الرئيسيةنشرة الأخبار

اليمن في حرب أكتوبر 1973.. تضامن عربي عند باب المندب منذ الساعات الأولى للمعركة

لم يكن التضامن اليمني مع مصر في حرب أكتوبر 1973 مجرد موقف سياسي معلن، وإنما اتخذ منذ الساعات الأولى للمعركة صورة عملية ارتبطت بالموقع الاستراتيجي لليمن عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. ففي السادس من أكتوبر، ومع انطلاق العمليات العسكرية المصرية والسورية ضد إسرائيل، دخل باب المندب ضمن حسابات الحرب، وتحولت السواحل والجزر اليمنية إلى جزء من منظومة العمليات البحرية العربية التي استهدفت تقييد حركة الملاحة الإسرائيلية ومنع وصول الإمدادات إليها عبر البحر الأحمر. وتؤكد الهيئة العامة للاستعلامات المصرية أن اليمن أدى دورًا أساسيًا في إغلاق باب المندب أمام إسرائيل، بالتنسيق مع القوات البحرية المصرية.

كانت أهمية الموقف اليمني نابعة أولًا من الجغرافيا. فباب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومن خلاله تمر السفن القادمة من المحيط الهندي وخليج عدن باتجاه البحر الأحمر ثم قناة السويس، كما يمثل الطريق البحري المؤدي إلى ميناء إيلات الإسرائيلي. ولذلك كان التحكم في هذا الممر جزءًا من الحسابات العسكرية المصرية قبل الحرب، ولم يكن قرار التحرك في السادس من أكتوبر إجراءً ارتجاليًا، وإنما جاء في إطار استعدادات وتنسيق سبق اندلاع الحرب.

وتشير دراسة منشورة في «26 سبتمبر» اليمنية إلى أن لجانًا عسكرية مصرية أجرت خلال عامي 1971 و1973 أعمال استطلاع ودراسة ميدانية بالتنسيق مع الجانب اليمني، بهدف وضع تصور لإمكانية اعتراض خطوط المواصلات البحرية الإسرائيلية في جنوب البحر الأحمر، وبخاصة عند مدخل باب المندب. كما تشير إلى أن سلطات شطري اليمن وافقت على استخدام بعض الجزر اليمنية في إطار الترتيبات المصرية الخاصة بالعمليات البحرية.

 السادس من أكتوبر.. بداية الدور اليمني العملي

عندما بدأت الحرب في الساعة الثانية ظهرًا يوم السادس من أكتوبر، كانت القوات البحرية المصرية قد أعدت وحداتها لتنفيذ مهامها في البحر الأحمر. وتحركت ثلاث قطع بحرية مصرية باتجاه منطقة باب المندب، وتمركزت وحدات منها في مواقع تسمح بمراقبة حركة السفن العابرة للمضيق، فيما استفادت القوات المصرية من الموانئ والمواقع الصديقة في المنطقة.

وتوضح رواية منشورة في «الأهرام» أن المدمرات المصرية تمركزت في عدن، بينما انتشرت وحدات بحرية مصرية أخرى في مواقع مختلفة بالبحر الأحمر، وأن القيادة البحرية أصدرت مع بداية العمليات تعليماتها بالتحرك ضد خطوط المواصلات البحرية الإسرائيلية. كما أعلنت مصر مناطق عمليات بحرية في البحر الأحمر، بالتزامن مع إعلان مماثل من حكومة اليمن الجنوبي بشأن منطقة باب المندب.

وهنا برز الدور اليمني بصورة مباشرة؛ إذ لم تكن مصر تمتلك وحدها القدرة على إدارة كامل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ولذلك اكتسب التعاون مع اليمن أهمية عملياتية. فقد أسهمت القوات والزوارق اليمنية في تأمين المنطقة المحيطة بالمضيق والجزر القريبة منه، بينما تولت القطع البحرية المصرية مهمة اعتراض السفن ومراقبة حركة الملاحة.

وتشير المصادر المصرية الرسمية إلى أن المدمرات المصرية عملت من مواقع قريبة من باب المندب، وأن التعاون مع اليمن كان عنصرًا أساسيًا في تنفيذ الحصار البحري، حتى إن المصادر الرسمية المصرية تصف الدور اليمني بأنه كان ضروريًا لتمكين مصر من إغلاق المضيق أمام إسرائيل.

باب المندب.. جبهة بحرية عربية في حرب أكتوبر

لم يكن إغلاق باب المندب هدفه خوض معركة بحرية واسعة، وإنما حرمان إسرائيل من استخدام البحر الأحمر كخط مفتوح للملاحة والإمداد ولهذا اتبعت القوات المصرية أسلوب الاعتراض والمراقبة وإجبار السفن على تغيير مساراتها، مع الاستفادة من الموقع اليمني في تأمين الجزء الجنوبي من منطقة العمليات.

وتشير دراسة للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية إلى أن قوة بحرية مصرية من ثلاث مدمرات تولت المهمة في منطقة باب المندب، وتمركزت في عدن والصومال والسودان، وكانت مهمتها اعتراض السفن المتجهة إلى البحر الأحمر وإخطارها بوجود منطقة عمليات عسكرية.

كما تذكر رواية «الأهرام» أن المدمرات المصرية مارست حق الزيارة والتفتيش في منطقة العمليات الممتدة بين جزيرة بريم وجبل الطير، وأنها اعترضت خلال الفترة من 6 أكتوبر 1973 إلى فبراير 1974 نحو 200 سفينة تجارية، مع تفتيش سفينتين اشتبه في صلتهما بالعمليات البحرية.

وهنا تظهر قيمة التضامن اليمني مع مصر بصورة أكثر وضوحًا: فاليمن لم يكن مجرد دولة عربية أعلنت تأييدها للحرب، وإنما وضع موقعه الجغرافي ومياهه وجزره وموانئه في خدمة المجهود الحربي العربي.

 شطرا اليمن في مواجهة واحدة

كانت اليمن آنذاك منقسمة إلى دولتين: الجمهورية العربية اليمنية في الشمال، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب. ورغم اختلاف النظامين والظروف السياسية بينهما، فإن حرب أكتوبر وفرت مساحة للتنسيق في مواجهة إسرائيل، وكان الجنوب اليمني يتمتع بأهمية خاصة بسبب موقع عدن القريب من باب المندب. ولذلك أصبح ميناء عدن قاعدة مهمة للقوات البحرية المصرية التي شاركت في عملية الحصار البحري.

وتشير المصادر اليمنية إلى أن التنسيق بين مصر وشطري اليمن سبق الحرب، وأن جزيرة حنيش الكبرى وعددًا من المواقع والجزر القريبة من باب المندب دخلت ضمن الترتيبات الدفاعية الرامية إلى منع أي تحرك إسرائيلي في المنطقة. كما تذكر أن قوات من اليمن الجنوبي شاركت في تأمين المنطقة الجنوبية للبحر الأحمر، بينما أرسلت الجمهورية العربية اليمنية قوات إلى عدد من جزر البحر الأحمر في 14 أكتوبر، تحسبًا لأي محاولة إسرائيلية للالتفاف على الحصار.

وهذه النقطة مهمة في تقييم الموقف اليمني؛ لأن التضامن لم يكن محصورًا في إصدار بيانات التأييد، وإنما ارتبط بإجراءات عسكرية وأمنية هدفها حماية الجبهة البحرية العربية ومنع إسرائيل من استغلال البحر الأحمر.

 اليمن يفتح أرضه للقوات المصرية

كان السماح للقوات المصرية باستخدام عدن والمواقع والجزر القريبة من باب المندب أحد أبرز أشكال الدعم اليمني لمصر فالوجود البحري المصري في منطقة بعيدة عن قواعده الأصلية كان يحتاج إلى بيئة لوجستية آمنة تسمح بالتمركز والإمداد وإعادة التنظيم. وقد وفرت عدن هذه الوظيفة للقوات المصرية.

وتشير رواية «الأهرام» إلى أن المدمرات المصرية تمركزت في عدن قبل الحرب، وأن القوات البحرية المصرية استفادت من القواعد والمراسي الصديقة المحيطة بباب المندب لتجهيز مسرح العمليات واستقبال الوحدات البحرية في سرية.

وبذلك لم يكن الدعم اليمني لمصر دعمًا رمزيًا، بل كان دعمًا جغرافيًا ولوجستيًا وعسكريًا؛ إذ أتاح الموقع اليمني للقوات المصرية الاقتراب من منطقة العمليات، ومراقبة المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وتنفيذ مهمة الحصار البحري على إسرائيل.

لماذا كان باب المندب مهمًا لمصر؟

تكمن أهمية باب المندب في أنه أغلق على إسرائيل أحد المسارات البحرية التي كانت تستخدمها للوصول إلى البحر الأحمر وبالنسبة إلى مصر، لم يكن الهدف من العملية مجرد الضغط الاقتصادي على إسرائيل، بل حرمانها من إمكانية الاستفادة من البحر الأحمر في نقل الإمدادات أو استخدام الطريق البحري للوصول إلى ميناء إيلات.

وقد جعل ذلك الجبهة البحرية امتدادًا طبيعيًا للعمليات التي كانت تجري على الجبهة المصرية في سيناء والجبهة السورية في الجولان. وبهذا المعنى، ساعد الموقع اليمني على توسيع نطاق الحرب جغرافيًا: فالمعركة لم تعد محصورة في قناة السويس وسيناء والجولان، وإنما امتدت إلى البحر الأحمر، حيث أصبح باب المندب نقطة ضغط على إسرائيل.

 

 الموقف اليمني.. من التضامن السياسي إلى المشاركة الفعلية

ويمكن قراءة الموقف اليمني في حرب أكتوبر عبر ثلاثة مستويات متكاملة، المستوى الأول سياسي، ويتمثل في وقوف اليمن إلى جانب مصر وسوريا في الحرب ضد إسرائيل، المستوى الثاني لوجستي، تمثل في إتاحة الموانئ والمواقع اليمنية للقوات المصرية وتوفير البيئة اللازمة لتحركها في جنوب البحر الأحمر.

أما المستوى الثالث، وهو الأكثر أهمية عسكريًا، فتمثل في التعاون اليمني–المصري في تأمين باب المندب والجزر والمياه المحيطة به، بما ساعد على تنفيذ الحصار البحري الإسرائيلي ولهذا فإن اختزال الدور اليمني في حرب أكتوبر في عبارة «إغلاق باب المندب» لا يعكس الصورة الكاملة؛ فالإغلاق كان نتيجة منظومة أوسع من التنسيق العسكري واللوجستي والاستخباراتي والجغرافي بين مصر واليمن.

 التضامن اليمني في السادس من أكتوبر

تكشف أحداث السادس من أكتوبر 1973 أن التضامن العربي خلال الحرب لم يكن نمطًا واحدًا. فبعض الدول العربية شاركت بقوات برية أو جوية مباشرة على الجبهات، بينما اختارت دول أخرى توظيف إمكاناتها الجغرافية والاستراتيجية لخدمة المعركة.

وكان اليمن من أبرز النماذج على النوع الثاني  فموقعه عند باب المندب منح موقفه السياسي قيمة عسكرية، لأن الجغرافيا اليمنية نفسها أصبحت جزءًا من المعركة. ومن خلال التعاون مع القوات المصرية، تحولت المنطقة المحيطة بالمضيق إلى جبهة بحرية ساهمت في تقييد حركة السفن المتجهة إلى إسرائيل، واللافت أن هذا الدور بدأ مع انطلاق الحرب في السادس من أكتوبر، وليس بعد تطوراتها اللاحقة. فالتنسيق البحري كان جاهزًا، والقوات المصرية كانت قد اتخذت مواقعها، والموانئ اليمنية كانت جزءًا من ترتيبات الانتشار، لتبدأ عمليات الاعتراض والمراقبة مع وصول تعليمات القتال.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى