تقدير موقف

كيف تكشف التزييف العميق وتحمي نفسك من التضليل الرقمي؟

الغزو الخفي على الإنترنت فيديوهات زائفة تغزو الإنترنت

د. محمد محسن رمضان- رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني -مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية

في عالم تتحكم فيه التكنولوجيا بالوعي الجمعي، لم تعد الصورة ولا الفيديو ولا الصوت دليلًا على الحقيقة. فقد اجتاحت شبكة الإنترنت موجة من الفيديوهات والصور والمقاطع الصوتية الزائفة المصنوعة بتقنية التزييف العميق (Deepfake)، والتي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى يصعب التفرقة فيه بين الوهم والحقيقة.

هذه التقنية لم تعد مجرد أداة في صناعة الترفيه، بل تحولت إلى سلاح رقمي يُستخدم في التضليل الإعلامي، والحروب السيبرانية، والابتزاز الإلكتروني، وتشويه السمعة.

 التزييف العميق

ما هو التزييف العميق؟

يقوم التزييف العميق على استخدام خوارزميات الشبكات العصبية التوليدية (GANs)، حيث يقوم جزء من النظام بتوليد صور أو فيديوهات أو أصوات مزيفة، بينما يحاول جزء آخر كشفها. ومن خلال التدريب المستمر، تصل الخوارزميات إلى درجة عالية من الدقة تجعل المحتوى المزيف مقنعًا للغاية.

  • في مجال الفيديو: يتم تركيب وجوه أشخاص على أجساد آخرين، أو جعل شخصية عامة تنطق بما لم تقله.

  • في مجال الصوت: يتم تحليل نبرة شخص ما وتحويل نصوص مكتوبة إلى تسجيلات صوتية تبدو صادرة عنه.

  • في مجال الصور: يمكن للذكاء الاصطناعي توليد صور كاملة لأشخاص لا وجود لهم في الواقع.

المخاطر الأمنية والاجتماعية

  1. التأثير السياسي والإعلامي: قد يؤدي نشر مقطع مزيف لشخصية عامة، إلى إثارة البلبلة أو التأثير في مسار انتخابات.

  2. الابتزاز الإلكتروني: يتم استغلال صور أو مقاطع مزيفة للإيقاع بالضحايا وابتزازهم ماديًا أو اجتماعيًا.

  3. الاحتيال المالي: نجح محتالون بالفعل في استخدام أصوات مزيفة لمديرين تنفيذيين لإقناع موظفين بتحويل مبالغ مالية ضخمة.

  4. الحروب السيبرانية: أصبحت هذه التقنية أداة في الحملات الدعائية الموجهة لتزييف وعي الشعوب وإرباك الرأي العام.

أشهر الفضائح العالمية للتزييف العميق

  • باراك أوباما: في عام 2018، نشرت مؤسسة “BuzzFeed” فيديو مزيفًا للرئيس الأمريكي السابق، بهدف التوعية بخطورة التقنية، وأظهر كيف يمكن التلاعب بأقوال الشخصيات العامة.

  • مارك زوكربيرغ: في عام 2019 تم تداول مقطع يظهر مؤسس فيسبوكوهو يتحدث عن سيطرة الشركة على بيانات مليارات البشر، وقد بدا مقنعًا بشكل أثار جدلًا واسعًا.

  • دونالد ترامب: خلال انتخابات 2020 انتشرت مقاطع مزيفة للرئيس الأمريكي السابق، مما أسهم في تعزيز الانقسام المجتمعي.

  • شركة بريطانية تعرضت لعملية احتيال بمبلغ 243 ألف دولار عبر مكالمة هاتفية بصوت مزيف لرئيس الشركة الأم.

  • المشاهير والمحتوى الإباحي: واجه العديد من الشخصيات العامة قضايا تتعلق باستخدام وجوههم في مقاطع مفبركة بغرض التشويه أو الابتزاز.

كيف تكشف التزييف العميق؟

رغم تطور التقنية، فإن هناك مؤشرات يمكن من خلالها اكتشاف المحتوى المزيف:

  • ملاحظة حركات العين غير الطبيعية أو ثباتها لفترة طويلة.

  • عدم تطابق حركة الشفاه مع الكلام.

  • وجود ظلال أو انعكاسات غير منطقية في الفيديو.

  • تشويش في تفاصيل الوجه أو الخلفية.

  • الاستعانة بالأدوات التقنية مثل: Deepware Scanner، Reality Defender، وMicrosoft Video Authenticator.

كيف تحمي نفسك من التضليل الرقمي؟

  1. التفكير النقدي وعدم التسليم المطلق بما يتم تداوله على الإنترنت.

  2. الاعتماد على أكثر من مصدر إخباري موثوق قبل إعادة النشر أو المشاركة.

  3. استخدام الأدوات التقنية المتخصصة في كشف الصور والفيديوهات المزيفة.

  4. رفع مستوى الوعي الرقمي لدى الأفراد، خصوصًا الشباب.

  5. سن تشريعات وقوانين تجرّم إنتاج أو نشر التزييف العميق بغرض التضليل أو الابتزاز، كما بدأت بعض الدول الغربية بالفعل.

البعد الأخلاقي والتربوي

رغم مخاطر التزييف العميق، فإنه يمكن أن يحمل جوانب إيجابية في مجالات التعليم، والسينما، وصناعة الألعاب. لكن إساءة استخدامه تجعل منه تهديدًا للأمن المجتمعي والإنساني. وهنا تبرز أهمية دور الإعلام والمؤسسات التعليمية في ترسيخ ثقافة رقمية واعية.

مجلة العرب العدد (44)

التزييف العميق يمثل تحديًا معقدًا للأمن السيبراني والمجتمعي؛ فهو أداة قادرة على تشكيل الرأي العام، والتأثير على مسارات سياسية واقتصادية، بل وزعزعة استقرار الدول.
إن المواجهة تبدأ بالوعي الرقمي، يليه تطوير الأدوات التقنية والتشريعات القانونية اللازمة لمكافحة هذه الظاهرة.

الوعي الرقمي هو خط الدفاع الأول ضد التضليل، وكل فرد هو حارس رقمي لنفسه ولمجتمعه.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى