تقدير موقف

لبنان على حافة الهاوية: صراع السلاح والطائفية

في ظل التصعيد الأخير بين حزب الله والحكومة اللبنانية حول ملف نزع السلاح، يتجدد شبح الحرب الأهلية التي مزقت لبنان بين عامي 1975 و1990، حيث تتداخل العوامل الطائفية والتدخلات الخارجية والصراعات الداخلية بطريقة تذكرنا بالأسباب التي أشعلت الصراع سابقاً. اليوم، يعيد التاريخ نفسه بوجوه جديدة، لكن بذات الجذور العميقة التي تعود إلى التركيبة الطائفية الهشة للبنان والتدخلات الإقليمية والدولية. فالحرب الأهلية اللبنانية، التي راح ضحيتها ما يقارب 120 ألف شخص وشردت أكثر من مليون، لم تكن مجرد صراع بين الموارنة والفلسطينيين أو بين المسيحيين والمسلمين، بل كانت حرباً متعددة الأوجه، شاركت فيها فصائل محلية وإقليمية ودولية، تماماً كما يحدث اليوم مع حزب الله الذي تحول من ميليشيا مقاومة إلى دولة داخل الدولة، مدعوماً من إيران ومحور المقاومة، في مواجهة تحالفات محلية ودولية تسعى إلى تجريده من سلاحه.

 اقرأ أيضا: المشرق العربي بين الإصلاح والتحوّل: العراق نحو الاستقلال الطاقوي، مفاوضات تاريخية في سوريا، ولبنان وغزة على حافة الانفجار

تبدأ القصة مع الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في 13 أبريل 1975 بعد حادثة عين الرمانة، حيث هوجمت حافلة تقل فلسطينيين ولبنانيين، مما أدى إلى مقتل 27 شخصاً. كانت هذه الشرارة التي أطلقت صراعاً دامياً تعددت أطرافه بين الجبهة اللبنانية المسيحية، والحركة الوطنية اللبنانية التي ضمت دروزاً ويساريين، ومنظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى تدخلات سورية وإسرائيلية.

اليوم، يعيد حزب الله، الذي ولد من رحم تلك الحرب عام 1982 كرد فعل على الاجتياح الإسرائيلي، نفس السيناريو بتحالفات مختلفة. فالحزب، الذي تأسس بدعم من الحرس الثوري الإيراني وتبنى أيديولوجية ولاية الفقيه، أصبح لاعباً رئيسياً في المعادلة اللبنانية والإقليمية، بل وتجاوز دوره من مقاومة إسرائيل إلى المشاركة في الحروب الإقليمية كحروب سوريا والعراق، مما أفقده جزءاً من شرعيته بين بعض اللبنانيين، خاصة السنة والمعارضين للنظام السوري.

اتفاق الطائف عام 1989 كان العامل الرئيس الذي أنهى الحرب الأهلية، حيث أقر تقاسماً طائفياً جديداً للسلطة بين المسيحيين والمسلمين، ونزع سلاح الميليشيات، باستثناء حزب الله، الذي احتفظ بسلاحه لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

اليوم، يعود الجدل نفسه حول سلاح الحزب، لكن في سياق مختلف. فبعد حرب 2024 المدمرة بين حزب الله وإسرائيل، والتي أسفرت عن مقتل زعيمه السابق حسن نصر الله وتدمير جزء كبير من بنيته التحتية حيث كانت أحداث البيجر بمثابة ضربة قاصمة لظهر الحزب، تقدم الولايات المتحدة خطةً لنزع سلاحه مقابل انسحاب إسرائيلي وضمانات دولية. لكن حزب الله يرفض هذه الخطوة، معتبراً أن سلاحه هو الضمانة الوحيدة ضد العدوان الإسرائيلي، تماماً كما رفضت الميليشيات في الحرب الأهلية نزع سلاحها دون ضمانات سياسية وطائفية، لاسيما وأن الأمر لن يتوقف عند تسليم الحزب لسلاحه، فعلي غرار أحداث 1982 في صابرا وشاتيلا، ستكون أحداث ما بعد تسليم السلاح، فإما الموت أو الملاحقات الدولية، وفي المجمل سيكون قادة الحزب وأعضاؤه تحت المقصلة الإسرائيلية.

السياق الطائفي لا يزال العامل الأكثر خطورة في إشعال فتيل الحرب. ففي السبعينيات، كان الموارنة يسيطرون على السلطة رغم أن المسلمين أصبحوا الأكثرية بسبب تدفق اللاجئين الفلسطينيين، مما خلق خللاً ديموغرافياً وسياسياً. اليوم، يعاني لبنان من انقسام مماثل، حيث يحذر حزب الله من أن نزع سلاحه سيعيد إنتاج هيمنة طائفية، خاصة أن الشيعة الذين كانوا مهمشين سابقاً، أصبحوا بفضل الحزب جزءاً من مركز القوة. تصريحات نعيم قاسم، الأمين العام الحالي للحزب، تؤكد هذا التوجه: “هذا وطننا جميعاًوإلا فلن يكون للبنان حياة إذا وقفتم مع الجانب الآخر وحاولتم مواجهتنا“. هذه اللغة التصعيدية تذكرنا بخطابات الحرب الأهلية، حيث تحولت الخلافات السياسية إلى مواجهات مسلحة تحت شعارات الحفاظ على الهوية أو مقاومة الاحتلال.

الدور الإقليمي والدولي يشكل عاملاً حاسماً آخر. ففي الحرب الأهلية، كانت لبنان ساحة للصراع بين القوى الكبرى، حيث دعمت أمريكا وإسرائيل القوات المسيحية، بينما وقفت سوريا والاتحاد السوفياتي مع الفلسطينيين والحركة الوطنية. فيما اليوم، تحاول إيران، عبر حزب الله، تعزيز نفوذها في لبنان كجزء من صراعها مع إسرائيل والغرب، بينما تسعى أمريكا إلى إضعاف هذا النفوذ عبر الضغط لنزع سلاح الحزب. فيما هدد المبعوث الأمريكي توماس براك بورقته ورقة براكبقطع المساعدات الدولية ما لم يتم نزع السلاح، بينما تحذر إيران من أي خطوة في هذا الاتجاه، بل وأعلنتها صراحة حين زاد الدكتور علي لاريجاني قصر بعبدا الأسبوع الماضي، مؤكداً للرئيس جوزيف عون ألا نزع لسلاح الحزب، حيث يعتبر جزءً لا يتجزأ من أمن طهران.

التحدي الأكبر اليوم هو قدرة الدولة اللبنانية الهشة على فرض سلطتها. ففي الحرب الأهلية، انهارت مؤسسات الدولة لصالح الميليشيات الطائفية، واليوم، يعتبر حزب الله أقوى من الجيش اللبناني نفسه، حيث يمتلك ترسانة صواريخ وجيشاً منظماً. الحكومة اللبنانية، التي يشارك فيها الحزب، عاجزة هي الأخرى عن اتخاذ قرارات حاسمة، خاصة أن أي خطوة نحو نزع السلاح قد تدفع به إلى المواجهة.

رئيس الوزراء نواف سلام يقول إن اتفاق الطائف ميثاقنا وهو ينص على بسط سلطة الدولة، لكنه يعترف ضمناً بأن هذه السلطة غير قادرة على حماية لبنان من إسرائيل دون سلاح حزب الله. هذه المعادلة المستحيلة تخلق بيئةً مشابهةً لتلك التي سبقت الحرب الأهلية، حيث كانت الميليشيات هي من يملك القوة الفعلية.

إذن، هل يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه؟!

الإجابة ليست بسيطة. فلبنان اليوم مختلف من نواحٍ عديدة: الذاكرة المروعة للحرب الأهلية تجعل اللبنانيين أكثر حذراً من الانزلاق إلى العنف، كما أن المجتمع الدولي يتابع الملف عن كثب. لكن التشابه في العوامل العميقة الطائفية، ضعف الدولة، التدخل الخارجييجعل السيناريو الكارثي ممكناً، خاصة بعد تصريحات نعيم قاسم التي تحذر من حرب أهليةإذا تم استهداف حزب الله، ومع تصاعد الخطاب الطائفي، يبدو أن لبنان يقف على حافة الهاوية مرة أخرى، حيث قد يتحول الخلاف حول السلاح إلى مواجهة دموية تذهب بكل ما تبقى من استقرار هذا البلد الصغير الذي ظل لقرون نموذجاً للتعايش، قبل أن تطحنه آلة الحرب بفعل فاعل معلوم.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى