من هرمز إلى باب المندب.. هل تنقل طهران حصار النفط إلى الممرات البديلة؟

رضا عبدالعزيز – وحدة الدراسات السياسية
لم يعد الصراع الأمريكي الإيراني يدور فقط حول مضيق هرمز أو عدد الناقلات القادرة على مغادرته. خلال أيام قليلة، تقدمت ميليشيا الحوثي، ذراع إيران في اليمن، على الساحل الغربي لليمن حتى وصلت إلى مشارف باب المندب، بينما تعرض خط أنابيب النفط السعودي «شرق-غرب» لهجمات بمسيّرات أُطلقت من ميليشيات موالية لإيران في العراق -على الأرجح. وبين الممر البحري والمنشأة البرية تتشكل معادلة جديدة: إذا كان الضغط الأمريكي يحاول خنق صادرات إيران النفطية، فإن طهران وحلفاءها يستطيعون، نظريًا وعمليًا، رفع كلفة ذلك الخنق عبر تهديد الطرق التي يفترض أن توفر للخليج مخارج بديلة.
وهنا تكمن أهمية التطورين؛ فحتى لو لم يثبتا بمفردهما وجود غرفة عمليات واحدة تدير كل تفصيل، إلا أنهما يصبان مباشرة في الاتجاه الاستراتيجي نفسه الذي عبرت عنه تصريحات إيرانية متكررة: لا ينبغي أن تتمكن واشنطن من إغلاق طريق النفط الإيراني، بينما تبقى صادرات دول المنطقة محمية عبر طرق أخرى.

الساحل الغربي.. الاقتراب من باب المندب
في أحدث تحول ميداني، سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ثم تقدموا إلى ذباب، ووصلوا إلى جزيرة ميون «بريم» الواقعة في قلب باب المندب، بالتزامن مع تحركات على جزر حنيش. وتقول مصادر في الحكومة اليمنية إن قواتها انسحبت من ميون، ما منح الحوثيين موطئ قدم مباشرًا عند واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
والأهمية هنا ليست في السيطرة على مدينة أو جزيرة بحد ذاتها، وإنما في الجغرافيا التي تجمعها. فباب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومنه تمر السفن المتجهة إلى قناة السويس ومنها إلى البحر المتوسط. وإذا تمكن الحوثيون من تحويل وجودهم الساحلي والجُزري إلى قدرة مستدامة على تهديد الملاحة، فإنهم لا يحتاجون بالضرورة إلى إغلاق المضيق رسميًا؛ يكفي أن يصبح المرور فيه أكثر خطورة وكلفة حتى تبدأ شركات الشحن والتأمين في إعادة حساباتها.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن المسألة تجاوزت مجرد الاقتراب من المضيق. فقد وصفت تقارير حديثة التقدم الحوثي بأنه وضع الجماعة في موقع يمكنها من تهديد أحد أهم الممرات البديلة لحركة النفط بعيدًا عن هرمز. وفي المقابل، لا تزال عبارة «السيطرة الكاملة على باب المندب» بحاجة إلى قدر من التحفظ؛ فالمؤكد هو السيطرة على مواقع يمنية وجزيرة ميون ومناطق ملاصقة للمضيق، بما يمنح الحوثيين نفوذًا متقدمًا عليه، وليس بالضرورة إغلاقه عسكريًا بصورة مكتملة.
لماذا الآن؟ .. التوقيت هو مفتاح فهم الهجوم الحوثي
منذ منتصف يوليو، أدى الحصار البحري الأمريكي إلى خفض صادرات النفط الإيرانية بصورة حادة. وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى تراجع تحميلات الخام الإيراني من نحو مليوني برميل يوميًا في مارس إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يوميًا في أغسطس. وبذلك أصبحت طهران تواجه مشكلة مختلفة عن العقوبات التقليدية: النفط موجود، لكن القدرة على إخراجه وبيعه ونقل عائداته أصبحت مقيدة بشدة.
لهذا تبدو جبهة البحر الأحمر ذات قيمة خاصة لطهران. فتهديد باب المندب لا يعيد لإيران صادراتها تلقائيًا، لكنه يفتح جبهة ضغط جديدة على الولايات المتحدة والسعودية وشركائهما، ويجعل كلفة استمرار الحصار الإيراني مرتبطة بأمن ممر آخر للطاقة والتجارة. والأهم أن التطور الحوثي جاء في لحظة قالت فيها واشنطن إنها لا تريد الانجرار إلى حرب جديدة مفتوحة في اليمن، بينما طلبت الحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية دعمًا أمريكيًا في مواجهة التهديد المتصاعد، واكتفت واشنطن حتى الآن، وفق رويترز، بدعم استخباراتي دون تدخل عسكري مباشر واسع. بمعنى آخر: الحوثيون يختبرون حدود ما تستطيع دول التحالف والولايات المتحدة فعله، بينما تحصل طهران على ورقة ضغط إضافية من دون أن تضطر بالضرورة إلى فتح جبهة مباشرة مع واشنطن.

ضربة الأنبوب.. ضرب البديل لا الأصل
في الوقت نفسه تقريبًا، تعرض خط أنابيب «شرق-غرب» السعودي لهجمات عدة في منطقتي الرياض والمدينة المنورة يوم 10 سبتمبر، وأوقفته السلطات احترازيًا لتأمينه وفحص سلامته. وأعلنت الرياض لاحقًا أن المسيّرات جاءت من العراق، فيما أكد مكتب رئيس الوزراء العراقي أن التحقيقات ربطت الهجمات بإطلاقها من الأراضي العراقية، وأُقيل قائد عسكري عراقي مسؤول عن العمليات في محافظة ميسان على خلفية التحقيقات.
وتكمن حساسية الهدف في أن «شرق-غرب» هو أحد أهم منافذ السعودية لتجاوز هرمز. ويمتد الخط لنحو 1200 كيلومتر من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، وتقدر طاقته التصميمية بـ 7 ملايين برميل يوميًا، ما يجعله شريانًا رئيسيًا لتصدير الخام بعيدًا عن المضيق.
لذلك لا تكمن الرسالة العسكرية في الضرر المادي وحده. فالضربة تقول إن البديل البري الذي يفترض أن يمنح السعودية هامش أمان في حال تعطل هرمز يمكن هو الآخر أن يصبح هدفًا.
وهنا يتضح الرابط مع التقدم الحوثي: في اليمن يجري الضغط على الممر البحري البديل، وفي السعودية جرى استهداف البنية التحتية التي تتيح تجاوز هرمز. وحتى إذا نفت إيران أن تكون العمليتان قد صدرتا من مركز عمليات واحد؛ يكفي أن تعمل القوى المرتبطة بإيران ضمن تصور استراتيجي مشترك يجعل طرق الطاقة نفسها جزءًا من المعركة.
الرسالة الإيرانية.. “إذا لم نصدر فلن يصدر أحد”
هذه القراءة لا تأتي من فراغ؛ ففي أغسطس، ظهرت في إيران دعوات علنية إلى الرد العسكري على الحصار الاقتصادي. وقال عضو في البرلمان الإيراني إن منع إيران من تصدير نفطها يعني أن «لا دولة ستتمكن من تصدير نفطها»، فيما حذر محسن رضائي، الأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي، من استهداف مصالح الدول التي تنخرط في الحملة الاقتصادية على طهران، متحدثًا عن منع مرور النفط عبر الخليج إذا شاركت دول المنطقة في الضغط على إيران. كما أشارت تصريحات إيرانية إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه الحوثيون في باب المندب.
وتسبق هذه التصريحات إشارات إيرانية أخرى إلى أن أمن الممرات البحرية لا يقتصر، في الحساب الإيراني، على هرمز. وفي ظل وجود حليف مسلح في اليمن، يصبح باب المندب الورقة الأكثر وضوحًا في هذا التصور. وهكذا تتحول الجغرافيا إلى أداة تفاوض: هرمز في يد إيران مباشرة، وباب المندب في نطاق نفوذ حليفها الحوثي، وخطوط تصدير النفط السعودية تقع بينهما كأهداف محتملة. ليست المسألة إذن البحث عن طريق بديل لإيران بقدر ما هي منع دول المنطقة من امتلاك طريق بديل آمن.
الحصار يضغط من الداخل
لكن التصعيد لا يفسر فقط بالرغبة في رفع الكلفة على واشنطن. هناك ضغط داخلي يتزايد كلما طال توقف الصادرات. وصل الريال الإيراني إلى أكثر من مليوني ريال مقابل الدولار، بينما بلغ التضخم السنوي نحو 66% في يوليو، وفق بيانات نقلتها رويترز. وفي الوقت نفسه، تقول بيانات القطاع النفطي إن الحصار أصاب المصدر الأساسي للعملة الأجنبية الذي تعتمد عليه طهران.
وهنا تظهر معضلة النظام: استمرار «اللا حرب واللا سلام» قد يكون أكثر كلفة بمرور الوقت من مواجهة محسوبة. فإذا بقي النفط عالقًا، يتراجع تدفق العملة الصعبة، وتتسع ضغوط الأسعار والعملة والموازنة؛ وإذا اندفعت طهران إلى حرب مباشرة شاملة، فإنها تخاطر بتدمير ما تبقى من قدرتها الاقتصادية والعسكرية.
لذلك يصبح التصعيد غير المباشر حلًا وسطًا شديد الخطورة: ضرب مصالح من تعتبرهم إيران “الخصوم” عبر الحلفاء، تهديد طرق التجارة، استهداف البنية التحتية، ثم استخدام ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق كوسيلة لإقناع الولايات المتحدة بأن كلفة خنق إيران لن تبقى إيرانية فقط.
من الناقلات إلى الممرات
وضع هذا المسار في سياقه الأوسع يكشف أن التصعيد لم يبدأ باليمن أو خط الأنابيب؛ فالصراع مر بمراحل متدرجة: من «ناقلة مقابل ناقلة»، إلى محاولة استخدام أسطول الظل للحفاظ على حركة النفط، ثم إلى تشديد الحصار البحري، وصولًا إلى المواجهات المباشرة حول السفن الحربية والناقلات. وفي هذه المرحلة الجديدة تنتقل المعركة من السفينة إلى الطريق الذي تسلكه السفينة. وهذه نقلة مهمة؛ لأن ضرب ناقلة يوقف شحنة، أما تهديد مضيق أو خط أنابيب فيعيد تسعير منظومة كاملة من التجارة والطاقة والتأمين.
إلى أين؟
إذا استمر الحصار على صادرات إيران، فمن المرجح أن تزداد قيمة الجبهات غير المباشرة في الحساب الإيراني. وقد يعني ذلك مزيدًا من الضغط على الملاحة في البحر الأحمر، أو استهداف منشآت الطاقة، أو توسيع نطاق العمليات التي تجعل دول الخليج أمام معادلة صعبة: إما قبول استمرار الحصار على إيران مع تحمل اضطراب طرق تصديرها، وإما الضغط على واشنطن للتوصل إلى تسوية تخفف الخناق عن طهران؛ لكن هذه الاستراتيجية تحمل خطرًا معاكسًا. فكلما اقتربت الهجمات من منشآت الطاقة والممرات الدولية، ارتفع احتمال انتقال الولايات المتحدة والسعودية وربما دول أخرى من الاحتواء إلى الرد المباشر. كما أن العراق نفسه بدأ يتحمل كلفة استخدام أراضيه منصة للهجمات، وهو ما ظهر في الإجراءات التي اتخذتها بغداد بعد هجوم خط الأنابيب.
لهذا فإن المعركة المقبلة قد لا تكون معركة السيطرة على هرمز وحده، بل معركة السيطرة على بدائل هرمز؛ طهران تراهن على أن خنق نفطها سيجعل العالم يدفع ثمنًا متزايدًا كلما طال الحصار. وواشنطن تراهن على العكس: أن يؤدي تضييق الخناق إلى دفع إيران نحو تسوية قبل أن تتمكن من تحويل الممرات الإقليمية إلى رهائن.
وبين الرهانين، أصبح باب المندب وخط «شرق-غرب» جزءًا من معركة واحدة عنوانها الحقيقي ليس النفط الإيراني وحده، وإنما السؤال الأوسع: من يملك القدرة على فتح شرايين الطاقة في المنطقة، ومن يستطيع إغلاقها؟



