تقدير موقف

هل يشهد الموقف الأوروبي من إسرائيل تحولًا جذريًا بسبب حرب غزة؟

القاهرة- منة الله أسامة

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، دخلت القارة الأوروبية في اختبار صعب أمام شعوبها والرأي العام العالمي. فالمجازر المتكررة، والانهيار الإنساني غير المسبوق في القطاع المحاصر، دفعت أوروبا – التي طالما اعتُبرت داعمًا تقليديًا لإسرائيل – إلى مراجعة مواقفها. وفيما وصفه محللون بـ”تسونامي أوروبا”، بدأت العواصم الأوروبية تُظهر تحولات سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة، وسط ضغوط شعبية داخلية واعتبارات أخلاقية وقانونية.

من الدعم التقليدي إلى الانتقاد العلني

على مدى عقود، التزمت أغلب الحكومات الأوروبية بخط ثابت داعم لإسرائيل، متذرعة بـ”حقها في الدفاع عن نفسها”. غير أنّ مشاهد الدمار الهائل، وتجويع المدنيين، واستهداف المستشفيات والمدارس في غزة، قلبت الموازين. فقد تصاعدت الأصوات الرسمية الأوروبية المنتقدة للانتهاكات الإسرائيلية، وبرزت دعوات لفرض عقوبات على تل أبيب، بل وذهبت بعض الدول إلى خطوات عملية مثل الاعتراف بدولة فلسطين، في تحول يعكس حجم الضغط الداخلي والخارجي.

مواقف أوروبية متمايزة

يمكن رصد مشهد أوروبي متنوع إزاء الحرب، يتوزع على عدة محاور:

دول ذات ثقل دولي بدأت بتوجيه انتقادات علنية لإسرائيل: مثل فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا.
دول ناقدة بشدة للسياسات الإسرائيلية: مثل إيرلندا وإسبانيا وبلجيكا ومالطا والنرويج.
مواقف عملية جديدة: شملت إعلان نية بريطانيا وفرنسا الاعتراف بدولة فلسطين، مراجعة اتفاقية الشراكة الأوروبية-الإسرائيلية، فرض قيود على صادرات الأسلحة، وفرض عقوبات على وزراء وقادة مستوطنين.

فرنسا وبريطانيا في الواجهة

فرنسا، التي طالما ارتبطت بعلاقات قوية مع إسرائيل، ذهبت بعيدًا في انتقاداتها، حيث أكدت أن العملية البرية في غزة “خطأ فادح”، وأعلنت رفضها استهداف المدنيين، وعبّرت عن دعمها لقيام دولة فلسطينية. بل وصلت إلى اتخاذ قرارات بمنع مشاركة شركات إسرائيلية في معارض دفاعية، وأوقفت منح التأشيرات لموظفي شركات أمن إسرائيلية.

أما بريطانيا، فقد وصفت الوضع الإنساني في غزة بأنه “لا يُطاق”، وفرضت عقوبات على كيانات استيطانية. بل إن البرلمان الإسباني صوّت للنظر في حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل، في خطوة رمزية لكنها ذات دلالة سياسية قوية.

تحولات داخل الاتحاد الأوروبي

داخل الاتحاد الأوروبي، برزت أصوات قوية مثل وزيرة خارجية الاتحاد كايا كالاس التي حذّرت من الخسائر الفادحة في الأرواح، وأكدت أن عقوبات المستوطنين أُعدّت بالفعل. فيما شدد مسؤولون آخرون على ضرورة إعادة الاعتبار للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، في إشارة إلى الانهيار الأخلاقي الذي تمثله الحرب.

كما بدأ الاتحاد الأوروبي مراجعة اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، خصوصًا المادة الثانية المتعلقة باحترام حقوق الإنسان. وهذه الخطوة – التي أيدتها 17 دولة – تعكس بداية تحوّل أعمق في مقاربة بروكسل لعلاقتها مع تل أبيب.

الاعتراف بفلسطين… خطوة رمزية أم بداية مسار جديد؟

شهد العام الماضي اعترافًا منسقًا من إسبانيا وإيرلندا والنرويج بدولة فلسطين، وتلوح فرنسا وبريطانيا بخطوات مماثلة قريبًا. ويرى محللون أن هذه الاعترافات تحمل بعدًا سياسيًا أكثر منه قانونيًا، إذ تُستخدم كرسائل ضغط على حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل.

الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، يرى أن الاعترافات الأوروبية “انتصار معنوي للشعب الفلسطيني”، لكنها في النهاية جزء من معركة دبلوماسية قد تفضي إلى إحراج الولايات المتحدة أكثر من تغيير المعادلة على الأرض.

وأضاف نحن نتحدث عن مرحلة من الصراع الدبلوماسي الذي قد يفضي إلي ضغط دولي وإحراج الولايات المتحدة الأمريكية، وأن من يتحكم في الضغط علي الاحتلال الإسرائيلي هي الولايات المتحدة الأمريكية ثم الاتحاد الاوروبي ، واليوم نعتمد علي رؤية الاتحاد الاوروبي علي أن يفضي هذا الأمر إلي وقف الحرب ضد الشعب الفلسطيني وحل الدولتين.

ومن جهته يقول رامي زهدي، نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات، إن هذه الاعترافات “لن تغير الواقع ما لم تتحول إلى أدوات ضغط حقيقية على الاحتلال”. ويضيف: “القضية الفلسطينية لا تحتاج فقط إلى اعترافات، بل إلى فك نظام الحماية الغربية لإسرائيل”.

في المقابل، يرى باحثون آخرون أن الاعتراف يُكرس الرواية الفلسطينية، ويعزز الكفاح القانوني الدولي، ويفتح الباب أمام موجات اعتراف جديدة، بما يضاعف عزلة إسرائيل.

الحسابات الأوروبية المعقدة

الدكتور هاني الجمل، الباحث في الشؤون الدولية، يفسر التحول الأوروبي في ضوء عدة عوامل:

رغبة أوروبا في الاستقلال الاستراتيجي عن القرار الأمريكي.
الخوف من صعود اليمين الشعبوي بسبب غضب الشارع من دعم إسرائيل.
الحاجة لإحياء مسار الرباعية الدولية كأداة لإعادة التموضع الأوروبي في الشرق الأوسط.
مصالح اقتصادية مرتبطة بالطاقة والتجارة مع العالم العربي بعد الحرب الروسية-الأوكرانية.

ما يجري في أوروبا ليس مجرد تبدل في التصريحات، بل بداية تحوّل في البنية السياسية والأخلاقية للقارة تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. صحيح أن الطريق ما زال طويلًا، وأن الاعترافات وحدها لا توقف القصف ولا تنقذ الجائعين في غزة، لكنها مؤشر على اهتزاز “الحصانة السياسية” التي تمتعت بها إسرائيل لعقود داخل الغرب.

لقد وضعت حرب غزة أوروبا أمام مرآتها: بين قيمها التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، وبين تحالفاتها القديمة. والسؤال الذي يبقى: هل يترجم هذا التحول إلى خطوات عملية تغير مسار الصراع، أم يظل مجرد “ديكور سياسي” لامتصاص غضب الشارع؟

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى