جراح النزوح وأوجاع الوباء.. الكوليرا تنهش غرب كردفان والسودان يصارع بين مطرقة الحرب وسندان الموت

يواجه السودان الشقيق اليوم فصلاً جديداً من فصول المأساة، حيث لم تعد النيران وحدها ما يهدد حياة الملايين من أبنائه، بل انضمت الأوبئة الفتاكة كعدو صامت ومخيف. وفي قلب هذه الأزمة الإنسانية العميقة، تعيش ولاية غرب كردفان تحت وطأة تفشٍ مرعب لمرض الكوليرا، الذي بدأ يحصد الأرواح بلا هوادة في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية. هذه التطورات الصحية المفجعة تتشابك مع مشهد سياسي وعسكري معقد دخل عامه الرابع، ليترك الملايين من المدنيين العزل محاصرين بين جحيم المدافع والانهيار البيئي.

الكوليرا تفتك بـ “فوجا” وتتمدد في غرب كردفان
وسط أجواء إنسانية بالغة التعقيد، سجلت إدارية “فوجا” التابعة لمحلية النهود بولاية غرب كردفان تدهوراً صحياً خطيراً، إثر التفشي المتسارع لوباء الكوليرا (الإسهال المائي الحاد). وأفاد عاملون في القطاع الصحي وغرف الطوارئ بالولاية، اليوم السبت، بـ وفاة ما لا يقل عن ٧٥ شخصاً وإصابة أكثر من ١٢٠ آخرين في حصيلة أولية مرشحة للارتفاع.
ولم يتوقف الوباء عند حدود فوجا، بل تمدد سريعاً إلى قاطعات ومناطق أخرى من بينها “الكَبرَة، والقُصة، والرقيق”، مع تسجيل حالات إصابة جديدة في منطقة “الفردوس” التابعة لمحلية لقاوة. وحذر الأطباء من أن الأوضاع خرجت عن السيطرة نتيجة ارتباط القرى المجاورة بأسواق مدينة فوجا الحيوية، مما ينذر بكارثة وبائية أوسع نطاقاً ما لم يتم تداركها عاجلاً.

الأهالي يلجؤون للأعشاب بسبب شح الأدوية
أطلقت الكوادر الطبية في غرب كردفان نداء استغاثة عاجل، بعد أن أصبحت المرافق الصحية عاجزة تماماً عن استيعاب الأعداد المتزايدة من المصابين الذين يتدفقون يومياً. ويعاني القطاع الصحي في الولاية من نقص حاد وعاجل في المحاليل الوريدية والأدوية المنقذة للحياة، وعجز كبير في الكوادر الطبية والتمريضية المؤهلة، خروج عدد من المشافي عن الخدمة نتيجة الشح الصارخ في الإمدادات.
هذا النقص الحاد دفع الأهالي المجبرين إلى اللجوء للعلاج البلدي والطب الشعبي والأعشاب التقليدية في محاولة يائسة لإنقاذ ذويهم، وهو ما يحذر منه المتخصصون كونه يساهم في زيادة رقعة الوفيات. وناشد أهالي المناطق الموبوءة وزارة الصحة الاتحادية، ومنظمة الصحة العالمية، وكافة المنظمات الإنسانية الدولية والإقليمية بالتدخل الفوري لتسيير قوافل طبية عاجلة واحتواء الموت الأبيض قبل فوات الأوان.

حمى الضنك وجدري القردة يحاصران دارفور
لم تكن الكوليرا في غرب كردفان سوى حلقة من سلسلة أوبئة تضرب جسد الوطن المنهك؛ حيث أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن مجتمع الإغاثة يكافح في ظل انعدام الأمن لاحتواء أمراض أخرى.
ففي إقليم دارفور (ولايتي وسط وجنوب دارفور)، تعمل السلطات الصحية مع المنظمات الدولية للتعامل مع تفشٍ مشتبه به لمرض جدري القردة بعد تسجيل أكثر من ٣٠٠ حالة مشتبه بها و٥ وفيات.
أما في الولايتين الشمالية ونهر النيل، فتشهد المنطقة انتشاراً متسارعاً لمرض حمى الضنك؛ حيث تضاعفت الحالات المشتبه بها في الولاية الشمالية لأكثر من ثلاث مرات خلال الشهر الماضي وحده لتتجاوز ٥٠٠ حالة. وتتزامن هذه الطوارئ الصحية مع تعرض المنشآت الطبية لمخاطر عسكرية؛ حيث أسفرت ضربات طائرات مسيرة في مدينة “ديلينج” بجنوب كردفان عن مقتل مدنيين وتدمير مرفق صحي بما يحتويه من إمدادات ومعدات طبية محدودة.
نفوق غامض لآلاف الفئران في نهر عطبرة
في سياق متصل بالأزمات البيئية والصحية، استيقظ سكان شرق السودان وتحديداً عند ملتقى نهر سيتيت ونهر عطبرة قبالة مدينة “الشواك” بولاية القضارف، على كابوس بيئي مخيف. وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توثق نفوقاً جماعياً لآلاف الفئران التي غطت ضفاف النهر وطفت على سطحه، وسط انتشار روائح كريهة للغاية.
وأثارت هذه الظاهرة الغامضة ذعراً عارماً بين المواطنين خوفاً من احتمالية تلوث مياه النهر بالسموم أو المواد الكيميائية، خاصة وأن النهر يمثل شريان الحياة الرئيسي للشرب والزراعة في المنطقة. وحذر أهالي المنطقة من استخدام المياه بشكل مباشر لحين صدور تقارير مخبرية رسمية، في وقت أكد فيه سكان مدينة “خشم القربة” المجاورة أن الفئران غزت بيوتهم وحقولهم بأعداد هائلة غير طبيعية قبل نفوقها.

البرهان يرفض التفاوض.. ودقلو يتوعد بالقتال لعقود
سياسياً وعسكرياً، يظل المشهد متصلباً ومعقداً؛ حيث شدد رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، خلال زيارته لمنطقة الدروشاب شمال الخرطوم بحري، على أنه “لا تفاوض ولا سلام مع قوات الدعم السريع”، مؤكداً أن العاصمة آمنة ومطمئنة ولن يستطيع أحد فرض حلول لا ترضي الشعب السوداني.
في المقابل، خرج قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، بتصريحات أكد فيها جاهزية قواته للقتال لعقود طويلة إذا استمر الجيش في الحرب، مشيراً إلى أن مقاتليه ما زالوا يتمركزون على مشارف العاصمة (أم درمان والخرطوم)، بالرغم من استعادة الجيش السيطرة على وسط الخرطوم في مارس ٢٠٢٥، وهو الصراع المستمر الذي تسبب حتى الآن في نزوح أكثر من ١٢ مليون شخص وخلق أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم
أمام هذا الانسداد السياسي، أعلن مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، أن الإدارة الأمريكية تعمل مع الشركاء لإيجاد حل سلمي وتوافقي، مؤكداً أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة رغم التدفق غير المسبوق للسلاح للطرفين. وكشف بولس عن وجود لائحة عقوبات جاهزة لاستخدامها والضغط بها على أطراف النزاع إذا لزم الأمر، مشيراً إلى وجود قنوات اتصال مؤسسية قائمة مع البرهان ودقلو لتقريب وجهات النظر والعودة للمسار المدني.
وعلى الصعيد العربي، أعلنت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية عن عقد دورة غير عادية وموسعة لمجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين برئاسة مملكة البحرين، بناءً على طلب عاجل تقدمت به جمهورية السودان لتدارك الأوضاع الإنسانية والعسكرية المتردية وبحث آليات عربية جماعية لوقف إطلاق النار وتسيير المساعدات الإنسانية.

انتصارات ميدانية.. وحراك دبلوماسي في الفاتيكان
ميدانياً، حقق الجيش السوداني تقدماً استراتيجياً في المحور الجنوبي؛ حيث أعلنت الفرقة الرابعة مشاة استعادة السيطرة الكاملة على منطقة “الكيلي” الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق على تخوم مدينة الكرمك القريبة من الحدود الإثيوبية، بعد معارك ضارية ضد قوات الدعم السريع والحركة الشعبية (شمال) بقيادة جوزيف توكا، مما يمهد لتأمين خطوط الإمداد الرئيسية بالمنطقة. وعلى الصعيد الدبلوماسي الحدودي، أعلنت الأمم المتحدة أن السودان وجنوب السودان يستعدان لعقد أولى جلسات الآلية السياسية والأمنية المشتركة لبحث ملف منطقة “أبيي” المتنازع عليها، في أول لقاء رسمي بين الجانبين منذ سنوات.
وفي إطار المساعي الدبلوماسية الخارجية التقى الفريق أول عبدالفتاح البرهان بالملك حمد بن عيسى آل خليفة في المنامة؛ حيث بحثا سبل وقف الحرب، وأعرب البرهان عن تضامن السودان مع البحرين ضد التهديدات الإقليمية الأخيرة. كما عقد رئيس مجلس الوزراء السوداني، الدكتور كامل الطيب، اجتماعاً مطولاً مع قداسة البابا ليو الرابع عشر في الفاتيكان، واستعرض معه مبادرة الحكومة السودانية للسلام، حيث أكد البابا والكاردينال بييترو بارولين دعم الكرسي الرسولي الكامل لوقف الحرب وتكثيف المساعدات الإنسانية عبر القنوات الدولية والكنسية.
وفي المقابل، بدأت ملامح التصدع تظهر في جبهة الدعم السريع؛ حيث أعلن العميد علي رزق الله (السافنا) انشقاقه رسمياً عن القوات، كاشفاً في مؤتمر صحفي عن حدوث تصفيات داخلية وانتقامية استهدفت القيادات المعارضة لاستمرار الحرب، ومحذراً من أن السلاح المنفلت معروض في الأسواق وبإمكان الجماعات المتطرفة الحصول عليه بسهولة.

أبعاد الكارثة الإنسانية في السودان
تختزل الأوضاع الراهنة في السودان مشهداً مأساوياً يتداخل فيه السلاح مع المرض؛ فالأرقام الصادمة لضحايا الكوليرا في غرب كردفان وأوبئة دارفور، والنفوق الغامض للفئران في القضارف، ليست مجرد أزمات عابرة، بل هي نتاج مباشر لحرب طال أمدها ودمرت البنية التحتية والمشافي وشبكات المياه. إن أنين أطفال “فوجا” وهم يتلقون تداوياً بدائياً بالأعشاب يضع المجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية عاجلة، تتطلب تخطي الحواجز العسكرية لإيصال الدواء والمصل، بالتوازي مع الضغط السياسي الحقيقي لإنهاء الحرب، لإنقاذ شعب عريق يستحق الحياة والسلام



