«القاهرة والرياض في قلب الاستقرار الإقليمي: شراكة استراتيجية لمواجهة أزمات الشرق الأوسط في زمن الاضطراب الإقليمي وإعادة تشكيل موازين القوة»

رامي زهدي – نائب رئيس مركز_العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيچية
لم تكن زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة اليوم، واستقباله من قبل الرئيس عبد الفتاح السيسي في قصر الاتحادية، حدثا عابرا يمكن إدراجه ضمن الزيارات الدورية بين دولتين شقيقتين، بقدر ما جاءت تعبيرا سياسيا مكثفا عن لحظة إقليمية شديدة التعقيد، وعن إدراك مشترك بأن تماسك محور القاهرة الرياض لم يعد خيارا دبلوماسيا مرنا، بل أصبح ضرورة استراتيجية حاكمة لإدارة التوازنات الإقليمية، واحتواء موجات الفوضى، ومنع انزلاق المنطقة إلى مسارات أكثر خطورة وكلفة.

المنطقة العربية تقف اليوم على تخوم واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا منذ نهاية الحرب الباردة، حروب مفتوحة ومؤجلة، دول تتآكل من الداخل، صراعات نفوذ إقليمية ودولية متداخلة، وأزمات اقتصادية عابرة للحدود، في ظل نظام دولي يعاد تشكيله على مهل ولكن بثبات، الشرق الأوسط لم يعد ساحة صراع محلية، بل عقدة مركزية في شبكة تنافس عالمي، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، من الولايات المتحدة إلى الصين وروسيا، مرورا بأوروبا التي تبحث عن أمن الطاقة، وأسواق جديدة، واستقرار مفقود.
في هذا السياق، تكتسب العلاقة المصرية السعودية ثقلا مضاعفا، نحن أمام دولتين تمثلان معا ما يمكن تسميته بالكتلة الصلبة للنظام العربي، مصر بثقلها السكاني الذي يتجاوز 112 مليون نسمة، وبموقعها الجيوسياسي الفريد المتحكم في قناة السويس التي يمر عبرها ما يقرب من 12 في المئة من التجارة العالمية، وبجيشها المصنف ضمن أقوى عشرة جيوش عالميا وفق تقارير دولية متعددة، والسعودية بثقلها الاقتصادي والمالي، باعتبارها أكبر اقتصاد عربي، وواحدة من أهم منتجي الطاقة عالميا، بحصة تقارب 10 في المئة من الإنتاج العالمي للنفط، وبدورها المتعاظم كمركز استثماري إقليمي في إطار رؤية 2030 التي تستهدف ضخ استثمارات تتجاوز تريليون دولار خلال العقد المقبل.
التحديات المحيطة بالدولتين لا تحتاج إلى كثير شرح، حرب غزة وما تفرضه من استحقاقات أمنية وسياسية وإنسانية، تهديدات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب التي كلفت الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، الأوضاع المتفجرة في السودان وليبيا واليمن، وتصاعد التوتر في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية العالمية التي ألقت بظلالها على معدلات النمو والتضخم وأسعار الغذاء والطاقة في المنطقة.
في مواجهة هذا المشهد، تبدو القاهرة والرياض وكأنهما تتحركان من منطلق رؤية واقعية عقلانية، تدرك أن إدارة الأزمات لا تكون بالصوت العالي أو بالمغامرات غير المحسوبة، بل بتكثيف التنسيق، وتوحيد الرؤى، وبناء مساحات تفاهم إقليمي تقلل من فرص الانفجار، وتعيد الاعتبار لمنطق الدولة الوطنية، وتوازن المصالح، واحترام السيادة.
اللقاء بين الرئيس السيسي ووزير الخارجية السعودي عكس هذا الفهم العميق، الرسائل المتبادلة لم تقتصر على المجاملات الدبلوماسية، بل حملت تأكيدا واضحا على أن البلدين ينظران إلى الإقليم من زاوية واحدة تقريبا، زاوية ترى أن استقرار الدول هو خط الدفاع الأول ضد الفوضى، وأن أي ترتيبات إقليمية أو دولية لا تأخذ في اعتبارها مصالح شعوب المنطقة، وأمنها القومي، محكوم عليها بالفشل.
مصر والسعودية تلتقيان اليوم عند مجموعة من الثوابت، رفض تصفية القضية الفلسطينية أو فرض حلول قسرية خارج إطار الشرعية الدولية، دعم وحدة الدول الوطنية ورفض مخططات التفكيك والتقسيم، سواء في السودان أو ليبيا أو الصومال أو غيرهما، وكذلك تأمين الممرات الملاحية الدولية باعتبارها شريانا حيويا للاقتصاد العالمي، وليس مجرد ملف أمني عابر، إضافة إلي الانفتاح على صيغ تهدئة إقليمية عقلانية تقلل من منسوب الصراع، دون التفريط في المصالح الاستراتيجية.
هذا التوافق لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى تاريخ طويل من الشراكة السياسية والاستراتيجية. فمنذ عام 2014، شهدت العلاقات المصرية السعودية طفرة نوعية، تُرجمت في حجم الاستثمارات السعودية في مصر التي تجاوزت 35 مليار دولار، وفي تنسيق سياسي وثيق في ملفات إقليمية كبرى، وفي شراكات اقتصادية وتنموية، كان آخرها الإعلان عن ضخ استثمارات سعودية جديدة في قطاعات الطاقة المتجددة، والسياحة، والبنية التحتية، في إطار رؤية مشتركة لتعزيز التكامل الاقتصادي العربي.
اللافت في المشهد الحالي أن هذا التنسيق لا ينحصر في إدارة الأزمات، بل يمتد إلى التفكير في ما بعد الأزمات، القاهرة والرياض تدركان أن العالم يتغير، وأن المنطقة إن لم تكن فاعلا في إعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي، ستكون مجرد ساحة لتصفية الحسابات، من هنا تأتي أهمية الحديث عن التكامل لا بوصفه شعارا رومانسيا، بل كخيار استراتيجي، يبدأ بالتنسيق السياسي، ويمتد إلى الاقتصاد، والاستثمار، والأمن الغذائي، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحتى التعاون في القارة الإفريقية التي تمثل مجالا حيويا مشتركا للمصالح المصرية والسعودية.
إفريقيا، على سبيل المثال، لم تعد هامشا في الحسابات الاستراتيجية، فالقارة التي يتجاوز عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، ويتوقع أن يصل إلى 2.5 مليار بحلول 2050، تمثل سوقا واعدة، ومصدرا للمواد الخام، وعمقا استراتيجيا للأمن العربي، مصر تتحرك فيها من بوابة الجغرافيا والتاريخ، والسعودية من بوابة الاستثمار والتنمية، والتكامل بين المسارين يمكن أن يخلق كتلة تأثير حقيقية تعيد التوازن لمعادلات النفوذ داخل القارة.
في المحصلة، زيارة وزير الخارجية السعودي إلى القاهرة، واستقباله من الرئيس السيسي، ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل تعبير عن إدراك مشترك بأن اللحظة الراهنة لا تحتمل الترف السياسي، ولا تسمح بالاختلافات الهامشية، إنها لحظة اصطفاف عقلاني بين دولتين تعلمان أن الحفاظ على استقرار الإقليم يبدأ من تماسكهما، وأن أي خلل في هذا التوازن ستكون كلفته باهظة على الجميع.
القاهرة والرياض اليوم لا تديران علاقة ثنائية فقط، بل تتحملان مسؤولية إقليمية أوسع، مسؤولية حماية ما تبقى من منطق الدولة، ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة، وصياغة مسار عربي أكثر تماسكا في عالم شديد الاضطراب وهي مسؤولية ثقيلة، لكنها ليست جديدة على دولتين اعتادتا أن تكونا في قلب التاريخ، لا على هامشه.


