مجدى طنطاوى يكتب.. مصر بثقلها.. السعودية بثروتها.. الإمارات بعقلها السياسي.. مثلث القوة لإنقاذ العرب
عندما تسقط الحماية الأمريكية تبدأ لحظة الحقيقة العربية

عرفنا جميعا أن منطقتنا العربية لم تكن طوال العقود الماضية مجرد ساحة لصراع القوى الكبرى بل كانت في كثير من الأحيان ساحة لصراع العرب على بعضهم بعضا وبينما كانت الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تتحرك كل منها وفق حساباتها الاستراتيجية كان العرب يدفعون أثمان الانقسام ويختلفون على الحدود والنفوذ والمصالح فيما تتقدم القوى الأخرى خطوة بعد خطوة والأخطر أن اللحظة الراهنة تكشف أن الاتكال على الحماية الخارجية لم يعد ضمانة ثابتة فقد طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في سبتمبر 2026 دعما عسكريا أمريكيا ضد الحوثيين بينما لم توافق واشنطن على تنفيذ ضربات مباشرة واكتفت بحسب ما نقلته رويترز بالدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف ثم جاءت الاتصالات الأمريكية المباشرة مع ممثلي الحوثيين في مسقط لتؤكد أن الدول الكبرى تتعامل مع مصالحها أولا وأن التحالفات ليست عهودا أبدية بل ترتيبات قابلة للتغيير عندما تتغير الحسابات وهنا ينبغي أن نتوقف طويلا أمام التاريخ فالولايات المتحدة لم تدخل الخليج باعتباره عالما عربيا يستحق الحماية لذاته وإنما تشكلت العلاقة تاريخيا حول مصالح متبادلة تتعلق بالأمن والطاقة والممرات البحرية والتحالفات الدولية ولذلك فإن أي تغير في أولويات واشنطن يعني بالضرورة أن على العرب أن يعيدوا حساباتهم هم أيضا والحوثيون أنفسهم لم يظهروا فجأة في المشهد اليمني فقد بدأت جذور الحركة الزيدية التي تطورت لاحقا إلى جماعة الحوثيين قبل عقود ثم اندلع أول صراع مسلح كبير مع الحكومة اليمنية عام 2004 وتبعته خمس جولات أخرى خلال السنوات الست التالية وبعد اضطرابات 2011 تمكن الحوثيون من توسيع نفوذهم حتى سيطروا على صنعاء عام 2014 وهو ما قاد إلى التدخل العسكري السعودي عام 2015 ومنذ ذلك التاريخ لم تعد اليمن مجرد أزمة داخلية فالصراع تحول إلى عقدة إقليمية تتداخل فيها السعودية وإيران والإمارات والولايات المتحدة وقوى يمنية متعددة وتحولت جماعة محلية إلى قوة قادرة على تهديد الملاحة الدولية والمنشآت النفطية والأمن الإقليمي أما إيران والولايات المتحدة وإسرائيل فقد خاضت وتخوض صراعات متشابكة على النفوذ والأمن والردع والبرنامج النووي والممرات البحرية لكن الخطأ التاريخي هو أن نتعامل مع كل مواجهة بينها باعتبارها حربا من أجل العرب أو نيابة عن العرب فالقوى الكبرى لا تدخل صراعاتها دفاعا عن أحلامنا وإنما دفاعا عن مصالحها وموازين قوتها وهذا هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه الآن لن يحك جلدك مثل ظفرك وليس المقصود أن تنعزل الدول العربية عن العالم أو أن تعادي الولايات المتحدة أو أوروبا أو أي دولة أخرى فالدول الحديثة تبني مصالحها عبر العلاقات والتحالفات ولكن الفارق هائل بين التحالف الذي تستند فيه إلى قوتك والتحالف الذي تستبدل فيه قوتك بقوة الآخرين لقد أثبتت السنوات الماضية أن الخلاف العربي العربي يمكن أن يتحول إلى ثغرة تدخل منها القوى الإقليمية والدولية جميعا ففي اليمن نفسه تعاونت السعودية والإمارات في مواجهة الحوثيين في مراحل سابقة ثم دخلتا لاحقا في تنافس داخل الساحة اليمنية رغم اشتراكهما في القلق من الدعم الإيراني للحوثيين وهذه ليست مسألة صغيرة فحين تختلف الرياض وأبوظبي والقاهرة والخرطوم وبغداد ودمشق وبيروت وطرابلس وصنعاء يصبح الخارج قادرا على الدخول من كل باب وحين تتوحد الرؤية العربية يصبح الخارج مضطرا إلى التعامل مع كتلة سياسية واقتصادية وجغرافية لا مع دول منفردة تبحث كل واحدة منها عن مظلة تحميها والخليج ليس مجرد مجموعة دول غنية بالنفط إنه أحد أهم مفاصل الاقتصاد العالمي ومضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس ليست جغرافيا عربية عادية بل شرايين للتجارة والطاقة العالمية ولهذا فإن أمن الخليج واليمن والبحر الأحمر ومصر ليس قضية منفصلة فكل اضطراب في واحد منها يرتد على الآخرين وفي يونيو 2026 أكد مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة استمرار الالتزام الأمريكي بأمن دول المجلس والتأكيد على حرية الملاحة في الممرات البحرية لكن الأحداث اللاحقة في سبتمبر أظهرت الفجوة بين الالتزام السياسي العام وبين استعداد واشنطن للتدخل العسكري المباشر في كل جبهة وهو درس يجب أن تقرأه العواصم العربية بعقل بارد لا بعاطفة غاضبة وهنا تأتي الإمارات الإمارات دولة عربية بنت خلال عقود نموذجا مختلفا في توظيف الاقتصاد والدبلوماسية والعلاقات الدولية في خدمة أهدافها الوطنية وهي تمتلك شبكة واسعة من العلاقات مع القوى العالمية والإقليمية ومن الخطأ اختزال تجربتها في النفط أو المال وحدهما فالقوة السياسية في عالم اليوم لا تقاس بعدد الجنود فقط وإنما بالاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا والموانئ والاستثمار والقدرة على الحركة بين مراكز القوة وتأتي السعودية بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والجغرافي وبقيادة شابة تنظر إلى المنطقة باعتبارها جزءا من إعادة تشكيل أوسع للشرق الأوسط وهي اليوم أمام اختبار تاريخي حقيقي لأن الأمن السعودي لم يعد قضية سعودية منفردة بل يرتبط بأمن الخليج واليمن والبحر الأحمر والطاقة العالمية ثم تأتي مصر وهنا لا أتحدث عن مصر باعتبارها دولة تريد قيادة الآخرين وإنما باعتبارها حقيقة جغرافية وتاريخية لا يمكن تجاوزها مصر تقع عند ملتقى الخليج والبحر الأحمر والمتوسط وتملك قناة السويس وتجاور ليبيا والسودان وفلسطين وتطل على البحرين المتوسط والأحمر وترتبط بالأمن العربي من المحيط إلى الخليج وبأمن القرن الإفريقي في الوقت نفسه ولذلك فإن انهيار أي دائرة حولها ينعكس عليها مباشرة مصر ليست مطالبة بأن تدخل كل حرب بل مطالبة بأن تمنع الحروب العربية من التحول إلى حروب تبتلع الجميع من المغرب العربي إلى القرن الإفريقي ومن الخليج إلى البحر الأحمر هناك مساحة عربية وإفريقية واسعة تحتاج إلى عقل سياسي يجمع ولا يفرق ويطفئ الحرائق قبل أن تصل إلى البيوت واللحظة الراهنة تقول لنا بوضوح إن الزمن الذي تستطيع فيه كل دولة عربية أن تتصرف وحدها ثم تنتظر من قوة خارجية أن تأتي لإنقاذها يقترب من نهايته فالولايات المتحدة لديها مصالحها وإسرائيل لديها حساباتها وإيران لديها مشروعها الإقليمي وتركيا لديها مصالحها والقوى الدولية الكبرى تتحرك وفق خرائط مصالحها أما نحن فما زلنا في أحيان كثيرة نتحرك وفق خرائط خلافاتنا وهنا تقع الكارثة لقد أثبتت أزمة اليمن مرة أخرى أن الخلاف العربي يمكن أن يصبح فرصة للقوى الإقليمية وأن التحالفات الخارجية لا تستطيع أن تحل محل التفاهم العربي فقد تحولت اليمن من دولة عربية إلى واحدة من أخطر ساحات الصراع في المنطقة حتى أصبح مضيق باب المندب نفسه جزءا من المعادلة العسكرية والسياسية العالمية لذلك فإن المطلوب اليوم ليس إلغاء الدول العربية ولا ذوبان حدودها ولا إلغاء خصوصية كل دولة وإنما أن تبقى الدول موجودة بحدودها وسيادتها بينما تختفي عقلية الدولة التي ترى أن أمنها يمكن أن يبنى على إضعاف الدولة العربية الأخرى نحتاج إلى نظام أمن عربي جديد السعودية بقوتها الاقتصادية ومكانتها الإسلامية والإمارات بخبرتها الاقتصادية والدبلوماسية ومصر بثقلها السكاني والعسكري والجغرافي والتاريخي ودول الخليج بقدراتها المالية والطاقة والموانئ ودول المغرب العربي بثقلها الجغرافي والبشري والعراق والشام والقرن الإفريقي بعمقهم التاريخي والاستراتيجي كل ذلك يمكن أن يتحول من نقاط ضعف متفرقة إلى شبكة قوة واحدة إذا أدرك العرب أن أمن الرياض لا ينفصل عن أمن القاهرة وأن أمن أبوظبي لا ينفصل عن أمن البحر الأحمر وأن أمن الخليج لا ينفصل عن قناة السويس وأن أمن شمال إفريقيا لا ينفصل عن أمن المشرق لقد أمضينا قرنا نختلف على من يقود ومن يملك ومن يختلف مع من وربما حان الوقت لنسأل السؤال الأصعب كيف نبقى جميعا فإذا كانت القوى الكبرى تستطيع أن تتفاوض مع خصوم الأمس عندما تتغير مصالحها فلماذا نعجز نحن عن التفاوض مع بعضنا عندما يكون بقاؤنا جميعا هو المصلحة وإذا كانت واشنطن تستطيع أن تتحدث مع الحوثيين عندما ترى في ذلك مصلحة أمريكية فلماذا لا يستطيع العرب أن يجلسوا إلى طاولة واحدة لصناعة مصلحة عربية مشتركة هذه ليست دعوة إلى حرب مع أحد بل دعوة إلى امتلاك القدرة على ألا نكون وقودا لحروب الآخرين فالعرب لا ينقصهم المال ولا الجغرافيا ولا التاريخ ولا البشر ولا الموارد وإنما ينقصهم في اللحظة الحاسمة أن يتحولوا من دول متجاورة إلى منظومة مصالح متكاملة وإذا لم نفعل ذلك فسوف تظل المنطقة ملعبا مفتوحا لكل قوة تملك مشروعا وستظل دماء العرب هي الثمن أما إذا فهمت القاهرة والرياض وأبوظبي ومعها بقية العواصم العربية أن أمنها واحد وإن اختلفت سياساتها وأن الخلاف السياسي لا يجب أن يتحول إلى عداء استراتيجي فإن التاريخ قد يفتح للعرب بابا جديدا فالدول قد تختلف على السياسة لكن الأمم لا يجوز أن تختلف على البقاء


