دراساتسياسية

د. سمير الوصبي يكتب.. تنمية التفكير التربوي (الدولة الاجتماعية) بناء أمة وصناعة حضارة  

قاعدة إثارة الدافع للتفكير في الجانب التربوي: دراسة المجال البيئي

  • حاجة البشرية لتنمية التفكير التربوي هي ضرورة وأمر لازم في الحياة الإنسانية، حيث أصبح جانب التطور والرقي المجتمعي يقاس بمدى فاعلية التخطيط والتنزيل التنموي الشامل في جميع مجالات الحياة الحية، المجتمعات البشرية انقسمت إلى قسمين تجاه التنمية، نوع أول يرفعها كشعارات وخطابات وتنظير وسجال فكري لا غير قد يخرج إلى الوجود على شكل مشاريع اقتصادية صورية، ونوع ثان ينطلق من التفكير التربوي كوسيلة تخطيط استراتيجي، ويجعل التنمية الشاملة غاية تنزيل مجتمعي تحقيقا لمعنى الدولة كمؤسسات ونظام، ينطلق من بناء الإنسان إصلاحا، وهو ما اصطلح عليه بالتنمية البشرية، وهدفا وغاية وهي تعمير الأرض بالصلاح والإصلاح بصنع حضارة رشيدة توازي بين الرقي الروحي والتقدم المادي.

اقرأ أيضا: الدكتور سمير الوصبي يكتب.. تنمية التفكير قواعد وأساليب بناء أمة وصناعة حضارة «مشروع قيادة حكيمة ودولة اجتماعية»

دأب المهتمون والمنظرون للشأن التربوي البدء بنسج التصورات التربوية بالدعوة إلى فهم الطبيعة الإنسانية، غير أن الأصل هو البدء بفهم البيئة أولا الوسط الاجتماعي الذي هو وعاء عيش وحياة الإنسان، ومقولة جورج دانتون “بعد لقمة العيش أول حاجة للشعوب هي التربية” توضح هذا المعطى، ولذلك (الإنسان) هو ابن بيئته كما يقول ابن خلدون؛ فالسلوك والطباع والمخزون اللغوي ما هي إلا امتداد لتأثير البيئية، تشكل بمجموع عناصرها ومكوناتها طريقة ونهج الإنسان في التواصل والتعاطي مع الأحداث والأمور، فهي من تصقله وتلونه حسب جغرافيتها ومناخها. وتؤثر على فكره وسلوكه الاجتماعي.

يحكى أن الشاعر العباسي (علي بن الجهم) كان يعيش في الصحراء حياة بئس وفقر ومعاناة، فجاء من أشار عليه أن يمدح الخليفة المتوكل بقصيدة في قصره وأمام حاشيته؛ فينال بها الدراهم والعز والتقرب من المتوكل، فجهز قصيدته من قلب الصحراء وبيئتها القاسية وذهب الشاعر البدوي الصحراوي واستُقبل في قصر الخليفة وبدأ في أبيات الشعر قائلاً:

أنت كالكلب في حفاظك للود

وكالتيس في قراع الخطوب

أنت كالدلو لا عدمناك دلوا

من كبار الدلا كثير الذنوب

فأثارت أبيات ابن الجهم حفيظة الجالسين مع الخليفة حيث نعته بالكلب في حفظ الود، وبالتيس في مواجهة المخاطر، وبالدلو المستخدم لنقل الماء، وهي الأمور التي لم تغضب المتوكل نفسه، لأنه يدرك أن البيئة الصحراوية التي عاش فيها ابن الجهم لها تأثير على لفظ وفكر وسلوك الشاعر البدوي، فقربه منه وأعطاه داراً على شاطئ دجلة وبجواره بستان كبير للمتوكل، فجلس فيه ستة أشهر ليعود الشاعر العباسي من جديد بطلب من المتوكل وبثقافة مختلفة لغةً وفكراً يتلو قصيدته المعروفة عيون المها والتي قال فيها:

عيون المها بين الرصافة والجسر

جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

إلى آخر القصيدة التي وصفت بأجمل قصيدة في العصر العباسي، حتى إن الخليفة المتوكل من إعجابه بالأبيات الشعرية قال: “لقد خشيت عليه أن يذوب رقة ولطافة”.

تربية الإنسان وبناء الذات ينطلق من فهم البيئة أولا، على اعتبار أن النوع البشري كائن حي يحتاج إلى وسط ببيئي ليحيا، فمن دون هذا الوسط البيئي لا قيمة للوجود الإنساني، بل سنتحدث عن العدم، فكان من الضرورة واحتراما للمنهج العلمي الانطلاق من البيئة، فمعرفة ما حولنا وفهم معالم سير نظام الكون هو ما يساعدنا على فهم الذات الإنسانية، ومنه تشكيل مجتمع بشري متماسك وليس فوضويا، تنمية التفكير تتجلى في معرفة وفهم المعطيات أولا، وتوظيف هذه الموارد في معالجة المعضلات والمشكلات، لتجاوز الإكراهات والصعوبات، لبلوغ الأهداف والغايات.

تنمية التفكير في المجال التربوي من خلال قاعدة إثارة دافع التفكير ستتمحور حول الجانب البيئي كوسط عيش مؤثر في الإنسان، والظاهرة الدافعة لتنمية التفكير هي حلول الجفاف والسنين العجاف، وهي أزمة هددت الحياة البشرية على مر العصور، ففكر الإنسان لإيجاد الحلول واستكشف الأمور لبلوغ أمنه الغذائي، وغريزة الإنسان الأول قادته إلى تكوين مجتمع زراعي يبحث عن ينابيع الماء، منها ينطلق لبناء أمته سواء أكانت دولة أم حضارة.

تنزيل قاعدة إثارة تنمية التفكير التربوي بالمجال البيئي: عناصر البيئة المتفاعلة والمكونة للثالوث البيئي هي الماء والهواء والتراب، كيفية الاستخدام والتحكم بها وبمواردها هي الضامن للتنمية، فهي مصادر استمداد للطاقة التي تحتاجها المجتمعات البشرية لتحقيق أمنها الغذائي أولا، وتلبية خدماتها الإنتاجية ثانيا، الأكيد أن الماء كعنصر الحياة والوجود، وجوده من عدمه في الوسط البيئي كان المتحكم في توزيع واستيطان التجمعات البشرية، فكان انعدام الماء أو قلته كدافع لإثارة التفكير خاصة عند حصول أزمات الجفاف وتوالي السنين العجاف، هذه المتواليات التي يشهدها الوسط البيئي عبر توالي الأزمان أمطار جفاف، نعمة نقمة، جعلت الإنسان يعيش أمام وضعية مشكلة على حد تعبير نظريات التعلم التربوي “أزمة الجفاف” تستدعي إثارة التفكير لإيجاد الحلول لهذه الوضعية المشكلة؛ فالتنظير التربوي يقتضي التخطيط الاستراتيجي عبر منطلقات ثلاثة: فهم الظاهرة، المعالجة الآنية، التدبير المعقلن. وبقصد تنزيل التصور سنضرب المثال بالحضارة الصينية والتجربة العربية الخليجية، وإثارة دافع التفكير التربوي والتنموي في مجابهة وضعية الجفاف كمشكلة في الوسط البيئي التي واجهها المجتمع الصيني والعربي.

فهم الظاهرة: الذي ينظر الآن لما يأكله الشعب الصيني من أصناف كثيرة من الحشرات والحيوانات كأكل الكلاب والقطط والأفاعي والعقارب، ليستغرب ويتعجب، وكما يقال إذا عرف السبب بطل العجب، والسبب أنه في عهد ماو تسي تونج، بالتحديد عام 1958، حلت بالصين المجاعة الصينية الكبرى التي استمرت حتى عام 1961، طبق ماو سياسة الإصلاح الزراعي السوفيتية على طريقة ستالين، فصادر الأراضي الزراعية، ألغى الملكية الفردية. ووجه اهتمام الدولة لمجال الصناعات الثقيلة، وفرض على عشرات الملايين من الفلاحين العمل في صهر المعادن وبناء الأفران، وفي المقابل تقلصت نسبة الأراضي الزراعية التي تنتج الحبوب، والتي كانت في ذلك الوقت مصدرًا لأكثر من 80٪ من الطاقة الغذائية في الصين. وما زاد الأمر سوءًا الحملة التي أعلنها ماو للقضاء على العصافير بحجة التهامها المحاصيل، والتي شارك فيها ملايين الصينيين بصيد العصافير إلى أن اختفت، لتنتشر بعدها الحشرات وعلى رأسها الجراد الذي لم يجد طيورًا تفترسه، ما تسبب في القضاء على المحاصيل، ليكون ذلك أحد الأسباب الرئيسية لمجاعة الصين الكبرى بين عامي 1958 و1961، التي راح ضحيتها ما يتراوح بين 18 و45 مليون مواطن صيني، نتيجة الجوع والمرض والعنف. ما يعني أن فهمنا للظاهرة مبناه أن هناك نظاما بيئيا وجب احترامه، التدخل في تغيير عمله يؤدي إلى خلخلة النظام البيئي والذي يؤدي بطبيعة الحال إلى تهديد الأمن الغذائي للمجتمعات البشرية، التجربة والمشكلة الغذائية التي عرفتها الصين والتي شهدتها الأمم والحضارات السابقة تبرز أهمية أولوية تحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي للمجتمعات البشرية، والعمل على استدامة الطاقة المائية لمواجهة أزمات الجفاف والسنين العجاف.

المعالجة الآنية: في مسار التخطيط التربوي التنموي عند تناول قاعدة إثارة دافع التفكير، تكون معالجة الظاهرة المشكلة الدافعة للتفكير بديلا لحظيا لمعالجة الظاهرة بتدابير بديلة آنية لا تتسم بالشمولية والكفاءة العلمية والاستدامة؛ فنتيجة لهذه المجاعة التي أصابت الصين، سعى الأشخاص الذين يتضورون جوعًا إلى مصادر طعام بديلة، فأكل الشعب الصيني الكلاب والقطط والجرذان والفئران والحشرات، مع تصاعد المجاعة لجأ الصينيون إلى أكل لحوم البشر. وصل الأمر إلى قيام الصينيين بتبادل أطفالهم كطعام متجنبين – بإيهام الذات – الشعور بألم أكل أطفالهم، وأقرت قوانين تحمي الحقوق القانونية لأولئك المشاركين في استخدام موارد الحياة البرية. رغم تجاوز الصين هذه المرحلة، وقيامها بتحديث وزيادة الإنتاج الحيواني، فإن ذاكرة الجوع ما زالت قائمة لدى العديد من المواطنين، هذه الذاكرة عادة ما يتم تسميتها بـالصدمة المؤلمة (Traumatic Terroir). تخلدها الصين بعقد مهرجانات خاصة، وينفقون عليها كل عام المليارات حيث بلغت 74 مليار دولار عام 2017.

التدبير المعقلن: إذا كانت المعالجة الآنية تتسم بالتفكير الاضطراري اللحظي وإجراء تقليدي فإن التدبير المعقلن يتسم بالكفاءة العلمية والاستدامة للحصول على أعلى مستويات المردودية الإنتاجية لمعالجة الظاهرة (الجفاف)، الأكيد أن فهم السنن الكونية وكيفية عملها وتوظيف ذلك علميا لخدمة المجتمعات البشرية وتحقيق أمنها الغذائي، هو مطلب شرعي وإنساني، لما في ذلك من جلب للمصلحة ودفع للمضرة، والحلول التنموية المتاحة حاليا لمعالجة الظاهرة تدبيرا معقلنا تقنيتا تعديل الطقس أو حرث السحب، وتحلية مياه البحر.

أولا: تقنية تعديل الطقس أو حرث السحب: ففي عام 2002 أطلقت الصين رسميا برنامج “تعديل الطقس”. منذ ذلك الحين، نفذت البلاد “أكثر من 560 ألف عملية تلاعب بالطقس عبر إطلاق الصواريخ والقذائف، مما أتاح إسقاط 489.7 مليار طن من الأمطار، أو ما يعادل ثلاثة أضعاف محتويات سد الخوانق الثلاثة من المياه، وهي تهدف من ذلك لأن تكون قادرة بشكل أساسي على إسقاط الأمطار والحصول على جو صحو على أكثر من 5.5 مليون كيلومتر مربع، أو أكثر من نصف مساحة البلاد بحلول عام 2025. في الوقت الحالي لا تسمح الجهود المبذولة إلا بتغطية 3 ملايين كيلومتر مربع. ويذكر فولفجانج جاسر، باحث في الهندسة الجيولوجية في جامعة ميونيخ التقنية في دراسة تقنيات “التلاعب بالأرصاد الجوية” التي نُشرت عام 2017، أن مكتب تعديل الطقس الرسمي الصيني “أنفق أكثر من 230 مليون يورو منذ عام 2008 لتطوير البنية التحتية اللازمة، وإجراء حملات تعديل الطقس والاستثمار في البحث وتطوير هذه التقنيات”.

ثانيا: تحلية مياه البحر: وفقا لمنظمة الصحة العالمية يعاني نحو 785 مليونا على مستوى العالم من صعوبة الوصول إلى مصادر نظيفة لمياه الشرب، وهي مشكلة تزداد سوءا مع استمرار أزمة المناخ الحالية وارتفاع درجة حرارة الكوكب. هذه الوضعية المشكلة دافع للتفكير في كيفية استغلال المياه المالحة التي تشكل نحو 97% من المياه على كوكب الأرض، فالمياه المالحة يمكن أن تكون حلا لجزء من هذه المشكلة إذا وجدت تقنيات فعالة لجعلها مناسبة وآمنة للاستخدام البشري، قضية تنمية التفكير المرتبطة بحاجة الإنسان إلى تحلية المياه ظهرت منذ القدم، وكانت طريقة التبخر التي استعملها بعض البحارة اليونانيين في القرن الرابع قبل الميلاد، من أقدم تلك الطرق، وقد وصفها الفيلسوف اليوناني أرسطو في إحدى كتاباته، وكذلك فعل فيما بعد في القرن الثامن الميلادي العالم والفيلسوف العربي جابر بن حيان المعروف بأبي الكيمياء العربية، حين وصف بدقة عملية تقطير الماء المالح باستخدام إناء زجاجي خاص، وظلت هذه المحاولات محدودة، ولم تكن قادرة على توفير كميات مهمة من الماء وسد الحاجيات خاصة مع تزايد التعداد السكاني العالمي.

وفي العصر الحديث أصبحت تقنية التناضح العكسي هي المستعملة في سد الخصاص المسجل، فجل الدول العربية وخصوصا دول منطقة الخليج التي يقل فيها نصيب الفرد الواحد عن 500 متر مكعب في السنة، جعل هذه الدول تلجأ إلى تحلية مياه البحر منذ نحو 40 سنة كخيار استراتيجي، مستفيدة من إمكاناتها المادية الكبيرة القادرة على تحمل كلفة هذه العملية. ونجد مثلا قطر والكويت توفران مياه الشرب والمياه الموجهة للصناعة بنسبة 100%، وتوفره السعودية والإمارات وعُمان بنحو 60%، وسجلت إحدى محطات التحلية الحديثة في السعودية رقما قياسيا لأقل محطة تحلية استهلاكا للطاقة في العالم بـ2,27 كيلو وات/ساعة لكل متر مكعب من المياه المحلاة، مع العلم أن محطات التحلية التقليدية تستهلك ما بين 40 و90 كيلو وات/ساعة من الطاقة الحرارية من أجل الحصول على متر مكعب واحد من المياه العذبة في الخليج، وقد تم بالفعل إنشاء 550 محطة للتحلية بين عامي 2000 و2019 بتكلفة 33 مليار يورو.

تجارب يمكن توظيفها جميعا لتشكيل هيئة تعاون وتطوير الأبحاث لتخفيض تكلفة تحلية المياه، وفتح قنوات بحرية تصل مجموع البلدان العربية، وتبقى مسألة إحداث سدود بحرية لإنتاج الطاقة الكهرومائية الموظفة في تقنية التناضح العكسي ممكنة بقصد التمويل الذاتي للاستعمال المتعدد لسقي الأراضي الزراعية ومواجهة أزمات العطش، وقد أثبتت العديد من الدراسات أيضا أنه يمكن معالجة هذه المياه الشديدة الملوحة قبل إعادتها للبحر، واستغلالها مصدرا للطاقة، كما أن هذه الأملاح والمعادن التي تفرزها عملية التحلية كالمغنيسيوم والكالسيوم والبوتاسيوم، تصلح في مشاريع لتربية الأحياء المائية، أو لزراعة أنواع من الطحالب التي تستعمل غذاء للأسماك.

تأكد أن قاعدة إثارة تنمية التفكير التربوي تنطلق من البيئة باعتبارها المؤثرة على طبع وطباع النوع البشري والمتحكمة في توزيع استيطان التجمعات البشرية، وشكلت ظاهرة الجفاف والسنين العجاف، دافعا لإيجاد الحلول من خلال التخطيط الاستراتيجي عبر منطلقات ثلاثة: فهم الظاهرة، المعالجة الآنية، التدبير المعقلن. ما نتج عنه ابتكارات تنموية مستنبطة من التجربة الصينية والدول العربية الخليجية في مجابهة الظاهرة من خلال تقنيتي “تعديل الطقس” و”تحلية المياه”.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى