رأي

صبري الديب يكتب.. معارضة بطعم الفنكوش

يقيني أن المعارضة المصرية بمعناها المتعارف عليه قبل يناير 2011 قد ماتت وتحللت، ولم يعد منها حتى الرفات، وأن ما يدور في الشارع من حراك بزعامة “الحركة المدنية الديمقراطية” التي تعتبر نفسها التجمع الأكبر للمعارضة المصرية، لا يعد أكثر من ضجيج بلا طحين، لا يشعر به مواطن مصري واحد، بخلاف المهتمين من أعضاء الأحزاب المشاركة في الحركة.

ولأنني هنا لست بصدد التجني على المعارضة الوطنية بمعناها الوقور، والتي كانت وستظل ـــ رغم اختلاف الرؤى ـــ جزءًا من النظام، وعينه التي ترصد السلبيات من أجل الصالح العام، فسوف أكتفي بعرض الحالة المزرية التي وصل إليها حال المعارضة في مصر، بكل حياديه.

فمنذ عدة أسابيع شرعت “الحركة المدنية الديمقراطية” التي تأسست عام 2017 في طرح رؤية سياسية جديدة، ستقوم بموجبها بإعادة هيكلة تنظيماتها، بعد الخلافات التي ضربتها في مايو الماضي، وأدت إلى انسحاب أحزاب “المصري الديمقراطي الاجتماعي، والإصلاح والتنمية، والعدل، والمحافظين” على خلفية ما عُرف بأزمة “قصر قرطام” وتحديدًا حينما أصدرت الحركة بيانًا أعلنت فيه رفضها قيام الحكومة بهدم قصر مملوك لرئيس حزب المحافظين “أكمل قرطام”، مما أثار حفيظة عدد من أحزاب الحركة، واعتبار البيان خلطًا غير مبرر بين قضية خاصة والقضايا الجماهيرية العامة، واتخاذ قرار بالانسحاب من الحركة.

غير أنه في يونيو الماضي، شرعت الحركة في تشكيل لجنة لإعادة هيكلة تنظيماتها الداخلية، ودراسة المقترحات التي تستهدف تطوير أدائها السياسي والتنظيمي، بعد إلغاء مجلس الأمناء، الذي كان مكلفًا ـ تنظيميًا ـ باتخاذ القرارات النهائية للحركة، واستبداله بـ”لجنة تنفيذية” أغلبيتها من عناصر شبابية، للتعبير عن المكونات الحالية للحركة، ومعها كافة التيارات والأحزاب والشخصيات العامة المتوقع انضمامهم.

غير أن الغريب في الأمر، أن القائمين على “الحركة المدنية الديمقراطية” لم يدركوا بعد أن الأغلبية العظمى من المصريين قد كفروا بالأحزاب والوجوه الثابتة التي لم تفارق مقاعد المعارضة منذ أكثر من 40 عامًا، وقرروا منذ سنوات مقاطعة العمل الحزبي إيمانًا منهم بأنه مجرد “فنكوش” ومجرد وسيلة للوصول إلى منصب أو مقعد برلماني، وليس مناقشة وتبني القضايا الحياتية للمواطن الفقير.

ولعل أعجب ما في الأمر، أن الحركة المدنية الديمقراطية، التي أعلنت عن اختيار منسق عام جديد من جيل الشباب، لتولي مسؤولية التنسيق مع الأحزاب، قد قررت في بيانها الأسبوع الماضي، تجميد نشاط الأحزاب التي أعلنت الانسحاب من الحركة على خلفية بيان قصر قرطام، كما اعتبرت كافة الأحزاب التي شاركت في الاستحقاقات الانتخابية السابقة على قوائم السلطة “أحزاب موالاة” خارجة عن الحركة، وكأنها ترسخ قبل أن تبدأ لمواقف سلبية مع عدد من الأحزاب المعارضة.

وما يدعو للدهشة في أمر الحركة التي أعلنت، وفق منسقها العام الجديد، أنها تهدف إلى إعادة الزخم السياسي، وتقديم نفسها للجمهور باعتبارها كيانًا معارضًا، غير أنها لا تزال لا تدرك أن مجرد إعادة هيكلة ليس كافيًا لترسيخ الحضور السياسي القوي في الشارع المصري، لا سيما في ظل عدم وجود رؤية أو برنامج سياسي صريح، لكيان يضم مكونات حزبية وسياسية مختلفة الأيديولوجيات، ومتناقضة الرؤى في العديد من القضايا السياسية السابقة والآنية.

للأسف، أن الحركة التي تقدم نفسها في صورة الكيان المعارض الأكبر في مصر، لم تدرك بعد أن المواطن المصري المهموم بـ”لقمة العيش”، الذي أدار ظهره للمعارضة المصرية منذ سنوات، لم يسبق له أن سمع فعليًا باسم الحركة أو أي من أحزابها الموجودة أو المنسحبة، ليس جهل منه، ولكن لأنه لا وجود للحركة أو أي من أحزابها فعليًا في الشارع المصري، وأنه لا يعنيه هيكلة الحركة أو وجودها من الأساس، بقدر ما يعنيه وجود معارضة وطنية حقيقية تشتبك بشكل مباشر مع قضاياه الحياتية الملحة.. وكفى.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى