تقدير موقف

د. راندة فخرالدين تكتبت.. قانون الأسرة الجديد في مصر: حين يتحول الطفل إلى الغائب الأكبر في معركة الكبار

في المجتمعات المستقرة، تُناقش قوانين الأسرة باعتبارها محاولة لتنظيم العلاقات الإنسانية بعد تعثر الزواج، أما في المجتمعات المأزومة أو المستقطبة، فإنها تتحول سريعًا إلى ساحة صراع مفتوحة، تتجاوز القانون نفسه إلى معارك الهوية والسلطة والنفوذ الاجتماعي. وهذا بالضبط ما حدث في مصر خلال السنوات الأخيرة مع كل نقاش يتعلق بقانون الأسرة الجديد؛ إذ لم يعد الجدل يدور فقط حول مواد قانونية أو إجراءات قضائية، بل أصبح انعكاسًا لحالة انقسام أوسع داخل المجتمع حول مفهوم الأسرة، وحدود الأدوار داخلها، وطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة بعد الانفصال.

فبمجرد طرح أي تعديل يتعلق بالحضانة أو الرؤية أو الاستضافة أو النفقة، تنقسم الساحة فورًا إلى معسكرين متواجهين: أحدهما يتحدث عن سنوات طويلة من المعاناة التي تحملتها النساء داخل المحاكم وأروقة التقاضي، والآخر يتحدث عن آباء تحولت علاقتهم بأبنائهم إلى علاقة شكلية ومحدودة لا تسمح ببناء حضور حقيقي في حياة الطفل. وبين الطرفين، يختفي السؤال الأكثر جوهرية: ماذا يحدث للأطفال أنفسهم داخل هذه المعارك الممتدة؟

الحقيقة أن أخطر ما أصاب ملف الأحوال الشخصية في مصر ليس فقط تعقيداته القانونية، بل الطريقة التي جرى بها اختزاله تدريجيًا في خطاب انتصار وهزيمة، وكأن المطلوب من القانون أن يمنح الغلبة لطرف على حساب الآخر، لا أن يحمي الأسرة من مزيد من التصدع. فتحولت بعض القضايا الإنسانية الحساسة إلى ساحات للمكايدة النفسية والقانونية؛ فهناك من يستخدم النفقة كأداة ضغط، ومن يحول الرؤية إلى عقوبة، ومن يتعامل مع الطفل باعتباره “ورقة تفاوض” داخل نزاع شخصي مرير. وفي لحظة ما، يصبح الطفل — وهو الطرف الوحيد الذي لم يختر الانفصال أصلًا — الأكثر تضررًا والأقل قدرة على الدفاع عن نفسه.

ولعل المشكلة الأعمق أن النقاش العام حول قانون الأسرة كثيرًا ما يُدار بمنطق شعاراتي حاد، لا بمنطق اجتماعي أو نفسي أو تربوي متوازن. فكل طرف يشعر أن أي تعديل قانوني لصالح الطرف الآخر يعني بالضرورة تهديدًا مباشرًا له، بينما الحقيقة أن الأسرة لا يمكن إدارتها بمنطق الغنائم القانونية. لأن العلاقات الإنسانية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالأبناء، لا تُحل بمنطق “من انتصر؟”، بل بمنطق “كيف نُقلل الخسائر قدر الإمكان؟”.

ومن هنا تبرز خصوصية قوانين الأحوال الشخصية مقارنة بأي تشريعات أخرى. فالقوانين الاقتصادية مثلًا تنظم المصالح، والقوانين الجنائية تعاقب الجريمة، أما قوانين الأسرة فهي تتدخل داخل المساحات الأكثر هشاشة وتعقيدًا في حياة الإنسان: الحب، والانفصال، والغيرة، والخوف، والاحتياج العاطفي، والشعور بالفقد، وعلاقة الطفل بالأمان النفسي. ولذلك فإن أي خلل في هذه القوانين لا يبقى داخل ملفات المحاكم فقط، بل يمتد أثره إلى تكوين أجيال كاملة تحمل آثار الصراع الأسري لسنوات طويلة.

ولهذا فإن اختزال النقاش الحالي في كونه معركة بين “حقوق الرجل” و”حقوق المرأة” يبدو تبسيطًا مخلًا بقضية أكثر عمقًا وتعقيدًا. فالمجتمع لا يحتاج إلى قانون ينتصر لجنس ضد آخر، بل إلى قانون يوازن بين الحقوق والواجبات ويعيد تعريف العلاقة الأسرية بعد الطلاق بصورة أكثر إنسانية وعدالة.

ومن المهم هنا العودة إلى الجذور التاريخية للحركة النسوية المصرية، لأن جزءًا من الارتباك الحالي ناتج عن الخلط بين ملفات مختلفة تمامًا في طبيعتها. فالحركة النسوية في مصر لم تبدأ أصلًا من قضايا الحضانة أو ترتيب الرعاية بعد الانفصال، بل انطلقت من معارك تتعلق بالمواطنة الكاملة للمرأة داخل المجتمع. حين قادت هدى شعراوي نضالها المعروف، كانت القضية الأساسية هي حق المرأة في التعليم والحضور العام وكسر العزلة الاجتماعية المفروضة عليها. وحين كتبت سيزا نبراوي وخاضت درية شفيق معاركها السياسية، كان الهدف هو تثبيت حق المرأة في المشاركة العامة والتمثيل السياسي والعمل الفكري.

حتى عالميًا، حين تحدثت ماري وولستونكرافت عن حقوق النساء، أو دافعت إليانور روزفلت عن المساواة الإنسانية، كان النقاش يدور حول إزالة التمييز ضد المرأة باعتبارها مواطنًا كامل الأهلية، لا حول إقصاء الأب من حياة أطفاله أو إعادة تعريف الأسرة بوصفها ساحة صراع دائم.

لكن مع تصاعد الجدل حول قوانين الأحوال الشخصية في العقود الأخيرة، بدأ يحدث نوع من التداخل بين هذه الملفات المختلفة، فأصبح أي نقاش حول توسيع دور الأب بعد الطلاق يُقابَل أحيانًا باعتباره تهديدًا مكتسبات المرأة، في حين يرى آخرون أن استمرار بعض الصيغ الحالية يؤدي عمليًا إلى تهميش دور الأب وتحويله إلى مجرد زائر عابر في حياة أبنائه.

وهنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى نقاش أكثر هدوءًا وعقلانية. لأن الدفاع عن حق المرأة لا يعني بالضرورة نفي أهمية الأب، كما أن المطالبة بحضور الأب في حياة أبنائه لا تعني تلقائيًا الانتقاص من تضحيات الأم أو دورها المركزي في الرعاية اليومية. بل إن التجارب الحديثة في عدد من الدول بدأت تتجه تدريجيًا إلى البحث عن نماذج أكثر توازنًا، تقوم على فكرة “المسؤولية المشتركة” لا “الإقصاء المتبادل”.

وفي هذا السياق، ظهرت داخل التيار النسوي العالمي نفسه أصوات دافعت عن الحضانة المشتركة والرعاية المتوازنة للأطفال بعد الطلاق. فقد اعتبرت الناشطة الأمريكية كارين ديكرو أن الأب الحاضر في حياة أطفاله ليس تهديدًا لتحرر المرأة، بل قد يكون جزءًا من تحقيق توازن أسري وإنساني أكثر عدالة. ومع الوقت، بدأت سياسات أسرية عديدة في العالم تتعامل مع وجود الأب باعتباره ضرورة نفسية وتربوية للطفل، لا امتيازًا قانونيًا للرجل.

لكن رغم ذلك، يبقى من الخطأ التعامل مع أي نموذج أجنبي باعتباره وصفة جاهزة قابلة للنقل الكامل إلى الواقع المصري. فلكل مجتمع ظروفه الاقتصادية والثقافية والقانونية، وما يصلح في بيئة مستقرة قد يفشل في بيئة أخرى تعاني من ضغوط اجتماعية مختلفة. ولهذا فإن نجاح قانون الأسرة الجديد في مصر لن يتوقف فقط على تعديل النصوص، بل على قدرته على فهم الواقع الحقيقي للأسرة المصرية بكل تعقيداتها.

فالقضية في النهاية ليست مجرد مواد قانونية تتعلق بسن الحضانة أو عدد ساعات الرؤية أو شكل الاستضافة، بل قضية تتعلق بإعادة بناء فلسفة كاملة للعلاقة الأسرية بعد الانفصال؛ فلسفة ترى أن الطلاق قد ينهي العلاقة بين الزوجين، لكنه لا ينبغي أن ينهي حق الطفل في الشعور بالأمان أو في الاحتفاظ بعلاقة صحية ومتوازنة مع والديه.

إن المجتمع لا يحتاج اليوم إلى قانون يُشعل مزيدًا من الاستقطاب، بل إلى قانون يعيد الاعتبار لفكرة العدالة المتوازنة. قانون يعترف بتضحيات الأم، ويحفظ حضور الأب، ويضع الطفل في مركز الصورة لا على هامشها. لأن الطفل ليس تفصيلًا قانونيًا صغيرًا داخل معركة الكبار، بل هو الإنسان الذي سيحمل وحده نتائج كل خطأ تشريعي أو اجتماعي لسنوات طويلة قادمة.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى