تقدير موقف

د. أشرف ممتاز يكتب.. صدمة هرمز وتفوق الصين في أمن الطاقة

في وقت يواجه فيه العالم حالة عدم يقين بشأن مستقبل الطاقة جراء استمرار الحرب الأمريكية على إيران وقيام طهران بإغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاعات كبيرة في أسواق النفط، كشفت تلك الحرب أن الصين كانت مستعدة منذ سنوات لتلك التقلبات؛ من خلال تبني استراتيجية وقائية لحماية أمن طاقتها اعتمدت على تنويع المصادر وتقليل الاعتماد على واردات الطاقة، مما منحها حصانة من صدمات الصراعات الجيوسياسية، بل وجعلها في وضع يتيح تحويل تلك الأزمات إلى ميزة في السباق نحو الهيمنة الاقتصادية.

في العام الماضي استوردت بكين -التي تعد أكبر مستورد للنفط في العالم-حوالي نصف احتياجاتها من النفط الخام، وما يقرب من ثلث غازها الطبيعي المسال من الشرق الأوسط، لكنها استثمرت بذكاء في بناء مخزونات استراتيجية من الوقود؛ حيث تحتفظ الصين بأكبر احتياطيات طوارئ من النفط في العالم بإجمالي 1.3 مليار برميل. ومن المشاهدات اللافتة في الحرب على إيران، أنه بعد مرور شهر على اندلاع الحرب أعلنت العديد من الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، الاستعانة باحتياطاتها الاستراتيجية من النفط لكبح جماح الأسعار، إلا أن الصين بدت ثابتة ولم تلجأ إلى هذا الإجراء حتى اليوم، والفضل في ذلك يرجع إلى ثلاثة أسباب تكتيكية:

أولها: أن العلاقات السياسية التي تربط بين الصين وإيران وموقف بكين الحاسم برفض العدوان الأمريكي على طهران منحا سفن الشحن الصينية أولوية كاملة في العبور من مضيق هرمز، في ظل إعلان الحرس الثوري الإيراني -منذ التحكم في حركة الملاحة عبر المضيق-أنه سيتم السماح لسفن “الدول الصديقة” فقط بالعبور. وتشير تقديرات شركة بيانات الشحن البحري “كيبلر” إلى أن إيران قامت بشحن حوالي 11.7 مليون برميل من النفط الخام إلى الصين -التي تعتبر أكبر مشترٍ للنفط الإيراني-عبر مضيق هرمز منذ بداية الحرب، وسمحت بعبور 15 سفينة شحن صينية عبر المضيق.

السبب الثاني: يرجع إلى أن حوالي نصف ما تستورده الصين من الغاز الطبيعي يأتي عبر الأنابيب من روسيا وتركمانستان عبر خط “قوة سيبيريا” بموجب عقود طويلة الأجل، وتوفر هذه العقود استقراراً للأسعار وحماية للصين من تقلبات أسواق الغاز المسال الفورية.

أما السبب الثالث: فهو قيام الصين بتقييد الصادرات البترولية من مصافي التكرير في البلاد؛ حيث عقدت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح -وهي أعلى جهة تخطيط اقتصادي في الصين-اجتماعاً مع مديري المصافي طلبت خلاله تعليق شحنات المنتجات المكررة فوراً، وحثت اللجنة شركات التكرير على التوقف عن توقيع عقود تصدير جديدة، والعمل على التفاوض لإلغاء الشحنات التي تم الاتفاق عليها بالفعل. وشمل القرار استثناءات محدودة، أبرزها وقود الطائرات، والوقود البحري المخزن في المستودعات الجمركية، إضافة إلى الإمدادات الموجهة إلى هونغ كونغ وماكاو. وتحصل شركات “بتروتشاينا”، و”سينوبك”، و”سي إن أو أو سي”، و”سينوكيم”، إضافة إلى المصفاة الخاصة “تشجيانغ بتروكيميكال”، بانتظام على حصص تصدير الوقود من الحكومة الصينية. وبالرغم من أن الصين تمتلك أحد أكبر قطاعات التكرير في العالم، فإن معظم إنتاجها يذهب لتلبية الطلب المحلي.

 

استراتيجية المزيج الرباعي

استراتيجياً، نفذت الصين على مدار العقود الثلاثة الماضية خطتها لأمن الطاقة التي استهدفت بناء أكبر نظام متكامل لمزيج الطاقة في العالم. ولطالما تعرضت بكين للسخرية والتهكم من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية حول إنفاقها مبالغ طائلة على مشروعات الطاقة المتجددة، وبالفعل تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين تحتل المرتبة الأولى كأكثر دول العالم استثماراً في مجال الطاقة المتجددة بنسبة 30% من إجمالي الاستثمارات العالمية، إذ يبلغ حجم استثمارات الصين في الطاقة النظيفة حوالي 650 مليار دولار، وهو ما يتجاوز نصف استثمارات الاقتصادات المتقدمة. لكن واقع حال العالم اليوم بعد الحرب على إيران يثبت أن الصين كان لديها “بعد نظر” في حماية اقتصادها الأقوى عالمياً والمرهون بأمن طاقتها من تداعيات الصراعات الدولية في مناطق إمدادات الطاقة. ومنذ عام 2021 أصبحت الطاقة المتجددة المحرك الرئيسي للنمو في توليد الكهرباء بنسبة تصل إلى 25% من إجمالي الاستهلاك المحلي الصيني، مع توقعات بأن تصل إلى 65% خلال الأعوام القليلة القادمة.

 

أولاً: طاقة الرياح

شهدت طاقة الرياح توسعاً “استثنائياً” في الصين بفضل النمو اللافت في مشاريع منصات الرياح البرية ومزارع الرياح البحرية ودعم التطوير والأبحاث في مجال تكنولوجيا التصنيع والتوليد، مما رسخ مكانة بكين كأكبر منتج لطاقة الرياح في العالم منذ 15 عاماً متتالية بسعة تصل إلى 600 مليون كيلوواط. ووفقاً لبيانات الهيئة الوطنية الصينية للطاقة، تضاعفت قدرة إنتاج طاقة الرياح في الصين 1300 مرة خلال 20 عاماً بمساهمة في الناتج الاقتصادي الصيني بقيمة تصل إلى 1.4 تريليون دولار. وتمتلك الصين أكبر أربع شركات لصناعة توربينات طاقة الرياح في العالم (جولدويند، إنفيجن، مينج يانج، ويندي) تسهم في تصنيع 50% من إجمالي توربينات الرياح عالمياً ونحو 150 مليون متر من مراوح الرياح. كما قامت الصين بتصدير 5800 من توربينات الرياح بقدرة 21 مليون كيلوواط إلى 60 دولة في العالم، وهو ما ساهم في خفض انبعاثات الكربون في تلك الدول بإجمالي 4 مليارات طن.

الصين لا تصنع التوربينات فحسب، بل تسيطر على 70% من المكونات الحيوية (مثل المولدات، والمغناطيسات الدائمة التي تعتمد على الأتربة النادرة، والشفرات العملاقة)؛ وهو ما يعني أنه حتى لو رغبت دول أخرى في التوسع في الطاقة المتجددة هرباً من أزمة النفط، فإنها ستظل تعتمد على التكنولوجيا الصينية. وبفضل الإنتاج الضخم، استطاعت الصين خفض تكلفة إنتاج توربينات الرياح بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بالشركات الأوروبية والأمريكية، مما يجعل التحول نحو الطاقة البديلة في وقت الأزمات خياراً اقتصادياً منطقياً وليس فقط بيئياً.

 

ثانياً: الطاقة الشمسية

أما في الطاقة الشمسية، فالصين تعد أيضاً القوة المهيمنة عالمياً على هذا القطاع؛ فبكين تسيطر على مفاصل صناعة الألواح الشمسية، حيث تنتج الصين وحدها أكثر من 80% من الألواح الشمسية في العالم، وشركات مثل (جينكوسولار، تريناسولار، لونجي) تقود السوق العالمي من حيث حجم الإنتاج والكفاءة التقنية. كما أن السيطرة الصينية على الطاقة الشمسية أعمق من مجرد تجميع الألواح؛ فهي تنتج حوالي 95% من رقائق السيليكون، وحوالي 80% من البولي سيليكون، وهي المواد الخام الأساسية لخلايا الألواح الشمسية. في العام الماضي، حققت الصين طفرة تاريخية؛ حيث وصلت قدرة الصين المركبة من الطاقة الشمسية إلى 1.2 تيراواط (1,200 جيجاواط)، وهو ما يتجاوز ما قامت دول كبرى بتركيبه عبر عقود. كما أنشأت الصين “قواعد طاقة عملاقة” في صحراء جوبي؛ هذه المحطات تعمل كبديل استراتيجي مباشر لمحطات الوقود الأحفوري، مما يجعل الطاقة الشمسية مصدراً “موثوقاً” وليس فقط “مكملاً”.

 

ثالثاً: الطاقة المائية

لا يختلف الحال فيما يتعلق بالطاقة المائية، إذ تعتبر الصين الرائدة عالمياً في توليد الطاقة من المياه، وتمتلك أكبر سعة مركبة في العالم بفارق شاسع عن أقرب منافسيها. وقد وصلت سعة الطاقة المائية في الصين بنهاية عام 2025 إلى حوالي 440 جيجاواط، وتساهم الطاقة المائية بنحو 15% من إجمالي إنتاج الكهرباء في الصين. وتمتلك الصين سد “الممرات الثلاثة” (Three Gorges Dam)، وهو أكبر محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية في العالم، بالإضافة إلى سلسلة سدود على نهر يانغتسي ونهر جينشا التي تعمل كبطاريات طبيعية عملاقة لتخزين الطاقة وتوليدها وقت الذروة. وتشهد الصين طفرة في بناء محطات تخزين الطاقة الكهرومائية بالضخ لدعم استقرار شبكات الطاقة المتجددة. وفي العام الماضي كشفت بكين عن اعتزامها بناء أكبر سد للطاقة الكهرومائية في العالم على نهر “يارلونغ تسانغبو” في منطقة “ميدوغ” بإقليم التبت الصيني ذاتي الحكم بتكلفة تقدر بنحو 170 مليار دولار.

 

رابعاً: الطاقة النووية

تنفذ الصين أسرع برنامج توسع نووي في العالم؛ حيث تمتلك 59 مفاعلاً نووياً تشغيلياً بقدرة إجمالية تصل إلى حوالي 62 جيجاواط، وهو ما جعل الصين حالياً تحتل المركز الثاني عالمياً من حيث عدد المفاعلات والإنتاج السنوي متجاوزة فرنسا، وفي طريقها لتقليص الفارق مع الولايات المتحدة. وهي أيضاً الأولى عالمياً في حجم الإنشاءات النووية؛ حيث يوجد لديها أكثر من 28 مفاعلاً قيد التنفيذ بقدرة إضافية تتجاوز 32 جيجاواط. وحرصت الصين على “توطين” التكنولوجيا النووية؛ فهي تعتمد حالياً بشكل أساسي على مفاعل “هوالونغ وان”، وهو تصميم صيني خالص من الجيل الثالث، مما يمنحها استقلالية تكنولوجية كاملة ويحميها من أي عقوبات تقنية غربية.

يتبين من المعطيات السابقة أن الصين نجحت في إعادة صياغة مفهوم “أمن الطاقة” في القرن الحادي والعشرين. فمن خلال المزيج الاستراتيجي الرباعي، استطاعت بكين خلق نظام طاقة موازٍ يتميز بصفتين جوهريتين: النمو المتسارع عبر الرياح والشمس، والاستقرار الهيكلي عبر الطاقة المائية والنووية. هذا التكامل منح الاقتصاد الصيني حصانة مزدوجة؛ فمن جهة، تحرر من قيود “الجغرافيا السياسية” للمضايق البحرية التي تقع تحت رحمة النزاعات، ومن جهة أخرى، كسر احتكار التكنولوجيا الغربية بتوطين كامل لصناعة الطاقة النظيفة. واليوم، وبينما يترقب العالم بقلق مسارات ناقلات النفط في مضيق هرمز، تبدو الصين أكثر ثباتاً، ليس لأنها لا تحتاج للطاقة، بل لأنها أصبحت تمتلك “مفاتيح إنتاجها” ومكوناتها داخل حدودها. إن التجربة الصينية تثبت أن الهيمنة الاقتصادية القادمة لن ترتهن فقط بحجم الاحتياطيات النفطية، بل بالقدرة على تحويل الموارد الطبيعية المحلية وتكنولوجيا المستقبل إلى درع يحمي الدولة من تقلبات النظام الدولي.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى