سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. العدالة قد تتأخر … لكنها لا تموت

في هذا العالم المثقل بالقهر، حيث يسحق الضعفاء تحت وطأة الظلم، وتصادر أبسط حقوق الإنسان، تتكشف صور قاسية من الاستبداد الذي لا يرى في البشر سوى أدوات، ولا في كرامتهم إلا تفصيلاً يمكن تجاوزه. هناك، حيث تغلق الأبواب في وجه العدالة، ويترك المظلوم وحيداً في مواجهة آلة القهر، يبدو المشهد وكأن الظلم قد انتصر، وكأن هذا الواقع كتب له أن يستمر بلا نهاية.
لكن الحقيقة الأعمق، التي تدركها الشعوب المقهورة قبل غيرها، أن هذا الكون لم يبن على الظلم، ولم تخلق الحياة لتكون ساحة مفتوحة للاستبداد. لقد أنعم الله على عباده بالحرية، وجعل العدالة ميزاناً تقوم عليه الأرض، لا ترفاً يمنح، ولا منة من أحد، بل حقاً أصيلًا لا يسقط، مهما طال عليه الزمن، ومهما حاولت قوى الظلم مصادرته. الحرية والعدالة ليستا اختيارًا ثانوياً، بل روح تتنفس بها الشعوب، وحق غريزي يولد معه كل إنسان.
الاستبداد، مهما اشتد، يظل حالة طارئة، لا أصلاً ثابتاً. هو كيان هش، يعيش على الخوف، ويتغذى على صمت المقهورين، ويستمد قوته من لحظات الانكسار التي تصيب الإنسان حين يظن أن لا مفر من هذا الواقع. لكنه، في جوهره، لا يملك القدرة على الاستمرار إلى الأبد، لأنه يصطدم بفطرة الإنسان التي تأبى الخضوع، وترفض أن تختزل في دور الضحية. هذه الفطرة هي من تزرع الشجاعة في النفوس، وتبقي جذوة المقاومة مشتعلة، حتى وسط الظلام الدامس.
والمؤلم في حكاية الظلم ليس فقط قسوته، بل اعتياده. حين يتحول القهر إلى مشهد يومي، وحين يقنع المستبد ضحاياه أن ما يعيشونه هو “الطبيعي”، تبدأ أخطر مراحل الانكسار. هنا، لا تكون المعركة مع الظالم وحده، بل مع الخوف الذي زرعه، ومع الوهم الذي صنعه، ومع حالة الاستسلام التي تتسلل إلى النفوس بصمت. ولذلك، فإن أصعب ما يواجه المظلوم هو فقدان الأمل بالإنصاف، وهو ما يجعل القوة الداخلية التي يمتلكها الإنسان أحياناً المصدر الوحيد لمقاومة القهر.
لكن حتى في أحلك اللحظات، تبقى هناك مساحة للنور. فكل موقف رفض، وكل كلمة حق، وكل صبر على الألم، هو شكل من أشكال المقاومة. ليس بالضرورة أن تكون المقاومة صاخبة، لكنها تكون حاضرة في الوعي، في الإيمان، في الإصرار على أن هذا الواقع ليس قدرًا نهائياُ. كل فعل صغير من رفض الظلم، وكل محاولة للحفاظ على الكرامة، تضيف لبنة في طريق العدالة، وتثبت أن الإنسان لا يمكن أن يُستسلم بالكامل.
التاريخ، بدوره، شاهد لا يرحم. قد يتأخر في إنصاف المظلومين، وقد يبدو أحياناُ وكأنه ينحاز للأقوى، لكنه في النهاية يعيد ترتيب موازينه. كم من قضايا ظن أنها انتهت، وكم من حقوق دفنت تحت ركام الصمت، لكنها عادت لتفرض نفسها من جديد، لأن الحقيقة ببساطة لا تموت، وكذلك العدالة. العدالة، رغم كل العقبات، تبقى حية في ضمير الشعوب، في دعوات المظلومين، وفي ذاكرة من قاوموا الاستبداد.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه المظلوم ليس الظلم ذاته، بل اليأس من زواله. حين يفقد الإنسان إيمانه بالعدالة، يصبح أكثر هشاشة أمام القهر، وأكثر قابلية للاستسلام. أما حين يتمسك بها، حتى وهي بعيدة، فإنه يمتلك قوة داخلية لا تقهر، قوة قادرة على إعادة تشكيل الواقع، ولو بعد حين. هذه القوة هي التي صنعت التحولات الكبرى في تاريخ الشعوب، وهي التي أبقت الحقوق حية، حتى لو تأخرت.
العدالة لا تأتي دائماً بالسرعة التي نريد، لكنها تأتي بالطريقة التي تنصف. قد تتأخر لأنها تبحث عن لحظتها المناسبة، عن توازن يضمن ألا يكون إنصاف اليوم ظلماً جديداً غداً. ولهذا، فإن تأخرها ليس ضعفاً، بل أحياناً جزء من اكتمالها. الطريق نحو العدالة قد يكون طويلًا، وقد يشتد الظلم في أثناءه، لكن الثبات والإيمان بهما يضمن أن لا يذهب هذا الحق هباءً.
وفي خضم هذا كله، يبقى السؤال الأهم: هل نصبر على طريق العدالة، أم نختصر الطريق فنفقدها؟
الجواب لا يكتب بالكلمات، بل بالمواقف، حين تختار الشعوب أن تبقى واقفة، مؤمنة، رافضة لأن يكون الظلم قدراً دائماً.
قد يطول الطريق، وقد تشتد العتمة، لكن لا شيء قادر على إلغاء فجر كتب له أن يأتي.
فالعدالة التي وهبها الله لعباده، لا يمكن أن تموت… لأنها ببساطة، من جوهر هذا الوجود.


