من بغداد إلى بيروت.. كيف تعيد حرب إيران تشكيل توازنات المشرق العرب؟

بيروت – مركز العرب
في قلب الإقليم الأكثر اشتعالًا في العالم، لا تبدو دول المشرق العربي (العراق، وسوريا، ولبنان، والأردن) مجرد أطراف متأثرة بحرب إيران؛ بل تتحول إلى ساحات تفاعل مباشر وغير مباشر مع هذا الصراع، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، والاقتصاد مع الأمن، في مشهد معقد تتداخل فيه الحسابات المحلية مع رهانات القوى الإقليمية والدولية.
الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين أطراف خارجية؛ بل أصبحت “عدسة مكبرة” تكشف هشاشة البنى الداخلية في هذه الدول، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتفرض عليها خيارات صعبة بين الاستقرار الداخلي والانخراط – ولو بشكل غير مباشر – في صراعات أكبر منها.

لبنان: هدنة هشة على حافة الانفجار
في لبنان، يبدو وقف إطلاق النار المؤقت بين إسرائيل و”حزب الله”، كأنه استراحة محارب أكثر منه نهاية لصراع. الاتفاق الذي وُصف بأنه “إنجاز مهم” لا يخفي حقيقة أن الجنوب اللبناني يعيش واقعًا مختلفًا على الأرض، حيث تستمر العمليات العسكرية المحدودة، والتوغلات، وعمليات الهدم التي طالت قرى بأكملها.
المشهد في الجنوب يعكس استراتيجية إسرائيلية تقوم على خلق “منطقة عازلة” بالقوة، بما يعيد تشكيل الواقع الديموغرافي والأمني، على غرار ما حدث في غزة. وفي المقابل، يواصل “حزب الله” تثبيت معادلة الردع عبر عمليات نوعية؛ مثل استهداف الدبابات الإسرائيلية، ما يؤكد أن التوازن العسكري لا يزال قائمًا، لكنه هش.
داخليًا، يفاقم هذا الوضع أزمة لبنان المزمنة. الاقتصاد المنهار أصلًا لا يحتمل صدمة جديدة، والبنية التحتية تتعرض لمزيد من التدمير، فيما تتزايد أعداد النازحين من الجنوب. كما أن استمرار التوتر يعمّق الانقسام السياسي بين من يرى في المواجهة ضرورة استراتيجية، ومن يعدّها مغامرة مكلفة.
المستقبل في لبنان يبدو معلقًا على ثلاثة عوامل: مدى صمود وقف إطلاق النار، وحدود التصعيد الإسرائيلي، وقدرة الداخل اللبناني على تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن البلاد تقف على حافة “حرب مؤجلة”، قد تندلع في أي لحظة إذا اختل ميزان الردع.

العراق: دولة بين نفوذين
في العراق، تتجلى تداعيات الحرب بشكل أكثر تعقيدًا، حيث يتقاطع الصراع الإقليمي مع أزمة داخلية مزمنة تتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه. تعثر تشكيل الحكومة يعكس حجم الانقسام داخل القوى الشيعية، لكنه في العمق يعكس أيضًا صراعًا بين النفوذ الإيراني والضغوط الأمريكية.
الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران، سواء عبر العقوبات أو عبر الحضور السياسي والأمني، تجعل من بغداد ساحة اختبار لإعادة رسم التوازنات. الرفض الأمريكي لفكرة “حكومة فصائل” يقابله تحرك إيراني للحفاظ على نفوذها، ما يضع الطبقة السياسية العراقية أمام معادلة صعبة.
اقتصاديًا، تكشف أزمة مضيق هرمز عن هشاشة البنية التصديرية للعراق، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على هذا الممر الحيوي. المقترحات بإنشاء خطوط أنابيب بديلة عبر تركيا ليست مجرد مشاريع اقتصادية؛ بل تعكس محاولة استراتيجية لفك الارتباط الجزئي بالمخاطر الجيوسياسية.
لكن التحدي الأكبر يظل داخليًا: هل يستطيع العراق بناء قرار سياسي مستقل في ظل هذا التشابك؟ أم سيظل رهينة لتوازنات الخارج؟ في ظل المعطيات الحالية، يبدو أن البلاد تتجه نحو “إدارة الأزمة” بدل حلها، مع استمرار حالة اللايقين السياسي.

سوريا: إعادة تشكيل الدولة
في سوريا، تتداخل تداعيات الحرب مع مرحلة انتقالية معقدة بعد التغيرات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد. ورغم أن التأثير المباشر للحرب يبدو محدودًا مقارنة بدول أخرى، فإن التداعيات غير المباشرة تحمل أبعادًا عميقة.
اقتصاديًا، تحاول دمشق الاستفادة من عودة بعض الموارد، خصوصًا في المنطقة الشرقية، لتقليل الاعتماد على الخارج. جهود إصلاح القطاع المالي، والتعاون مع المؤسسات الدولية، تعكس محاولة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس جديدة، رغم التحديات الهائلة.
لكن التحدي الأكبر يظل أمنيًا. التوغلات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب، والسعي لإقامة منطقة منزوعة السلاح، يضعان سوريا أمام معادلة صعبة بين تجنب التصعيد والحفاظ على السيادة. التصريحات حول إمكانية التوصل إلى تفاهمات أمنية مع إسرائيل تعكس براغماتية جديدة، لكنها تصطدم بواقع ميداني معقد.
سياسيًا، تبدو سوريا في مرحلة “إعادة تموضع”، تحاول فيها التكيف مع نظام إقليمي جديد قيد التشكل. نجاح هذا المسار يعتمد على قدرة الدولة على استعادة السيطرة الكاملة على أراضيها، وبناء توازن دقيق بين الانفتاح الخارجي والحفاظ على الاستقلالية.

الأردن: الاستقرار تحت النار
في الأردن، تتجسد تداعيات الحرب بشكل مباشر وخطير. استهداف الأراضي الأردنية بمئات الصواريخ والمسيّرات يضع المملكة في موقع حساس، حيث تتحول إلى “خط تماس غير معلن” في الصراع الإقليمي.
رغم ذلك، تمكنت عمّان من الحفاظ على توازن دقيق، عبر تعزيز قدراتها الدفاعية، وتأكيد موقفها الرافض لاستخدام أراضيها في أي عمليات عسكرية. هذا الموقف يعكس سياسة تقليدية تقوم على تجنب الانخراط المباشر، مع الحفاظ على التحالفات الاستراتيجية.
اقتصاديًا، يواجه الأردن ضغوطًا مشابهة لدول أخرى، خصوصًا عبر ارتفاع أسعار الطاقة وتأثر قطاع السياحة. لكن الإجراءات الاستباقية؛ مثل تعزيز سلاسل الإمداد وضمان أمن الطاقة، ساعدت في تخفيف حدة الصدمة.
كما أن انخراط الأردن في مبادرات دولية لتعزيز الأمن المائي، يعكس إدراكًا لأهمية بناء “مناعة اقتصادية” في مواجهة الأزمات. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر هو الحفاظ على الاستقرار الداخلي في ظل بيئة إقليمية متقلبة.
تداعيات إقليمية: المشرق في قلب العاصفة
ما يميز دول المشرق عن غيرها أنها ليست فقط متأثرة بالحرب؛ بل جزء من مسرحها. فلبنان يمثل جبهة مباشرة، والعراق ساحة نفوذ، وسوريا ميدان إعادة تشكيل، والأردن خط دفاع متقدم.
هذا الواقع يجعل المنطقة أكثر عرضة لتداعيات متعددة الأبعاد: عسكرية، عبر احتمالات التصعيد؛ واقتصادية، عبر صدمات الطاقة والتضخم؛ وسياسية، عبر إعادة تشكيل التحالفات.
كما أن تراجع دور المؤسسات الدولية، وعودة منطق القوة، يزيدان من حالة عدم اليقين، ويجعلان الدول الصغيرة والمتوسطة أكثر عرضة للضغوط.
نظرة مستقبلية: بين الاحتواء والانفجار
في المحصلة، يقف المشرق العربي أمام مفترق طرق حاسم. السيناريو الأول يتمثل في احتواء الصراع، ما يمنح هذه الدول فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية. أما السيناريو الثاني، فهو اتساع رقعة الحرب، ما قد يدفع المنطقة إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار.
في لبنان، يبقى خطر الانفجار قائمًا؛ وفي العراق، تستمر معركة القرار السياسي؛ وفي سوريا، تتواصل عملية إعادة البناء وسط تحديات أمنية؛ وفي الأردن، يستمر الرهان على التوازن.
لكن القاسم المشترك هو أن هذه الدول لم تعد تملك رفاهية الانتظار. فالحرب، حتى لو لم تُحسم عسكريًا، تعيد تشكيل الإقليم سياسيًا واقتصاديًا، وتفرض واقعًا جديدًا يتطلب استجابات مختلفة.
في عالم يتغير بسرعة، يبدو أن المشرق العربي يعيش لحظة “إعادة تعريف”، حيث لا يقتصر التحدي على النجاة من الأزمة؛ بل يمتد إلى القدرة على بناء نموذج أكثر صلابة في مواجهة أزمات قادمة قد تكون أكثر تعقيدًا.



