رأي

د. محمد يحيى غيدة يكتب.. حان الوقت

حان الوقت أن تتخذ الدولة المصرية قرارها الحاسم برفع الدعم عن كافة السلع والخدمات الأساسية، بعد عقود طويلة تحملت فيها عبء الإنفاق نيابة عن المواطن، وواجهت انتقادات وضغوطاً من مؤسسات دولية وإقليمية، لأنها أصرت على أن تبقى إلى جانب مواطنيها، تدعم احتياجاتهم اليومية وتضمن الحد الأدنى من الكرامة المعيشية لكل بيت مصري.

لقد أنفقت الدولة المليارات لتأمين رغيف الخبز، والكهرباء، والمياه، والنقل، والوقود، والدواء، والتعليم، والصحة. تحملت وحدها ما كان ينبغي أن يُشاركها فيه المواطن القادر، حتى تحولت بعض شرائح المجتمع إلى متلقٍّ دائم للدعم دون مقابل إنتاجي حقيقي، وأصبح من الضروري إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس جديدة من العدالة والمسؤولية المشتركة.

لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا الآن؟ ولماذا في هذا التوقيت الحرج يُرفع الدعم الذي تعوّد عليه المصريون عبر أجيال؟

الإجابة ببساطة لأننا نحتاج إلى انتقال حقيقي نحو مرحلة التحرر الاقتصادي والعدالة الاجتماعية المتوازنة. فالدعم في صورته القديمة لم يعد وسيلة لتحقيق العدالة، بل صار في كثير من الأحيان أداة لتكريس الفجوة بين الطبقات، حين يستفيد الأغنياء أكثر مما يستفيد الفقراء، ويتحوّل الدعم إلى عبء على الدولة والموازنة العامة.

لقد بدأت الحكومة فعلياً خطوات إصلاحية جادة، من خلال رفع الحد الأدنى للأجور ليضمن للعامل والموظف حياة كريمة، وهذا التوجه يُعد خطوة ضرورية ومقدّرة في طريق الإصلاح. لكن الطريق لن يكتمل إلا بخطوة موازية أكثر جرأة وإنصافاً: تطبيق الحد الأقصى للأجور.

نعم، آن الأوان لأن تكون هناك قوانين حقيقية تُعيد ضبط ميزان العدالة داخل مؤسسات الدولة. فبينما يتقاضى آلاف الموظفين والضباط والمعلمين والعاملين في الوزارات مرتبات بالكاد تلامس الحد الأدنى للعيش الكريم، هناك عشرات من المسؤولين أو التنفيذيين يتقاضون رواتب خيالية تفوق عشرات المرات ما يحصل عليه أغلب أبناء الوطن. هذه الفجوة غير الأخلاقية في توزيع الدخل هي ما يُولّد الإحباط، ويُضعف روح الانتماء، ويخلق شعوراً عاماً باللا مساواة.

يا حكومتنا الرشيدة القادمة،
إن كنتم قد رفعتم الحد الأدنى للأجور لتكريم العامل الشريف، فقد آن الوقت لرفع الغطاء عن سقف الرواتب المبالغ فيها، وإعادة الانضباط لمنظومة الأجور في مصر. فالتنمية الحقيقية لا تتحقق إلا حين يشعر المواطن البسيط أن العدالة ليست شعاراً، بل ممارسة يومية يعيشها في وظيفته، وفي دخله، وفي خدماته.

حان الوقت أن نحيا جميعاً في وطنٍ لا يظلم فيه أحد، ولا يتضخم فيه راتبٌ على حساب عرق الآخرين.
حان الوقت للعدل قبل الدعم، وللإنصاف قبل الرفاهية. حان الوقت لبناء دولة العدالة الاجتماعية الحقيقية.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى