ويتضح هنا أن الدور الدعوي والخدمي الذي مارسته الجماعة في الولايات المتحدة الأمريكية قد كشف النقاب عن وجهه الحقيقي وهو الوجه السياسي الذي يتبع أيديولوجية وهي من أجل سيادتك لابد أن تهدم الآخرين.
ولكن لماذا لم تصنف الولايات المتحدة تلك المنظمات كمنظمات إرهابية بداخلها , وتكمن الإجابة في عام 1992 نجد أن الولايات المتحدة وحلفائها أنفسهم أمام تبني فكرة الديمقراطية وليس بالضرورة تبني نتائجها. لا تزال أميركا تتصارع مع ما تسميه ” معضلة الإسلاميين”. في ذلك العام أيدت الولايات المتحدة الأمريكية الانقلاب العسكري في الجزائر والذي أسقط انتخاباً ديمقراطياً قد فازت فيه أحد الأحزاب الإسلامية بأغلبية المقاعد في البرلمان. وأنهى الانقلاب أكبر تجربة ديمقراطية واعدة في العالم العربي حينئذ. وطمست إدارة الرئيس جورج بوش أجندتها المتعلقة بالحرية” في الوقت الذي نجح فيه الإسلاميون على نحو مفاجئ في انتخابات داخل المنطقة، وبما في ذلك مصر ولكن لم تشعر الولايات المتحدة بأن هناك داعي للقلق بشأن انضمام جماعة الإخوان المسلمين. فهي ترى أنها منظمة براجماتية في جوهرها، وستتجنب الانخراط في تعديل المسارالثابت لسياسة الخارجية في مصر منذ عام 1979 وفي عهد الرئيس أوباما ومطالباته لدول في الشرق الأوسط بتبني الديمقراطية برغم أنه لم يعترض على موقف بعض حكوماتها العنيف من الاحتجاجات كما حدث في البحرين إلا أن موقفه من الإخوان في مصر مثير للجدل حيث قامت إدارته بفتح قنوات اتصال وحوار مع جماعة الإخوان المسلمين، معتبرةً إياهم جزءاً من المشهد السياسي في الشرق الأوسط الأمر الذي جعل أوباما يواجه انتقادات حادة، حيث اتهمه البعض بتقوية الإخوان على حساب حلفاء تقليديين، بالإضافة إلى انتقادات تتعلق بـ”مساره الغامض” في التعامل مع الأحداث إلى الحد الذي وصف فيه بعض المراقبين في الولايات المتحدة العلاقة بين إدارة أوباما والإخوان بأنها “صندوق أسود” مليء بالأسرار التي حاول الكثيرون كشفها .هذا وقد أشارت صدرت 2011 تقارير سرية إلى وجود توجيهات رئاسية سرية تهدف لتمكين حركات الإسلام السياسي والتي وصفها التقرير بأنها معتدلة لمواجهة حركات التطرف مثل القاعدة. “ويتضح ذلك في حرص الرئيس أوباما على حضور عشرة أعضاء من الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين، والذين دعتهم السفارة الأمريكية أثناء خطابه الشهير في القاهرة وبعد أحداث 2011 في مصر سارعت الإدارة الأمريكية إلى احتضان جماعة الإخوان المسلمين. فعلى الصعيد اليومي، سعت آن باترسون، الدبلوماسية المخضرمة التي أصبحت سفيرة الولايات المتحدة لدى مصر عام 2011 (ورُشّحت لاحقًا لمنصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى)، إلى تعزيز العلاقات مع الجماعة. وفي 18 يناير/كانون الثاني 2012، التقت بالزعيم الروحي للجماعة، محمد بديع. وكان هذا اللقاء بمثابة نقطة تحول حاسمة: فإذا كان محمد مرسي، الرئيس المصري المُنتخب آنذاك، يُعادل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، فإن بديع يُعادل المرشد الأعلى علي خامنئي.
أوباما 2013
ولم يكن باترسون شخصًا متهورًا. فبعد ستة أشهر، التقت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بالرئيس مرسي، الذي تولى منصبه حديثًا، في القصر الرئاسي بالقاهرة، ووعدته بـ”الدعم القوي من الولايات المتحدة”، وهي لحظة بُثت عبر العالم الإسلامي على قناة الجزيرة. ولتأكيد هذا الموقف، سافر وزير الدفاع ليون بانيتا إلى القاهرة ووعد أيضًا حكومة الإخوان المسلمين بدعم أمريكي قوي”(مايكل روبن ,سبتمبر2013 ,دحر جماعة الإخوان)
ترامب والإخوان
على الرغم من تأييده السابق لجماعة الإخوان المسلمين، أعلن أوباما حيادَه. فقد أُبلغ مجلس الأمن القومي يوم 6 يوليو 2013: “أن الولايات المتحدة ليست متحالفة مع أي حزب أو جماعة سياسية مصرية بعينها، ولا تدعمها”. إلا أن هذا الحياد لم يكسب حلفاء فحسب، بل فوّت أيضاً فرصةً فريدةً لاغتنام زمام المبادرة في صراع عالمي ضد الإسلام السياسي(مايكل روبن) حيث رأى البعض في الولايات المتحدة المتحدة أن على الإدارة الأمريكية إدراك أنها طرف في معركة أيديولوجية لا تقل أهمية. فبدلاً من معاقبة ماحدث في الثالث من يوليو 2013 والذي حظي بدعم عشرات الملايين من المصريين، ينبغي للبيت الأبيض أن ينظر إلى هذا الأمر كفرصة، وأن يستغل الغضب العربي غير المسبوق تجاه الجماعة لتقليص نفوذها، بهدف دحر أيديولوجية تُعدّ بغيضة لمصالح الولايات المتحدة وأمنها. ومن هنا يتضح أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة سالفة الذكر اتخذت من تلك الجماعة وسيلة للضغط على الحكومات بادعاء تطبيق الديمقراطية الذي كان مجرد ادعاء ولكنه في الحقيقة محاولة لحل معضلة الإسلام السياسي لتحقيق هدفين رئيسيين وهما استيعاب تلك الجماعات واحتوائها ضمانا لمصالحها في المنطقة وأولوية أمن إسرائيل .
“باشرت إدارة ترامب رسمياً عملية تصنيف فروع الإخوان في دول عربية كمنظمات إرهابية، حيث وصف وزير الخارجية “ماركو روبيو” هذه الخطوة بأنها تهدف إلى تجفيف موارد الإخوان وإحباط أنشطتهم ويأتي هذا القرار استكمالاً لتوجهات ترامب في ولايته الأولى، وبتشجيع من حلفاء يمينيين، وتزامناً مع قرارات مشابهة اتخذتها ولايات أمريكية مثل تكساس وفلوريدا في أواخر2025 وترى إدارة ترامب أن الإخوان جماعة تهدد الأمن القومي الأمريكي ومصالح حلفائها في الشرق الأوسط ” (بي بي سي عربي نيوز).
في الثامن عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تحولت هذه القناعات النظرية إلى واقع قانوني صادم، يمكن وصفه بحقل تجارب للسياسات اليمينية. حيث أصدر حاكم ولاية تكساس، غريغ أبوت، أمرا تنفيذيا يصنف “مجلس العلاقات الإسلامية-الأميركية” (CAIR) وجماعة “الإخوان المسلمين” كمنظمات إرهابية أجنبية ولم يكد الحبر يجف على قرار تكساس، حتى لحقت بها ولاية فلوريدا في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2025، حيث أصدر الحاكم رون ديسانتيس الأمر التنفيذي رقم (25-244)، مستخدماً نفس التصنيف “منظمة إرهابية أجنبية”. هذا التزامن يكشف عن تنسيق جمهوري عالي المستوى لتحويل الولايات الحمراء إلى بيئة طاردة لهذه الكيانات وأعلن فرع منظمة “كير” في فلوريدا خلال مؤتمر صحفي في تامبا رفع دعوى قضائية للطعن على القرار. ووصفت هبة رحيم المديرة التنفيذية المؤقتة للفرع قرار حاكم فلوريدا بأنه “تشهيري وغير دستوري”. وقالت: “إلى حاكمنا: تصنيفك لا أساس له في القانون أو الواقع””قد يبدو الخبر للوهلة الأولى مجرد مناكفة سياسية معتادة، لكن قراءة سوسيولوجية وقانونية متأنية لقرار التصنيف، تكشف عن دلالات خطيرة، تعيد تعريف مفهوم المواطنة المؤسسية. الدلالة الأولى تتمثل في نزع الغطاء الوطني، فاستخدام مصطلح أجنبية لمنظمة أميركية النشأة ومسجلة رسميا منذ عام 1994، يعني نزع الشرعية الوطنية عنها. السلطة هنا تقرر أن الولاء الأيديولوجي المفترض لـ”الإخوان المسلمين” يغلب على الوضع القانوني كمؤسسة أميركية. إنها عملية تغريب ممنهجة، تحول المواطن المؤسسي إلى آخر دخيل، مما يسهّل استهدافه دون التقييدات الدستورية المعتادة التي تحمي الكيانات المحلية. الدلالة الثانية، والأخطر، هي الحصار المكاني. فالأمر التنفيذي تضمن شقا إجرائيا يمنع هذه الكيانات من شراء أو تملك الأراضي في الولاية. بلغة علم الاجتماع الحضري، الدولة هنا تحرم الجماعة من الحيز المكاني اللازم للوجود. أما في فلوريدا، فقد اتخذ الحصار منحى بيروقراطياً أشرس، حيث نص الأمر التنفيذي صراحة على “حرمان أي شخص يقدم دعماً مادياً من الامتيازات أو الموارد”، وتوجيه الوكالات الحكومية لإنهاء أي تعاقدات، مما يعني تجفيفاً كاملاً للمنابع إنها لا تحارب الأفكار في الفضاء الافتراضي فحسب، بل تمنع التوطين المادي للجماعة، وتجعل وجودها المادي مستحيلا. هنا يتحول “القفص الحديدي” من مجرد مفهوم نظري عن ضغوط الحداثة، إلى جدران قانونية صلبة تمنع الجماعة من التنفس مكانيا ومالياً. فالسلطة في تكساس وفلوريدا لا تكتفي بنزع السحر الأيديولوجي عن الجماعة، بل تنزع عنها حيزها المادي، محولة القفص إلى أداة عزل مادي تمنع الكيان من أن يكون له مكان تحت الشمس، حرفيا ومجازيا عملياً، لا يعني هذا القرار مجرد تغيير في اللافتات؛ بل قد يمتد ليشمل تجميد الحسابات المصرفية للمكاتب الفرعية تحت بند “إدارة المخاطر”، وفسخ عقود الإيجار الحالية. نحن نتحدث عن شلل عملياتي كامل، يُجبر المنظمة على استنزاف مواردها في معارك لوجستية من أجل البقاء المادي، بدلاً من التفرغ لرسالتها الحقوقية، وهو ما يمثل تطبيقاً حرفياً لاستراتيجية “الخنق البيروقراطي” التي تجعل استمرار العمل شبه مستحيل دون قرار إغلاق رسمي يُضاف إلى ذلك توجيهات بالتحقيق في محاكم الشريعة المزعومة، وهو ما يفتح الباب لرقابة أمنية شاملة على المجتمع المسلم، حيث يصبح كل تجمع ديني أو تحكيم عائلي موضع شبهة أمنية، مما يخلق بيئة من الذعر الأخلاقي”(عبد الله فيصل آل ربح ,24 يناير 2026 ,حرب ترامب على الإخوان من الاحتواء إلى التفكيك)
ويبدو أن التعريف الذي يرى في “الإخوان المسلمين” خطرا وجوديا قد أصبح هو المعيار المعتمد، والمرجعية النهائية، في الولايات المتحدة الجديدة.
وبعد ذلك العرض المفصل يرى الباحث أن السياسة الأمريكية قد توصلت إلى حل للمعضلة الإسلامية من وجهة نظرها وهو استبدال تلك المنظمة التي تغولت بشكل كبير في الغرب والولايات المتحدة وأصبحت تمثل خطرا وجوديا ولم تعد تلبي مصالح الولايات المتحدة ولاتجد قبولا في الشارع العربي بجماعات مستأنسة تسعى لطلب الرضاء الغربي والأمريكي مقابل وجودها في السلطة دون صنع أي مشاكل أو معارضة لسياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تلك الجماعات التي تظهر بلا أنياب تضمن مصالح الغرب وأمن إسرائيل بمظهر إسلاماوي , كما حدث في التجربة السورية .


