تقدير موقف

جمال المحلاوي يكتب.. وثيقة الأمن القومي الأمريكي 2025 إنعزال أم إعادة تموضع؟

في تطور ملفت للنظر ظهرت وثيقة الأمن القومي الأمريكي نسخة 2025 ( النسخة الترامبية ) والتي أضاف لها الرئيس الأمريكي لمبدأ مونرو وهو الرئيس الأمريكي وهو خامس رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة بين 1817 حتى 1825 والذي يعد من الآباء المؤسسين .والذي أقر موقفا للسياسة الخارجية الأمريكية وهو معارضة الاستعمار الأوربي في نصف الكرة الأرضية الغربي ( الأمريكتين ) وأن أي تدخل في تلك المنطقة يعتبر عملا عدائيا ضد الولايات المتحدة الأمريكية أما النسخة الترامبية اليوم فامت بتوسيع الدائرة الجغرافية للنصف الغربي كفضاء حصري للنفوذ الأمريكي لايجب اقتراب روسيا والصين منه خاصة امريكا اللاتينية ودول الكاريبي باستخدام آليات منها أمن الحدود ومنع الهجرة تماما خاصة غير الشرعية مع توظيف اتفاقيات في التجارة والاستثمار لتقوية الحكومات المحلية الموالية لواشنطن في مواجهة خصومها .

اقرأ أيضا: جمال المحلاوي يكتب.. دارفور الجرح الدامي

وبذلك فإن خريطة العالم يعاد رسمها في عقل الاستراتيجية الأمريكية بدائرة غربية تبدأ من ألاسكا أقصى شمال غرب أمريكا الشمالية حتى بتاجونيا في أقصى جنوب أمريكا الجنوبية بامتداد المحيط الأطلنطي حتى الشاطيء الشرقي له في غرب إفريقيا .كدائرة مغلقة يجب حمايتها من الهجرة الغير نظامية . والجريمة المنظمة و غسيل الأموال  والقضاء على منابع المخدرات وتجفيفها  حيث يمثل كل ذلك أدوات الصراع الجيوسياسي مع قوى تنافس النفوذ الأمريكي في تلك المنطقة . والتي تعد الحديقة الخلفية للولايات المتحدة ينافس فيها واشنطن قوى تسعى لزرع نفوذها فيها . وهذا مايفسر الموقف الأمريكي من دولتين طالما سببتا صداع في رأس الاستراتيجي الأمريكي ألا وهما فنزويلا وكولمبيا .

* أما الأولى فتعد أهم حليف تجاري وعسكري لروسيا فقد تصاعد الموقف مع إعلان وزارة الحرب الأمريكية نشر حاملة الطائرات جيرالد فورد ومجموعة من السفن بالقرب من السواحل الفنزويلية وذلك بهدف حرب واشنطن على منظمات تهريب المخدرات العابرة للحدود إلا أن بعض المراقبين يرون أن ذلك التحرك العسكري والذي يشمل  10 آلاف جندي و8 سفن و10 مقاتلات إف -35 تتجاوز بكثير نطاق مكافحة تهريب المخدرات وانه يعد أكبر حشد عسكري في الكاريبي منذ عقود وأن تلك الاستعدادات تشير إلى توجيه ضربات محتملة داخل فنزويلا والذي رفضه الرئيس مادورو واعتبره اختلاق حرب جديدة لأسباب واهية  وأن السبب الحقيقي هو السيطرة على البترول والتي تعد فنزويلا أكبر مالك لاحتياطي الذهب الأسود عالميا الأمر الذي يحذر منه الكثيرون بأنه تكرار سيناريوهات العراق وليبيا .

*أما الدولة الثانية وهي كولومبيا فتربطها بالصين علاقة استراتيجية بعد انضمامها إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية عام 2004 وبلغت حجم التجارة بين  الصين و كولومبيا قرابة 21 مليار دولار وأصبحت الشركات الصينية اللاعب الأساسي في مشاريع البنية التحتية كمشروع عقد مترو بوجوتا ومشروع طريق هايواي توذي سيز 2 ومشروع بوجوتا بيو لإنتاج اللقاحات وكذلك التعاون التكنولوجي الضخم والذي أبدت الشركات الأمريكية مخاوف من تناميه باعتباره خطرا أمنيا على واشنطن ويعود ذلك التنامي في التعاون بين الصين وكولومبيا إلى التراجع الأمريكي الواضح فيها خاصة في الحقبة الترامبية والتي وصلت إلى الحد الذي يصف فيه ترامب الرئيس الكولومبي بيترو بالبلطجة وفرض عقوبات عليه وعلى دائرته المقربة وإلغاء إعتماد كولومبيا كشريك في الحرب على المخدرات وانخفاض المساعدات لها بشكل حاد . وتمتلك كولومبيا احتياطات كبيرة من البترول والذهب والفحم والنحاس وأكبر منتج للزمرد في العالم وتتفوق على كل دول قارتها في إنتاج الطاقة الكهرومائية . وتعد أكبر منتج للكوكايين في العالم حيث تنتجه العصابات فيها بما يقدر بحوالي 400 مليون دولار أسبوعيا.

وهنا يبرز التساؤل هل الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تهتم بالفعل بالقضاء على منابع المخدرات في أمريكا الجنوبية؟ أم أنها تهتم بأشياء أخرى لعل أهمها وقف تنامي النفوذ الصيني والروسي بل والتخلص منه في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة وكذلك السيطرة على مصادر الطاقة في تلك الدول لإمداد الصناعة الأمريكية بمايلزم حرصا على تناميها واستمراريتها وفك الارتباط الاعتمادي على الصين .

وفي اعتراف بين السطور بأن الصين أصبحت قوة عظمى قوية اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا فشل مشروع إدماجها والصراع الاقتصادي معها وليس أدل على ذلك من فشل فكرة رفع الرسوم الجمركية والتي أثبتت لأمريكا أنه يجب الاتجاه إلى فك الارتباط التدريجي عن الارتباط بالصين في قطاعات حساسة مثل الصناعات القائمة على المعادن النادرة بإعادة بناء القاعدة الصناعية الأمريكية لتقليل هامش الضغط الصيني في ذلك الجانب .

منافسة الصين في الأسواق العالمية ببناء تكتل اقتصادي وتكنولوجي مع دول مثل كوريا واليابان واستراليا والتي تعد خط دفاع أول لمصالح الولايات المتحدة في آسيا والمحيط الهادي الأمر الذي يمنع خوض حرب شاملة بين الولايات المتحدة والصين حول تايوان وربما يظهر دور الهند ودول جنوب شرق آسيا أيضا مستقبلا لتحقيق الردع العسكري للولايات المتحدة الأمريكية في تلك المنطقة  وكذلك السيطرة على النظام الدولي المالي بشكل أكبر .وبالتالي تستطيع واشنطن التحكم في الدائرة الثانية لأمنها القومي والتي تشمل آسيا ودول المحيط الهادي .وعن الشرق الأوسط الذي يمثل الدائرة الثالثة في عقلية الاستراتيجية الأمريكية وفق الوثيقة فقد تحول الصراع والتنافس فيها من الدول العظمى إلى الدول الكبرى والمتوسطة .وتنظر الولايات المتحدة نظرة جديدة للمنطقة بأنه لابد من تحول إسرائيل  من عبء أمني إلى ركيزة الأمن الإقليمي قاعدتها تحالفات مع دول الخليج وإسرائيل  وتوسيع لاتفاقيات أبراهام . أما عن إيران فترى الوثيقة أنها مصدر تهديد تمت محاصرته وإضعافه وأن واشنطن لم تعد بحاجة لخوض حرب شاملة ضدها وذلك بإدارة التهديد عبر تفعيل الأذرع الإقليمية وإسرائيل .             *وعن القضية الفلسطينية فتطرح الوثيقة تصورا في حصر القضية الفلسطينية في وقف الحرب في غزة وتبادل الأسرى وتشير الوثيقة إلى استمرار الصراع ولكن بشكل أكثر هدووءا في ظل تفوق إسرائيل العسكري بما يعني تهميش القضية واختصارها في موضوع غزة فقط .

* وتبنت الولايات المتحدة فلسفة الصين في التعامل مع الأنظمة العربية بالتعامل مع الدول وقادتها كما هم والابتعاد عن خطاب تغيير الأنظمة والضغط من أجل الديمقراطية , بل العمل مع الأنظمة العربية على أساس المصالح المشتركة وتوسيع الاستثمارات في مجالات النمو والذكاء الاصطناعي  والتعاون الدفاعي .

وبعد ذلك العرض نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيد التموضع مرة أخرى لإعادة الهيمنة الأمريكية في ظل ظهور المنافسين الجدد على رأسهم الصين وإظهار العالم بأنه يتحول لنظام متعدد الأقطاب ولكن في الحقيقة تبقى الولايات المتحدة وتستمر كقطب أوحد يدير المشهد العالمي أي التحول من لاعب الدور إلى مخرج الدور الأوحد تحت شعار أمريكا أولاً.

 

 

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى