د. محمد يحيى غيدة يكتب.. الاعتراف الدولي بفلسطين أن تأت متأخرًا ذلك خير

تُعد موجة الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، التي تجتاح مؤخراً العواصم الأوروبية، تحولاً جيوسياسياً بالغ الأهمية، وإن جاء متأخراً عقوداً من الزمن. هذه الخطوة، التي بدأت تكتسب زخماً متصاعداً، ليست مجرد رمزية دبلوماسية، بل تمثل إعادة قسرية للقضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة العالمية، وتعيد الاعتبار لمبدأ حل الدولتين الذي كاد أن يُدفن تحت وطأة الصراع والعقبات.
إن الاعتراف بدولة فلسطين المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، يمثل الأساس القانوني والأخلاقي الوحيد لإنهاء عقود من الاحتلال. ورغم أن هذا الاعتراف لا يغير من واقع الاحتلال على الأرض بشكل فوري، إلا أن أهميته تكمن في ثلاثة محاور رئيسية:
- تعزيز الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين
يُعزز هذا الاعتراف الشرعية الدولية للحق الفلسطيني، ويُحصّن مبدأ حل الدولتين في القانون الدولي. عندما تُعلن دول أوروبية ذات ثقل سياسي واقتصادي موقفها بوضوح، فإنها تُضيق الخناق على أي محاولات إسرائيلية لضم الأراضي، وتُفشل مساعي تصفية القضية. يصبح الوجود الفلسطيني في هذه الحالة حقيقة قانونية دولية لا يمكن تجاهلها، مما يمنح المفاوض الفلسطيني أرضية أكثر صلابة في أي محادثات مستقبلية.
- أداة للضغط السياسي والاقتصادي على الاحتلال
الاعتراف بدولة فلسطين يمنح الفلسطينيين أدوات ضغط دبلوماسية جديدة. فوجود “دولة” مُعترف بها يفتح الباب أمام:
رفع دعاوى قضائية بشكل أكثر فعالية في المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من المحاكم الدولية، لمحاسبة الاحتلال على انتهاكاته.
تغيير قواعد الاشتباك في المنظمات الأممية، حيث تنتقل فلسطين من صف “الكيان المراقب” إلى صف “الدولة المعترف بها”، مما يمنحها حق التصويت والمشاركة الكاملة في قرارات دولية حاسمة.
فصل المساعدات الدولية عن هيمنة الاحتلال، وتمكين الحكومات الفلسطينية المستقبلية من بناء مؤسسات الدولة بشكل أكثر استقلالاً.
- إشادة بالموقف الأوروبي المتأخر
يجب الإشادة بموقف الحكومات الغربية، حتى لو جاء متأخراً وبعد أن دُفعت القضية إلى حافة الهاوية. إن تحول المواقف الأوروبية، مدفوعاً بضغط الرأي العام وتأثير الكوارث الإنسانية، يُظهر أن الضمير العالمي لم يمت تماماً. هذه الخطوة تكسر حاجز الخوف والتردد الذي هيمن لعقود، وتُعد شجاعة سياسية في وجه الضغوط الداخلية والخارجية.
الاعتراف الأوروبي هو إقرار بـ فشل السياسات السابقة التي اعتمدت على “إدارة الصراع” بدلاً من حله. وهو بمثابة دعوة صريحة للولايات المتحدة لتعديل مسارها وتبني موقف أكثر توازناً يتوافق مع القانون الدولي.
خاتمة: الاستثمار في الوحدة الفلسطينية
رغم الأهمية البالغة لهذه الخطوات الدولية، يبقى الثقل الأكبر على عاتق القيادة الفلسطينية. إن الاعتراف الدولي يضع الكرة في الملعب الفلسطيني، حيث يجب استثماره عبر توحيد الصف الداخلي وتشكيل حكومة موحدة تتمتع بشرعية كاملة وتمثل جميع الأطياف.
فالدولة لا يمكن أن تكتمل أو تمارس سيادتها بفعالية في ظل الانقسام. على الفلسطينيين استغلال هذا الزخم الدولي كفرصة أخيرة لترميم البيت الداخلي، وتحويل الاعترافات الدولية إلى قوة سياسية حقيقية تُرغم الاحتلال على إنهاء سيطرته وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



