جمال المحلاوي يكتب: هندسة الأمن الجديدة في الشرق الأوسط وأبعاد اتفاق مكة الدفاعي 2026

يمثل اتفاق مكة للدفاع المشترك والموقع في السابع من أغسطس تحولا بنيويا في أمن المنطقة ، عابرا للأقاليم التقليدية رابطا بين الخليج بشرق المتوسط وجنوب آسيا . ويدمج هذا الحلف ثلاثة عناصر قوة نوعية ، فتمثل السعودية القوة المالية والنفطية بينما تمثل تركيا التصنيع الدفاعي التكنولوجي وقوة الناتو وتمثل باكستان العمق البشري و الردع النووي .
في هذا التقدير نبحث خلفيات غاب مصر عن الشق العسكري الملزم ، ونقوم بتحليل سيناريوهات رد الفعل الأمريكي والمواقف الإقليمية والدولية الكبرى ، مستعرضا البنية القانونية للإتفاق ، مع تقديم توصيات لصناع القرار .
أولا ً محددات الموقف المصر : ( التوازن بين العقيدة العسكرية المصرية والوساطة )
على الرغم من مشاركة القاهرة الفعالة في المشاورات الرباعية التمهيدية ، إلا أنها قد آثرت عدم الانضمام للشق العسكري الملزم ، وهو مايتفق مع محددات السياسة المصرية الخارجية والعقيدة العسكرية المصرية منذ ثورة 23 يوليو والتي ترفض الانضمام إلى الأحلاف العسكرية خارج نطاق الدفاع المشترك تحت مظلة جامعة الدول العربية وتفضل القاهرة الحفاظ على مسافة واحدة من أطراف النزاعات الإقليمية لضمان استمرار دورها كميسر دبلوماسي مؤثر في الأزمات ، ومن وجهة نظر السياسة المصرية أن الانضمام إلى أحلاف عسكرية ملزمة يحمل مصر تبعات إلزامية قد تضر بمصالحها واستقلالها وحرية اتخاذ القرار السيادي لها ، وكانت وجهة النظر المصرية والفكرة التي طرحتها في مؤتمر القمة في شرم الشيخ عام 2015 هو إنشاء قوة عربية مشنركة وجددت القاهرة الدعوة لهت عام 2026 عبر وزارة الخارجية المصرية لمواجهة التهديدات الإقليمية المتصاعدة ، بهدف صون الأمن القومي العربي ، ومكافحة الإرهاب ، والتدخل السريع لحماية استقرار الدول العربية .هذا وقد تعثر التنفيذ بسبب تباين أولويات الدول العربية وسياساتها الخارجية تجاه الأزمات الخارجية .
* مقارنة استراتيجية بين اتفاق مكة مقابل معاهدة الدفاع العربي المشترك:
تأسست معاهدة الدفاع العربي المشترك تاريخيا على أساس إقليمي قومي محدد يعتمد على الجيوش التقليدية ، وتلعب مصر دور المحرك الأساسي ، وفي المقابل يمثل اتفاق مكة تحالفا مرنا عابر للأقاليم . وهنا يبرز السؤال هل بالفعل هذا التحالف يقوم بذلك الدور حفاظا على أمن ومصالح الدول المشاركة؟ ونقصد هنا أنه لو تعرضت تركيا لهجوم من روسيا مثلا أو أرمينيا ، أو حدث التوتر الهندي الباكستاني ، هل تنخرط السعودية وفق إلتزامها ببنود الحلف في تلك المواجهات ، أم أن الهدف من ذلك التحالف تكوين محور سني ضد المحور الشيعي فقط أم أن هدفه وإلتزامه يكون فقط موجه لصالح السعودية ومن يرغب من دول الخليح ؟
ثانيا ً: الصياغة القانونية لبنود الاتفاق مقارنة بالناتو :
يرتكز الاتفاق على صيغة قانونية مرنة وفي ذات الوقت صارمة ، في البند 4 في اتفاقية مكة ينص على أن ( أي اعتداء عسكري مسلح أو تهديد مباشر يمس سيادة أو سلامة أراضي الدول الموقعة ، أو يهدد منشآتها الاقتصادية الحيوية وممراتها المائية ، يعد اعتداءا عليها جميعا ، وتلتزم الأطراف بناء على طرف الدولة المتضررة ، باتخاذ الإجراءات الفورية اللازمة بما في ذلك استخدام القوة وردع الاعتداء ، وإعادة الاستقرار ) وعند قراءة ذلك البند نرى أنه يكفي فقط طلب الدولة المتضررة دون اللجوء لتصويت على عكس البند 5 في حلف الناتو الذي يتطلب موافقة 32 دولة . الأمر الذي يضمن المرونة في اتفاق مكة أما الصرامة فقد ألزم الاتفاق الدول الموقعة بالتدخل لردع العدوان ، كذلك يقتصر البند 5 في اتفاق حلف الناتو على الاعتدء المسلح فقط على أي دولة من دول الحلف بينما يمتد اتفاق مكة ليشمل المنشآت الاقتصادية الحيوية ” النفطية” والممرات المائية بشكل صريح .
ثالثا ً: سيناريوهات رد الفعل الأمريكي تجاه الحلف :
يتأرجح الموقف الأمريكي بين الترحيب والتوجس ، فالترحيب يرتكز عل تقاسم الأعباء بين تلك الدول والولايات المتحدة ، والتوجس يكمن في خروج الحلفاء عن السيطرة الاستراتيجية الأمريكية .
1-سيناريو الاحتواء والدمج بنظرة برجماتية نفعية وهو السيناريو الأكثر ترجيحا :
وهو أن تعامل واشنطن الحلفاء كامتداد لرؤيتها في تحميل الحلفاء الإقليميين عبء الردع الاستراتيجي . خاصة بعد الاستنزاف التي واجهته الولايات المتحدة في المواجهة الحالية مع إيران والاكتفاء بتقديم الدعم الاستخباراتي وتبادل بيانات الإنذار المبكر لردع النفوذ الإيراني ، دون زيادة انتشار قواتها في دول الخليج .
2- سيناريو الاحتياطات الجيوسياسية المشروطة :
ويقوم على تركيز واشنطن على تحجيم المظلة النووية الباكستانية ، عبر ممارسة ضغوط دبلوماسية على إسلام آباد لضمان بقاء دورها العسكري تقليديا بحريا وبريا دون أي أبعاد لنقل تكنولوجيا الصواريخ الاستراتيجية لدول الخليج .
3-سيناريو الصدام البارد وتجميد التسليح وهو الأقل ترجيحا :
ويقوم على اعتبار أن الحلف يمثل خطوة استقلالية استراتيجية يهدد احتكار السلاح الأمريكي ، مما قد يدفع واشنطن لفرض قيود على تزويد أنقرة أو الرياض بقطع الغيار الحيوية للأنظمة الهجومية لمنع اتخاذ قرارات الحرب منفردة .
رابعا ً : المواقف الإقليمية ( إيرانيا وإسرائيليا ):
1-الموقف الإيراني ، تنظر إيران بقلق بالغ لدخول باكستان كضامن أمني مباشر لدول الخليج مما يضع اتفاق بكين للمصالحة بين السعودية وإيران تحت الاختبار ، ولذلك تتحاشى إيران التصعيد اللفظي ، وتركز على تقوية علاقتها الاقتصادية بتركيا لمنع تحول الحلف إلى جبهة للمواجهة الصريحة ضدها .
2-الموقف الإسرائيلي ،ينهي الحلف احتكار إسرائيل التقليدي للتفوق العسكري النوعي بدخول التكنولوجيا التركية والردع الباكستاني كما يرجح تراجع السعودية لتقديم تنازلات أمنية لإسرائيل عبر مسارات التطبيع المجمدة .
خامسا : مواقف القوى الكبرى ( روسيا والصين ):
1-الموقف الصيني ، ويقوم الموقف الصيني على التوازن الحذر بين وحماية الحزام والطريق ،حيث ترحب الصين بأي قوة محلية قادرة على تأمين مضيق هرمز وبحر العرب ، حيث تتدفق أغلب وارداتها النفطية ، وأن استقرار المنطقة يخدم بشكل مباشر مبادرة الحزام والطريق , وتمارس بكين دبلوماسية الغرف المغلقة لضمان عدم تحول الحلف إلى أداة هجومية تعزل إيران أو تنسف جهود الوساطة الصينية .
2-الموقف الروسي ، ويقوم على التباين بين الرغبة في كسر الاحتكار الأمريكي والتوجس من تركيا ، فإن روسيا ترحب برغبة الرياض في بناء مظلات أمنية مستقلة خارج العباءة الأمريكية وهو مايدعم رؤية موسكو لعالم متعدد الأقطاب وفي المقابل يثير توسع النفوذ التركي العسكري والعضو في الناتو ، حذر روسيا تعزيز أوراق ضغط أنقرة في ملفات ساخنة أخرى مثل القوقاز والبحر الأسود .
سادسا : التوصيات لصناع القرار :
1- لصانع القرار المصري ، الاستمرار في تقوية وتمتين التنسيق الأمني والعسكري الثنائي رفيع المستوى مع السعودية وذلك خارج الاتفاق الجماعي المباشر مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع تركيا لضمان عدم تأثر المصالح المصرية في شرق المتوسط .
2-للسعودية ودول الخليج :
الابقاء على الطابع الدفاعي الرادع للحلف دون الانجرار إلى تحويله لأداة هجومية وذلك لضمان استمرار مسار خفض التصعيد مع إيران وتجنب عسكرة مفرطة للممرات المائية.
وختاما
يظهر التحليل أن الحلف يقوم على تكامل تخصصي حرج ، فالسعودية توفر الغطاء المالي ، وتركيا تمنحه التفوق التكنولوجي ، وباكستان تمنحه مظلة الردع الاستراتيجي الصارم وأن الاتفاق يشير إلى الاستجابة لطلب أي دولة من دول الحلف بالتدخل العسكري لحمايتها عسكريا أو في حالة تهديد منشآتها الاقتصادية أو ممراتها البحرية .
والآن أترك لكم التساؤل وهو من المستفيد والأكثر احتياجا لهذا الحلف ؟



