المشرق العربي بين الإصلاح والتحوّل: العراق نحو الاستقلال الطاقوي، مفاوضات تاريخية في سوريا، ولبنان وغزة على حافة الانفجار

إعداد علي فوزي الباحث في الشؤون العربية و الإفريقية
تشهد منطقة الشرق الأوسط سلسلة من التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية المتسارعة، تضع عدداً من دولها، مثل العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، أمام استحقاقات مفصلية سيكون لها تأثير مباشر على مستقبل الاستقرار الإقليمي. تتقاطع هذه التطورات في توقيت حرج، حيث تعيش المنطقة على وقع تحركات دبلوماسية دولية، وضغوط داخلية متزايدة، وأزمات إنسانية خانقة، تتطلب معالجات شاملة وجريئة.

في العراق، تسعى الحكومة بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى تحقيق استقلال طاقوي تدريجي، عبر مشاريع استراتيجية لإنتاج الغاز في محافظة البصرة، بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي بحلول عام 2027. ويأتي هذا التوجه ضمن سياسة أوسع لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الواردات الإيرانية. كما تشمل الخطة التوسع في إنتاج الطاقة الشمسية لتصل القدرة المستهدفة إلى 12 غيغاواط بحلول 2030. وترافق هذه الجهود إصلاحات في قطاع الكهرباء، بعد أن أدت أزمة نقص الغاز إلى تراجع الإنتاج إلى نحو 24.5 ألف ميغاواط فقط.
إلى جانب البعد الطاقوي، تعمل الحكومة العراقية على تنفيذ خطة اقتصادية شاملة تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على العائدات النفطية. وقد أعلن المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، عن حزمة إجراءات تشمل إصلاح النظام الضريبي، وأتمتة الجباية، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين إدارة أملاك الدولة، وتحديث المنظومة الجمركية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص. وقد بدأت هذه الخطوات في تحريك عدد كبير من المشاريع الكبرى المتوقفة، مما أعاد الأمل بجذب استثمارات خارجية وتعزيز الاستقرار المالي.
لكن هذه الطموحات الاقتصادية والطاقوية لا يمكن فصلها عن التحديات الأمنية التي يواجهها العراق. فقد جدّدت كتائب حزب الله، إحدى أبرز الفصائل المسلحة، مطالبتها للحكومة بالإسراع في تنفيذ اتفاق انسحاب القوات الأميركية من البلاد، مشيرة إلى أن المهلة المتبقية لا تتجاوز الشهرين. وكانت بغداد قد توصّلت في سبتمبر 2024 إلى اتفاق مع واشنطن يقضي بإنهاء المهام القتالية للتحالف الدولي خلال عام واحد. ومع بقاء نحو 2500 جندي أميركي موزعين على قواعد في الأنبار وأربيل وبغداد، فإن الملف لا يزال مفتوحاً على احتمالات تصعيد سياسي وأمني، في حال فشلت الحكومة في إيجاد صيغة توافقية تضمن السيادة وتُراعي الشراكة الدولية في الحرب على الإرهاب.

في السياق الإقليمي الأوسع، شهدت باريس مؤخراً اجتماعاً غير مسبوق جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الإسرائيلي رون ديرمر، برعاية المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك. ويُعد هذا اللقاء الأول من نوعه منذ 25 عاماً، وجاء بهدف التوصل إلى تفاهمات أمنية تُخفف من حدة التصعيد بين الطرفين، خصوصاً بعد الغارات الإسرائيلية المتكررة على الجنوب السوري. وتلاه اجتماع ثلاثي ضم وزيري خارجية سوريا وفرنسا، إلى جانب باراك، وأصدر بياناً دعا إلى دعم المسار الانتقالي في سوريا، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتفعيل الحوار بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.

أما في لبنان، فتزداد الضغوط الدولية على الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، إذ أكد المبعوث الأميركي توماس باراك أن مصداقية الحكومة اللبنانية تعتمد على مدى التزامها بتطبيق هذا المبدأ. وقد أقر الرئيس جوزاف عون ببطء تقدم مفاوضاته مع حزب الله، فيما رفض الحزب التعاطي مع الورقة الأميركية، متمسكاً بقرارات الأمم المتحدة كمرجعية. يأتي ذلك في ظل تصعيد أمني على الحدود مع إسرائيل، وتحركات ميدانية تمثلت في تفكيك معسكر تدريبي مسلح في بيروت، يضم عناصر من جنسيات لبنانية وفلسطينية.

وفي قطاع غزة، تتفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل مقلق، حيث أفادت منظمات الإغاثة بأن آلاف العائلات لم تتناول وجبة واحدة خلال أيام، فيما يواجه أكثر من مليوني شخص مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي. وقد دعا برنامج الأغذية العالمي إلى وقف فوري لإطلاق النار كشرط أساسي لوصول المساعدات إلى السكان المدنيين. وبينما تؤكد مصادر إسرائيلية أن المفاوضات مع حركة حماس لم تتوقف، تتواصل الاتصالات الدولية في محاولة لتجنب كارثة إنسانية وشيكة.
في مجمل الصورة، تبدو المنطقة مقبلة على مفترق حساس. فبين جهود الإصلاح الداخلي ومحاولات خفض التوتر الإقليمي، تبقى احتمالات الاستقرار رهناً بقدرة الحكومات على إدارة ملفاتها بأدوات سيادية وشراكات متوازنة، في ظل مشهد دولي يزداد تعقيداً وتنافساً على النفوذ.



