تقدير موقف

رامي زهدي يكتب.. مصر والصين.. قوة مشتركة في عمق القارة الإفريقية

الكاتب خبير الشؤون الإفريقية — عضو مركز العرب للأبحاث والدراسات

مصر والصين لا تلتقيان في افريقيا من نقطة واحدة او متطابقة، ولا تتحركان داخل القارة بادوات متطابقة، وهذا تحديدا هو مصدر القوة المحتملة في العلاقة بينهما، فالصين قوة صناعية وتجارية وتمويلية وتكنولوجية كبرى تبحث عن الاسواق وسلاسل القيمة والموارد وممرات التجارة وفرص النمو، ومصر دولة افريقية عربية تملك موقعا جغرافيا فريدا، وخبرة تاريخية وسياسية ممتدة داخل القارة، وشبكة علاقات مع دولها، ومؤسسات مالية وتجارية، وعضوية فاعلة في الاتحاد الافريقي، وتجربة متراكمة في قطاعات البنية الاساسية والطاقة والاتصالات والانشاءات والخدمات، فضلا عن موقع استثنائي عند نقطة الالتقاء بين البحر المتوسط والبحر الاحمر وبين افريقيا وآسيا واوروبا.

وبالتالي، فان السؤال الاستراتيجي الحقيقي لم يعد: ماذا يمكن لمصر ان تستفيد من الصين في افريقيا؟ او العكس وانما: ماذا يمكن لمصر والصين ان تبنيا معا في افريقيا؟، وهذا الفارق في صياغة السؤال، استراتيجيا، لان الانتقال من منطق الاستفادة الثنائية الى منطق بناء المصالح المشتركة يعني ان تتحول العلاقة من مجرد شراكة بين دولتين الى منصة ثلاثية الابعاد: مصرية صينية افريقية، تقوم على الاستثمار والتصنيع ونقل التكنولوجيا والتمويل والتجارة وبناء سلاسل القيمة وربط الاسواق.

ولعل ابرز ما يدفعنا الى التفكير بهذه الطريقة هو ان افريقيا نفسها لم تعد القارة التي كانت قبل عقدين، نحن امام قارة يتجاوز عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، وتتحرك فيها عملية تكامل اقتصادي غير مسبوقة عبر منطقة التجارة الحرة القارية الافريقية، بينما تتزايد الحاجة الى البنية الاساسية والطاقة والغذاء والنقل والاتصالات والصناعة والخدمات المالية، في وقت تتجه فيه المنافسة الدولية نحو افريقيا بصورة اكثر وضوحا.

الصين تدرك ذلك مبكرا، وربما بصورة اكثر انتظاما من كثير من القوى الدولية، ففي عام 2024 بلغ حجم التجارة الصينية الافريقية نحو 295.6 مليار دولار، وهو مستوى قياسي، كما سجلت التجارة خلال الربع الاول من 2025 نحو 72.6 مليار دولار، وفي قمة منتدى التعاون الصيني الافريقي في بكين عام 2024، اعلنت الصين حزمة تمويلية بقيمة 360 مليار يوان خلال ثلاث سنوات، تتضمن 210 مليارات يوان في صورة خطوط ائتمان، و80 مليار يوان من اشكال مختلفة من المساعدات، وما لا يقل عن 70 مليار يوان استثمارات من الشركات الصينية في افريقيا.

هذه الارقام لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد ارقام تمويلية، بل باعتبارها مؤشرا على اتجاه استراتيجي، الصين لا تنظر الى افريقيا باعتبارها مجموعة من الاسواق المنفصلة فقط، وانما باعتبارها فضاء اقتصاديا تتشكل داخله تدريجيا منظومة من الموانئ والطرق والمناطق الصناعية والطاقة والاتصالات والتجارة وسلاسل الامداد.

وهنا تحديدا تظهر قيمة مصر، فمصر لا تنافس الصين على افريقيا، كما لا ينبغي ان تنافس الدول الافريقية على موقعها في علاقاتها بالصين، مصر تستطيع ان تكون جسرا، ومنصة، وشريكا، ومركزا لتوطين جزء من سلاسل القيمة الصينية المتجهة الى القارة.

وهذه ليست فكرة نظرية. فوجود الصين في مصر تجاوز بالفعل مرحلة المشروعات المنفردة الى تكوين قاعدة صناعية ولوجستية يمكن البناء عليها، وتشير بيانات رسمية مصرية الى وجود نحو 2800 شركة صينية عاملة في مصر باستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار، فيما بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 16 مليار دولار في 2024 وفقا لبيانات طرحتها وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، بينما تشير بيانات اخرى الى ان حجم التجارة بلغ 17.378 مليار دولار في 2024 بحسب بيانات جهاز التمثيل التجاري المصري.

ولا يجب التعامل مع اختلاف الارقام بين المصادر باعتباره جوهر المسألة، لان الاتجاه العام اكثر اهمية من الفارق الاحصائي المحدود: الصين اصبحت واحدة من اهم الشركاء الاقتصاديين لمصر، والاستثمارات الصينية لم تعد موزعة بصورة عشوائية، بل تتمركز بصورة متزايدة في قطاعات الصناعة والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا.

والاهم ان المنطقة الاقتصادية لقناة السويس اصبحت واحدة من اهم نقاط الالتقاء بين رأس المال والخبرة الصناعية الصينية وبين الموقع المصري والاسواق الافريقية والعربية والاوروبية، وخلال السنوات الثلاث والنصف الماضية وحتى نهاية 2025، نجحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في جذب استثمارات قدرت بنحو 11.6 مليار دولار، وكان نحو 50% منها صينيا.

هذه النسبة وحدها تقول الكثير، فالمسألة لم تعد مجرد “استثمارات صينية في مصر”، بل بدأت تقترب من صيغة اكثر اهمية: “استثمارات صينية في مصر من اجل مصر والاقليم”.

وهنا يجب ان ننتقل الى المرحلة التالية، فالصين تمتلك قدرة ضخمة على التصنيع والتوريد والتمويل والتكنولوجيا، ومصر تمتلك موقعا واتفاقيات تجارية وشبكة علاقات افريقية وعربية، وقناة السويس، وموانئ، وقاعدة صناعية، وقوة بشرية، وخبرة في العمل داخل الاسواق الافريقية. وعندما تجتمع هذه العناصر في مشروع واحد، فان الناتج المحتمل يتجاوز كثيرا قيمة الاستثمار ذاته.

فالمصنع الصيني الذي ينتج في مصر لا ينبغي ان يكون هدفه السوق المصرية فقط، والمشروع المصري الذي يدخل افريقيا لا ينبغي ان يتحرك منفردا اذا كان يستطيع الاستفادة من التمويل والتكنولوجيا وسلاسل التوريد الصينية، والافضل ان نصنع نموذجا جديدا يقوم على ان تكون مصر نقطة تصنيع وتجميع وتوزيع، وان تكون افريقيا مجالا للتوسع، وان تكون الصين مصدرا للتمويل والتكنولوجيا والمدخلات والخبرة الصناعية، مع مشاركة مصرية وافريقية حقيقية في الملكية والقيمة المضافة.

وهنا يمكن ان نتصور مشروعات ثلاثية في السيارات الكهربائية، والالات والمعدات، والادوية، والصناعات الغذائية، والطاقة الجديدة والمتجددة، والاسمدة، والاتصالات، ومراكز البيانات، والمعدات الزراعية، ومعالجة المعادن، والنقل واللوجستيات، والصناعات الهندسية.

وليس المقصود ان تستورد افريقيا منتجات صينية عبر مصر فقط، بل ان تنتج بعض هذه المنتجات في مصر او في دول افريقية بالتعاون بين رأس المال المصري والصيني والافريقي، ثم يعاد توزيعها داخل السوق القارية.

هذا هو الفرق بين التجارة التقليدية وبين بناء سلاسل قيمة، فالقارة الافريقية لا تعاني فقط من نقص المنتجات، وانما تعاني من ضعف التصنيع البيني، وارتفاع تكاليف النقل، وتجزؤ الاسواق، ونقص التمويل التجاري، وضعف البنية اللوجستية، ومن ثم فان تحقيق مكاسب حقيقية من منطقة التجارة الحرة القارية الافريقية يتطلب انتاجا محليا واقليميا قادرا على الحركة عبر الحدود، وليس مجرد زيادة في الواردات، ومصر لديها مصلحة مباشرة في ذلك.

فالتجارة المصرية مع دول الاتحاد الافريقي بلغت نحو 9.9 مليار دولار في 2024، منها نحو 7.8 مليار دولار صادرات مصرية و2.1 مليار دولار واردات، وفي 2025 دارت التجارة حول 9.6 الى 9.7 مليار دولار بحسب المصادر الاحصائية المختلفة، مع بقاء مصر صاحبة فائض تجاري واضح مع القارة.

هذه الارقام جيدة، لكنها ليست كافية، لان دولة بحجم مصر، واقتصاد بهذا التنوع، وفي موقع افريقي كهذا، يفترض ان تكون تجارتها مع القارة اكبر بكثير من ذلك، والمشكلة ليست دائما في القدرة على الانتاج، وانما في الوصول، افريقيا سوق واسعة، لكنها ليست سوقا واحدة بالمعنى اللوجستي والتنفيذي، هناك اختلافات في النظم الجمركية، والمعايير، والتمويل، والبنية التحتية، والنقل، والتأمين، والضمانات، والبيانات التجارية، والقدرة على تحصيل المدفوعات.

ومن هنا تظهر قيمة التعاون المصري الصيني بصورة اكثر وضوحا، الصين تستطيع ان تضيف الى المعادلة ما ينقص كثيرا من الشركات المصرية: القدرة التمويلية، وسلاسل التوريد، والتكنولوجيا، والخبرة في تنفيذ المشروعات الكبرى، والقدرة على خفض تكلفة الانتاج في عدد كبير من القطاعات، ومصر تستطيع ان تضيف ما تحتاجه الشركات الصينية عندما تنظر الى افريقيا: معرفة بالسوق الافريقية، وعلاقات سياسية، ووجود مؤسسي، وقرب جغرافي، وخبرة في البيئة العربية والافريقية، وموانئ وممرات تجارية، وقاعدة صناعية قابلة للتوسع.

وهكذا يمكن ان يصبح التعاون المصري الصيني احد النماذج العملية للتعاون جنوب جنوب، بشرط الا يتحول الى علاقة طرف يصنع وطرف يستهلك.

وهذه نقطة جوهرية، افريقيا لم تعد تقبل بسهولة ان تكون مجرد سوق نهائية للسلع القادمة من الخارج، الاتجاه الافريقي الحالي، في ظل اجندة 2063 ومنطقة التجارة الحرة القارية، هو نحو التصنيع والقيمة المضافة ونقل التكنولوجيا والانتقال من تصدير المواد الخام الى بناء قدرات انتاجية، والصين نفسها تحدثت في اطار منتدى التعاون الصيني الافريقي عن التعاون في سلاسل الصناعة والتجارة والاتصال والطاقة الخضراء والزراعة والصحة والتنمية، وهذا يفتح مساحة واسعة امام صيغة مصرية صينية اكثر تطورا داخل القارة.

نحن لا نحتاج الى “مزيد من العلاقات مع الصين” بالمعنى التقليدي، فالعلاقات موجودة وقوية، نحن نحتاج الى “استخدام العلاقة المصرية الصينية بطريقة اكثر ذكاء في افريقيا”، وهذا يعني ان تصبح افريقيا جزءا واضحا من كل نقاش مصري صيني اقتصادي.

عندما نتفاوض على مصنع، يجب ان نسأل: كم دولة افريقية يمكن ان يكون هذا المصنع مدخلا اليها؟

عندما نتفاوض على مشروع نقل، يجب ان نسأل: هل يمكن ان يصبح جزءا من ممر تجاري يصل الى شرق افريقيا او القرن الافريقي او وسط القارة؟

عندما نستقبل شركة صينية، يجب الا يكون السؤال فقط: ماذا ستنتج في مصر؟ بل ايضا: الى اين ستصدر؟

وعندما تطلب شركة مصرية تمويلا لمشروع في افريقيا، يجب ان تكون هناك امكانية لربطها بشريك صيني تكنولوجي او تمويلي او صناعي.

هذه ليست تفاصيل تنفيذية، بل هي اعادة تعريف للعلاقة نفسها، ومن القطاعات التي يمكن ان تكون نقطة انطلاق حقيقية قطاع السيارات الكهربائية، الصين اصبحت من القوى العالمية الرئيسية في هذا المجال، ومصر تبحث عن توطين صناعة السيارات ومكوناتها، بينما تحتاج اسواق افريقية كثيرة الى حلول نقل اقل تكلفة واكثر كفاءة. ومن ثم يمكن بناء نموذج انتاج مصري صيني يستهدف السوق المحلية والتصدير الى افريقيا، بدلا من الاكتفاء باستيراد السيارات.

والامر ذاته ينطبق على الطاقة الشمسية ومكونات الطاقة المتجددة، افريقيا لديها فجوة هائلة في الوصول الى الكهرباء، بينما تمتلك الصين قدرات تصنيع واسعة في الالواح والمعدات والبطاريات وسلاسل الطاقة النظيفة، ومصر تمتلك تجربة متنامية في الطاقة المتجددة وموقعا يؤهلها لتكون قاعدة انتاج وتوزيع.

وفي الغذاء، تصبح المعادلة اكثر حساسية واهمية، مصر تحتاج الى تنويع مصادر المواد الخام والغذاء، والقارة تحتاج الى التصنيع الزراعي والتخزين والنقل المبرد والري الحديث، والصين تمتلك خبرات واسعة في الزراعة الحديثة وسلاسل الامداد، بينما تمتلك مصر خبرة افريقية وشبكة شركات ومؤسسات يمكن توظيفها في مشروعات زراعية وتصنيعية مشتركة في شرق ووسط وغرب افريقيا.

وفي الدواء، يمكن بناء شراكات لا تتوقف عند التصنيع المحلي، بل تشمل المواد الخام والتكنولوجيا والتعبئة والتوزيع والتسجيل الدوائي، بما يسمح بخلق منصات اقليمية للتصدير.

وفي الاتصالات والتكنولوجيا، يمكن ان تتجاوز الشراكة فكرة توريد المعدات الى بناء مراكز بيانات وخدمات رقمية وحلول للمدفوعات والتجارة الالكترونية والخدمات الحكومية الرقمية.

واذا اردنا ان نضيف بعدا ماليا حقيقيا الى هذه الشراكة، فعلينا ان نربط الشركات المصرية والصينية بالمؤسسات المالية الافريقية، وعلى رأسها بنك التصدير والاستيراد الافريقي افريكسيم بنك، ومؤسسات التمويل الاقليمية، مع تطوير ادوات لضمان مخاطر التجارة والاستثمار.

فالتمويل هو الحلقة التي كثيرا ما تكسر افضل الافكار.

لدينا شركات مصرية تستطيع الانتاج، وشركات صينية تستطيع التمويل والتكنولوجيا، واسواق افريقية تحتاج المنتجات، لكن غياب ضمانات التمويل والتأمين ومعلومات السوق قد يجعل المشروع لا يتحول من فكرة الى واقع.

وهنا ينبغي التفكير في انشاء منصة مصرية صينية افريقية للتمويل والتجارة والاستثمار، لا تكون مجرد مؤتمر سنوي، وانما آلية دائمة تجمع البنوك وصناديق الاستثمار والشركات والجهات الحكومية والغرف التجارية ومؤسسات التمويل الافريقية.

منصة تمتلك قاعدة بيانات للمشروعات، وتحدد الفرص حسب الدولة والقطاع، وتربط المستثمر بالممول، والمصنع بالسوق، والمصدر بشركة اللوجستيات.

ومن الضروري ايضا الا ننظر الى افريقيا باعتبارها كتلة واحدة.

فشرق افريقيا له حساباته، والقرن الافريقي له تعقيداته، وغرب افريقيا له منظومته الاقتصادية، والجنوب الافريقي له طبيعته الصناعية، وشمال افريقيا له علاقاته المتشابكة مع اوروبا والعالم العربي، ولذلك فان اي استراتيجية مصرية صينية داخل القارة يجب ان تكون قطرية واقليمية في الوقت نفسه.

كينيا وتنزانيا ورواندا واوغندا يمكن ان تمثل مساحات مهمة في شرق افريقيا، نيجيريا وغانا وكوت ديفوار والسنغال في غرب القارة، جنوب افريقيا وزامبيا وانجولا في الجنوب، والكونغو الديمقراطية في قلب معادلات المعادن والطاقة، بينما تمثل دول شمال افريقيا امتدادا طبيعيا للمجال المصري.

ولا يعني ذلك ان نبحث عن الوجود في كل مكان في الوقت نفسه، السياسة الاقتصادية الذكية لا تقيس النجاح بعدد الدول التي نزورها، بل بعدد الاسواق التي نستطيع ان نثبت فيها وجودا مستداما.

ومن هنا، فإن الممرات الاقتصادية يجب ان تكون جزءا اساسيا من التفكير المصري الصيني.

مصر تمتلك قناة السويس، والصين تمتلك خبرة واسعة في الموانئ واللوجستيات وسلاسل الامداد. والقناة يمر عبرها تاريخيا نحو 12% من التجارة البحرية العالمية، وهو رقم يكشف حجم الموقع المصري في حركة التجارة الدولية.

لكن القيمة الحقيقية للقناة لا ينبغي ان تقاس فقط برسوم العبور، القناة يمكن ان تكون مدخلا لمنظومة اكبر: موانئ، مناطق صناعية، مراكز لوجستية، تخزين، اعادة تصدير، تمويل تجاري، خدمات بحرية، تصنيع، ثم ربط بري وبحري مع الاسواق الافريقية.

هنا يصبح مفهوم “مصر مركز اقليمي” اكثر من شعار، ويصبح وجود الشركات الصينية في منطقة قناة السويس ليس مجرد استثمار اجنبي داخل مصر، وانما جزءا من بنية اقتصادية يمكن ان تخدم حركة التجارة بين الصين وافريقيا.

والنماذج الموجودة بالفعل تعطي اشارات مهمة، فقد وقعت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في 2025 اتفاقات مع شركات صينية في مجالات المنسوجات والملابس والصناعات الهندسية، ومن بينها مشروع EVERFAR باستثمارات 130 مليون دولار، ومشروع Changzhou RAMADA باستثمارات 22.6 مليون دولار، بينما حققت شركة Xinxing العاملة في المنطقة تعاقدات تصديرية بلغت 86 مليون دولار خلال ايام قليلة، شملت اسواقا مثل الكويت والعراق وتونس والاردن والسعودية.

هذه النماذج تشرح الفكرة عمليا: المصنع الموجود في مصر يستطيع ان يصبح مصدرا الى اسواق خارج مصر، وبالتالي فان الاستثمار الصيني يمكن ان يتحول الى قوة دفع للصادرات المصرية والاقليمية.

لكن يجب ان نذهب خطوة ابعد، لماذا لا يصبح جزء من الانتاج الصيني في مصر مصمما منذ البداية للتصدير الى افريقيا ولماذا لا تنشأ مناطق انتاج متخصصة تستهدف اسواقا افريقية بعينها؟

ولماذا لا يكون هناك “ممر صناعي مصري صيني الى افريقيا” يبدأ من مناطق التصنيع المصرية، ويمر عبر الموانئ، ثم يتصل بممرات البحر الاحمر وشرق افريقيا؟

ولماذا لا تتحول بعض الشركات المصرية المتوسطة والصغيرة الى موردين للشركات الصينية العاملة في مصر، بما يخلق شبكة من الموردين المحليين القادرين لاحقا على دخول الاسواق الافريقية؟

هذه هي النقلة المطلوبة من الاستثمار الى المنظومة.

والاهم من كل ذلك ان مصر لا ينبغي ان تدخل هذه العلاقة باعتبارها الطرف الذي يبحث عن تمويل فقط.

الصين لديها مصالحها، ومصر لديها مصالحها، وافريقيا لديها مصالحها. والعلاقة المستدامة هي التي تجعل المصالح الثلاثة قابلة للاجتماع.

الصين تريد اسواقا واستثمارات واستقرارا وسلاسل توريد وممرات آمنة.

مصر تريد تنمية وصناعة وتصديرا واستثمارا ونفوذا اقتصاديا وتعظيم دورها القاري.

والدول الافريقية تريد بنية اساسية وصناعة وطاقة وتكنولوجيا وفرص عمل وتمويلا وشراكات لا تقوم على استنزاف الموارد فقط.

المعادلة الممكنة اذن ليست صعبة، لكنها تحتاج الى ارادة سياسية وترجمة مؤسسية.

ومن الضروري هنا ان ننتقل من الدبلوماسية السياسية الى الدبلوماسية الاقتصادية بصورة اوسع، بحيث تعمل السفارات والمكاتب التجارية والغرف واتحادات الصناعات والبنوك وصناديق الاستثمار باعتبارها شبكة واحدة.

فالمنافسة الدولية في افريقيا لم تعد منافسة سفراء فقط، وانما منافسة شركات وبنوك وموانئ وممرات وسلاسل امداد وتكنولوجيا.

ومن يربح في افريقيا خلال العقد المقبل لن يكون بالضرورة صاحب الخطاب السياسي الاكثر صخبا، بل صاحب القدرة على تقديم عرض متكامل للدولة الافريقية: تمويل، وبناء، وتصنيع، وتكنولوجيا، وتدريب، ونفاذ الى الاسواق، وضمانات، وشراكة طويلة الاجل.

وهنا تستطيع مصر والصين ان تقدما نموذجا مختلفا.

نموذجا لا يجعل مصر مجرد وسيط، ولا يجعل الصين مجرد ممول، ولا يجعل افريقيا مجرد سوق.

بل يجعل الجميع شركاء في انتاج القيمة.

ولذلك فانني اعتقد ان الوقت مناسب للانتقال من العلاقات المصرية الصينية في افريقيا الى “الشراكة المصرية الصينية من اجل افريقيا”.

الفارق بين التعبيرين كبير، لان الاول يصف وجودا قائما، بينما الثاني يقترح مشروعا للمستقبل.

مشروع يمكن ان يبدأ بمجلس او منصة دائمة للتعاون المصري الصيني الافريقي، ويضم الحكومات والقطاع الخاص والبنوك ومؤسسات التمويل، وتنبثق عنه مجموعات عمل متخصصة في الصناعة والطاقة والغذاء والدواء والنقل واللوجستيات والتكنولوجيا والتجارة والاستثمار.

ويجب ان تكون له اهداف قابلة للقياس، لا مجرد توصيات عامة.

كم مصنع؟

كم مليار دولار استثمارات؟

كم فرصة عمل؟

كم نسبة مكون محلي؟

كم مليار دولار صادرات الى افريقيا؟

كم شركة مصرية تدخل السوق الافريقية بالشراكة مع مستثمر صيني؟

وكم شركة صينية تستخدم مصر قاعدة للانتشار في القارة؟

عندما تصبح الشراكة مرتبطة بهذه المؤشرات، تتحول من فكرة سياسية جميلة الى سياسة اقتصادية قابلة للمحاسبة.

وفي تقديري، فان احد اكبر الاخطاء التي يمكن ان نقع فيها هو التعامل مع التحول الجاري في العلاقات الدولية باعتباره سباقا بين قوى كبرى على افريقيا فقط.

الافضل ان ننظر اليه باعتباره فرصة لاعادة تموضع الدول الافريقية نفسها.

ومصر من الدول التي تستطيع ان تفعل ذلك اذا احسنت قراءة موقعها.

نحن لسنا في مواجهة مع الصين، ولسنا تابعين لها، ولسنا منافسين لها في افريقيا، نحن دولتان لهما مصالح مختلفة في بعض الملفات ومتقاطعة في ملفات اخرى، لكن بينهما مساحة واسعة لبناء مصالح مشتركة.

والتاريخ هنا ليس تفصيلا.

العلاقات المصرية الصينية تمتلك رصيدا سياسيا وتاريخيا يمتد لعقود، وتطورت بصورة واضحة منذ رفع العلاقات الى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، كما ان القاهرة وبكين تملكان تقاليد طويلة من التعاون في اطار دول الجنوب والتعاون الدولي.

هذا الرصيد يمكن ان يتحول الى رأسمال استراتيجي جديد، اذا خرج من اطار الذكرى الى اطار المشروع.

القارة الافريقية تتغير، وموازين الاقتصاد العالمي تتغير، وممرات التجارة تتغير، ومفهوم القوة نفسه يتغير.

القوة اليوم ليست فقط في امتلاك الموارد، وانما في القدرة على ربط الموارد بالتصنيع، والتصنيع بالاسواق، والاسواق بالتمويل، والتمويل بالتكنولوجيا، والتكنولوجيا باللوجستيات.

ومن يملك القدرة على ربط هذه الدوائر، يملك جزءا مهما من مستقبل الاقتصاد.

ومصر تمتلك موقعا لا يمكن استنساخه، والصين تمتلك قدرات صناعية وتمويلية لا يمكن تجاهلها، وافريقيا تمتلك السوق والموارد والاحتياجات والفرص.

لهذا، فان اجتماع هذه العناصر ليس مجرد فرصة اقتصادية عابرة، بل يمكن ان يتحول الى مشروع استراتيجي طويل المدى.

المطلوب ليس ان تصبح مصر “بوابة الصين الى افريقيا” فقط، فهذه صياغة تختزل الدور المصري.

المطلوب ان تصبح مصر شريكا في تصميم هذه البوابة، وان تتحول من نقطة مرور الى نقطة انتاج، ومن سوق استقبال الى مركز توزيع، ومن دولة تتلقى الاستثمار الى دولة تعيد تصدير القيمة، ومن علاقة ثنائية مصرية صينية الى شبكة مصالح مصرية صينية افريقية.

واذا نجحنا في ذلك، فلن تكون الصين بالنسبة لمصر مجرد شريك اقتصادي كبير، ولن تكون افريقيا بالنسبة للصين مجرد سوق واعدة، بل يمكن ان تصبح مصر نقطة التقاء بين القدرة الصناعية الصينية والطاقة الاقتصادية الافريقية.

وهذه، في تقديري، هي المعادلة التي تستحق ان نبدأ في بنائها من الآن.

لان المستقبل لا ينتظر الدول التي تكتفي بقراءة اتجاهاته، بل يذهب الى الدول التي تستطيع ان تصنع لنفسها موقعا داخله.

ومصر لديها كل المقومات لكي يكون موقعها في هذه المعادلة اكبر من مجرد موقع جغرافي.

يمكنها ان تكون موقعا صناعيا، وتجاريا، وماليا، ولوجستيا، وسياسيا، وافريقيا.

والشراكة مع الصين يمكن ان تكون واحدة من اهم الادوات التي تساعد على تحويل هذا الاحتمال الى واقع، بشرط واحد: ان ننتقل من ادارة العلاقات الى صناعة المصالح، ومن استقبال الفرص الى تصميمها، ومن التفكير في السوق المصرية وحدها الى التفكير في مصر باعتبارها منصة افريقية.

عندها فقط يمكن ان تتحول عبارة “مصر والصين قوة مشتركة وتاريخ كبير في اتجاه القارة” من عنوان لمقال الى عنوان لمشروع استراتيجي طويل المدى.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى