تقدير موقف

«اللغة كأداة قوة ناعمة في إفريقيا: من بناء الهوية إلى صياغة النفوذ الدولي» 

إعداد – رامي زهدي – خبير الشؤون الإفريقية السياسية والاقتصادية – مساعد رئيس حزب الوعي

لم تعد اللغة مجرد وسيلة للتواصل بين البشر، بل تحولت إلى أداة استراتيجية شديدة الأهمية، تتجاوز حدود التعبير لتصبح أداة من أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي. وفي القارة الإفريقية، حيث يتعايش أكثر من ألفي لغة محلية إلى جانب اللغات الأجنبية الموروثة من الحقبة الاستعمارية، يطرح الواقع سؤالاً محورياً يتعلق بقدرة اللغة على أن تكون رافعة قوة ناعمة تعزز مكانة الدول داخل القارة وخارجها، وتسهم في بناء التكامل الإفريقي على أسس أكثر صلابة.

إفريقيا اليوم، تمتلك ما يقرب من ثلاثين في المائة من لغات العالم، وهو ما يجعلها الأغنى عالمياً من حيث التنوع اللغوي، غير أن هذا الثراء الحضاري يقترن بتحديات ليست بالهينة، إذ تجد بعض الدول مثل نيجيريا نفسها أمام أكثر من خمسمائة لغة محلية، فيما تضم إثيوبيا والكونغو الديمقراطية عشرات اللغات الرسمية أو شبه الرسمية، وهو ما يجعل اللغة عنصراً من عناصر الهوية السياسية، حيث تتبنى بعض الحركات الانفصالية أو القومية لغة معينة كوسيلة لإثبات التمايز عن الدولة الأم أو المطالبة بالاستقلال.

وإذا كان الإرث الاستعماري قد ترك في إفريقيا جروحاً عميقة، فإن أبرز تلك الجروح تمثلت في فرض لغات أوروبية كالفرنسية والإنجليزية والبرتغالية على حساب اللغات الإفريقية الأصلية. وقد لعبت هذه اللغات دوراً محورياً في رسم الخريطة السياسية للقارة بعد الاستقلال، وباتت حتى اليوم أحد أهم أدوات النفوذ الخارجي. فاللغة الفرنسية، على سبيل المثال، تظل ركناً أساسياً من أركان الحضور الفرنسي في غرب ووسط إفريقيا، إذ يقدر عدد المتحدثين بها في القارة بنحو 167 مليون نسمة، وهو ما يجعل إفريقيا الحاضنة الأكبر للفرنكوفونية، حيث يتوقع أن تكون أكثر من نصف أعداد المتحدثين بالفرنسية عالمياً بحلول عام 2050 من القارة الإفريقية. وعلى الضفة الأخرى، استطاعت اللغة الإنجليزية أن تتحول إلى لغة الربط الإفريقي في المؤسسات الإقليمية والقارية مثل الاتحاد الإفريقي والكوميسا والإيكواس، فضلاً عن انتشارها في مجالات التجارة والتعليم والبحث العلمي باعتبارها اللغة الأكثر قدرة على اختراق الحدود الوطنية المتعددة.

ولأن التكامل الإفريقي لا يمكن أن يتم فقط عبر الاقتصاد أو البنية التحتية، فقد أدرك الاتحاد الإفريقي منذ سنوات أن تعزيز القاعدة اللغوية المشتركة يمثل ضرورة سياسية وثقافية. ففي عام 2006 تم إطلاق مبادرة لدعم استخدام اللغات الإفريقية الكبرى مثل السواحيلية والهوسا والأمهرية، وهو ما انعكس مؤخراً في اعتماد السواحيلية كلغة رسمية في بعض مؤسسات الاتحاد. هذه اللغة التي يتحدث بها أكثر من مائة وخمسين مليون إفريقي باتت اليوم أحد أبرز رموز الهوية الثقافية المشتركة في شرق إفريقيا، كما تمثل خطوة أولى نحو بلورة مفهوم اللغة الجامعة للقارة.

وإذا كان حضور اللغات الإفريقية في المحافل الدولية لا يزال محدوداً، فإن ثمة مؤشرات على تغير تدريجي في هذا الاتجاه، إذ جاء إدراج اللغة السواحيلية في اليونسكو كلغة دولية رسمياً عام 2022 ليعكس اعترافاً بمكانتها وأهميتها الثقافية. ويُدرك المتابع أن الدول التي تنجح في نشر لغتها خارج حدودها تكسب مساحة تأثير إضافية في دوائر السياسة الدولية، ولعل التجربة الصينية في نشر اللغة عبر معاهد كونفوشيوس في القارة خير مثال على كيفية توظيف التعليم كأداة نفوذ ناعمة. ومن ثم فإن إفريقيا، إذا ما أرادت أن تعزز من قوتها الناعمة، تستطيع أن تصدر لغاتها الكبرى كجزء من هويتها الثقافية العالمية.

ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي للغة، حيث أن التجارة البينية الإفريقية التي لا تتجاوز حالياً 15% من حجم تجارة القارة تواجه عقبات لغوية كبيرة تزيد من تكلفة الصفقات التجارية. وتشير دراسات البنك الإفريقي للتنمية إلى أن التباين اللغوي يرفع كلفة التعاملات التجارية بنسبة تتراوح بين 6 و8% نتيجة الحاجة إلى الترجمة وضعف الفهم القانوني الموحد للعقود والاتفاقيات. وفي هذا السياق يصبح تبني سياسات لغوية مشتركة في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أحد أهم وسائل تخفيض التكاليف وتعزيز التكامل الاقتصادي.

وتظل اللغة أيضاً إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة للدول الكبرى في القارة، فمصر على سبيل المثال وظفت اللغة العربية كجسر تأثير في محيطها العربي والإفريقي، إلى جانب دور الأزهر الشريف في نشر اللغة العربية وتعليمها في دول إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يعزز بدوره مكانة مصر الدينية والثقافية والسياسية. أما جنوب إفريقيا فقد نجحت في توظيف الإنجليزية واللغات المحلية لتعزيز مكانتها كمركز تعليمي يستقطب طلاب القارة، فيما قدمت تنزانيا وكينيا نموذجاً رائداً في نشر السواحيلية، وهو ما ساعد على صياغة تماسك سياسي وثقافي في شرق إفريقيا.

وعند التفكير في المستقبل، تبدو الحاجة ملحة إلى رؤية استراتيجية تستند إلى عدة أبعاد متداخلة، تبدأ من توحيد اللغات الكبرى مثل السواحيلية والهوسا إلى جانب العربية والإنجليزية والفرنسية، وتمر بتوسيع التعليم متعدد اللغات الذي يعزز الهوية المحلية ويربطها بالهوية القارية، وصولاً إلى إطلاق منصات إعلامية إفريقية قادرة على مخاطبة الداخل والخارج بلغات متعددة. كما يصبح من الضروري إدماج البعد اللغوي في الاقتصاد عبر الاتفاقيات التجارية المشتركة لتقليل التكاليف وتعزيز سهولة المعاملات، بالتوازي مع العمل على تدويل اللغات الإفريقية الكبرى لتصبح جزءاً من المشهد الثقافي العالمي، بالتعاون مع مؤسسات مثل اليونسكو والاتحاد الإفريقي.

إن اللغة في إفريقيا ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي سلاح قوة ناعمة يمكن أن يشكل ركيزة استراتيجية لبناء الهوية وتعزيز التكامل وتوسيع النفوذ. والدول التي تدرك قيمة اللغة وتستثمر في نشرها وتعليمها ستكسب في معركة النفوذ داخل القارة وخارجها، خاصة أن المكانة الدولية المقبلة لإفريقيا لن تعتمد فقط على مواردها الطبيعية أو على أسواقها الواعدة، وإنما أيضاً على قدرتها على صياغة هوية لغوية وثقافية موحدة. ومع تنامي الدور الإفريقي في الاقتصاد والسياسة الدولية، فإن الاستثمار في القوة الناعمة اللغوية سيصبح مساوياً في أهميته للاستثمار في البنية التحتية والطاقة والاقتصاد، وربما يشكل مدخلاً رئيسياً لصياغة إفريقيا الجديدة حتى عام 2063، إفريقيا أكثر قدرة على توحيد هويتها وتصدير ثقافتها وفرض وجودها في المشهد الدولي.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى