تقارير ومنوعات

بلا عودة قصة قصيرة للكاتبة هبة مسعود

حوائط رمادية سلالم متهالكة تئن تحت أقدام العابرين. كان يمضي بين طرقات الفصول كمن ينقب في أرض قاحلة عن معدن نفيس لا يُرى. لم تعد المدرسة كما عرفها يومًا، ولم يعد هو كما كان.

 

التفت إلى زميله في لحظة ضيق وقال بصوت مثقل:

– سئمت التدريس… صار الطلاب يهمسون لبعضهم كما لو أنهم ينفثون السم في العسل.

 

لم ينتظر ردًا. كان يشعر بثقل جاثم على صدره، كحجر يمنعه من التنفس.

 

رنّ جرس الفسحة، فانفجر الفناء بالحركة والضجيج. ضحكات، صياح، وركض بلا اتجاه. فجأة، تشابك طالبان . اندفع نحوهما بحكم العادة، لا بدافع الحماسة.

 

مدّ يده ليفض النزاع، لكن يدًا سبقت إليه. صفعة حادة ارتطمت بوجهه. تجمد للحظة، كأن الزمن تعثر. شعر بحرارة الدم تتصاعد في عروقه، وبشيء ما ينكسر في داخله.

 

تماسك بصعوبة، أمسك بالطالب وقال بصرامة:

– إلى غرفة المدير… حالًا.

 

سار الفتى أمامه هذه المرة صامتًا، وقد انطفأ شيء من جرأته.

 

لم يكن الطالب غريبًا عن المشكلات؛ اسمه يتردد دائمًا في الشكاوى، وحضوره كافٍ لبدء الفوضى. لكن ما لم يكن يُقال صراحة، أن والده كان حاضرًا دائمًا في الكواليس… داعمًا، متبرعًا، وصاحب كلمة مسموعة.

 

لم يطل الانتظار. حضر الأب، وامتلأت الغرفة بتوتر صامت. كلمات متبادلة، نبرة تعلو وأخرى تنخفض. ثم نظرة خاطفة من المدير إلى المعلم، نظرة تحمل معنى واحدًا:

– دع الأمر يمر.

 

لكن المعلم لم يفعل.

 

قال بصوت ثابت، رغم ما بداخله من ارتباك:

– حقي لن يضيع… لا اليوم ولا غيره.

 

خرج من الغرفة وهو يدرك أن الأمر لن ينتهي هنا. كتب مذكرة رسمية، ثم أخرى. وسرعان ما تسللت القصة إلى خارج أسوار المدرسة، تتناقلها الألسنة ووسائل التواصل، كل يضيف إليها ما يشاء.

 

وفي خضم كل ذلك، لم يعد هو كما كان. لم يعد صوته مسموعًا كما ينبغي، ولا هيبته كما عرفها. كان كمن خسر معركة دون أن يُهزم صراحة.

 

وفي مساء يوم ثقيل، وجد نفسه يسير نحو بيت معلمه القديم. طرق الباب، فاستقبله رجل أثقلته السنوات، لكن عينيه بقيتا كما هما.

 

جلس أمامه، وروى كل شيء.

 

صمت المعلم العجوز طويلًا، ثم قال بصوت خافت:

– لم تعد المعارك كما كانت… ولا ساحاتها كما نعرفها.

 

تردد قليلًا، ثم أضاف:

– حين يصبح الصواب عبئًا… يعرف المرء أنه غريب في مكانه.ليتك لم تحك لي.

وصمت.

 

خرج من عنده وهو أكثر هدوءًا، لكن ذلك الهدوء لم يكن راحة… بل أشبه باستسلام هادئ.

 

في اليوم التالي، لم يعد إلى المدرسة.

هبة مسعود

2/5/2026

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى