الكويت في حرب أكتوبر 1973.. جيشٌ على الجبهة ونفطٌ في المعركة

الكويت- مركز العرب
في السادس من أكتوبر عام 1973، وبينما الجبهتان المصرية والسورية مشتعلتان بلهيب الحرب، لم تكتفِ دولة الكويت بإعلان موقف سياسي مؤيد لمصر في حربها لاستعادة سيناء، وإنما وضعت جزءًا من قدراتها العسكرية والاقتصادية في خدمة المعركة؛ فقد شاركت القوات الكويتية على الجبهة المصرية، وأرسلت قوات أخرى إلى الجبهة السورية، كما دفعت الكويت بطائرات ووسائل نقل عسكرية، وانخرطت في الموقف العربي الخاص باستخدام النفط للضغط على الدول الداعمة لإسرائيل.
وتوثق الهيئة العامة للاستعلامات المصرية أن الكويت أرسلت لواء اليرموك للقتال إلى جانب القوات المصرية، وأن اللواء كان يمثل في ذلك الوقت نحو ثلث الجيش الكويتي، كما شارك سرب طائرات كويتي في الضربة الجوية في بداية الحرب. وتذكر المصادر المصرية أن القوات الكويتية خاضت معارك في منطقة فايد والدفرسوار، واستشهد نحو 40 عسكريًا كويتيًا في الجبهة المصرية.
ولذلك فإن قراءة الدور الكويتي في حرب أكتوبر يكشف عن نموذج مختلف للمشاركة العربية؛ فالكويت لم تدخل الحرب بقوة عسكرية ضخمة مقارنة بحجم القوات المصرية، لكنها قدمت نسبة مؤثرة من قواتها، إلى جانب الدعم الجوي واللوجستي، ثم دعمت المعركة اقتصاديًا من خلال موقفها النفطي.

المشاركة العسكرية بدأت قبل السادس من أكتوبر
لم تكن المشاركة الكويتية في حرب أكتوبر قرارًا اتُّخذ بعد اندلاع المعارك مباشرة، وإنما جاءت امتدادًا لمسار طويل من الدعم العسكري العربي لمصر؛ فقد كانت الكويت قد أرسلت قوات إلى مصر قبل حرب أكتوبر، ضمن القوة الكويتية المعروفة باسم “لواء اليرموك”، الذي شارك في الدفاع عن الأراضي المصرية منذ حرب يونيو 1967، واستمر وجوده في مصر خلال السنوات التالية، بما فيها فترة حرب الاستنزاف.
ومع حلول أكتوبر 1973، كانت القوات الكويتية الموجودة في مصر جزءًا من المنظومة العسكرية العربية التي ستدخل الحرب. وعندما بدأت العمليات العسكرية في السادس من أكتوبر، لم تكن المشاركة الكويتية مجرد إعلان سياسي، وإنما كان هناك تشكيل عسكري كويتي موجود بالفعل على الأراضي المصرية وجاهز لأداء مهامه، وتشير الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن لواء اليرموك تمركز في منطقة فايد، وهي المنطقة التي شهدت معارك عنيفة في مراحل لاحقة من الحرب، وشارك في معارك الدفرسوار وفايد.

لواء اليرموك.. القوة الكويتية على الجبهة المصرية
يمثل لواء اليرموك أبرز صور المشاركة العسكرية الكويتية في الجبهة المصرية، وكانت أهمية هذا اللواء لا ترتبط فقط بعدد أفراده، وإنما بنسبة القوة التي مثلها من الجيش الكويتي في ذلك الوقت؛ فالمصادر الرسمية المصرية تذكر أن لواء اليرموك كان يمثل نحو ثلث الجيش الكويتي، وهو ما يعكس حجم القرار السياسي والعسكري الذي اتخذته القيادة الكويتية بإبقاء قوة بهذا الحجم في مسرح العمليات المصري.
وبدخول الحرب مرحلة المواجهة المباشرة، شاركت القوات الكويتية في القتال ضمن الجبهة المصرية، وظلت في منطقة فايد خلال المعارك التي شهدها القطاع، قبل أن تواجه القوات الإسرائيلية في معارك لاحقة.
وفي هذا السياق، لم تكن الكويت ترسل قواتها إلى مصر باعتبارها قوة رمزية، وإنما باعتبارها قوة عسكرية تشارك في الدفاع عن الأراضي المصرية إلى جانب الجيش المصري، وتشير الرواية الرسمية المصرية إلى أن القوات الكويتية خاضت معارك الدفرسوار ومعركة فايد، وسقط لها نحو 40 شهيدًا خلال العمليات على الجبهة المصرية. كما خصصت القوات المسلحة المصرية مقابر لشهداء الكويت ضمن مقابر الجيش الثالث الميداني، في تكريم رسمي يعكس طبيعة المشاركة الكويتية وتضحياتها.
الطيران الكويتي يدخل المعركة
لم تقتصر المشاركة الكويتية على القوات البرية، فبحسب الهيئة العامة للاستعلامات، شارك سرب من الطائرات الكويتية في الضربة الجوية مع بداية حرب 1973. كما تشير المصادر المصرية إلى أن الكويت أرسلت خمس طائرات من طراز “هوكر هنتر” إلى مصر، إلى جانب طائرتي نقل من طراز C-130 محملتين بالذخيرة وقطع الغيار، وصلتا إلى قاعدة قويسنا الجوية في 23 أكتوبر، وتكشف هذه الخطوة عن أحد أبعاد المشاركة الكويتية الأقل تناولًا مقارنة بالمشاركة البرية؛ فالدعم لم يكن مقتصرًا على إرسال جنود، وإنما شمل أيضًا تقديم وسائل جوية ومستلزمات لوجستية يمكن استخدامها في دعم العمليات.
وكان إرسال الطائرات في ذلك التوقيت يحمل دلالة عسكرية واضحة، لأن الحرب فرضت احتياجات متزايدة على القوات الجوية المصرية، سواء من حيث الطائرات أو قطع الغيار أو وسائل النقل والإمداد.
الكويت على الجبهة السورية
في الوقت الذي كانت فيه القوات الكويتية تشارك إلى جانب الجيش المصري، اتجه جزء آخر من القوات الكويتية إلى الجبهة السورية؛ ففي 15 أكتوبر 1973، وبعد اتساع نطاق العمليات على الجبهة السورية، شكلت الكويت قوة أطلق عليها اسم قوة الجهراء، وبلغ قوامها أكثر من 3000 فرد وفق ما تذكره الهيئة العامة للاستعلامات. وضمت القوة تشكيلات من الدبابات والمشاة والمدفعية والمغاوير والدفاع الجوي، إضافة إلى العناصر الإدارية.
وكانت مهمة القوة في البداية مرتبطة بحماية دمشق، ثم ألحقت بالفرقة الثالثة في القطاع الشمالي من هضبة الجولان، وظلت في الأراضي السورية حتى سبتمبر 1974، وبذلك أصبحت المشاركة الكويتية موزعة على جبهتين رئيسيتين: جبهة مصرية في سيناء، وجبهة سورية في الجولان، وهذه النقطة تكشف أن القرار الكويتي لم يكن مرتبطًا بجبهة واحدة، بل جاء في إطار تصور عربي أوسع للحرب، يقوم على توزيع الإمكانات المتاحة على أكثر من مسرح للعمليات.

من المال والسلاح إلى النفط
إذا كانت القوات الكويتية قد شاركت بالسلاح والجنود، فإن النفط مثل الوجه الآخر للمشاركة الكويتية في حرب أكتوبر، فمع اندلاع الحرب، لم تعد المواجهة مقتصرة على الميدان العسكري؛ فقد تحولت الطاقة إلى إحدى أدوات الضغط السياسي والاقتصادي في الصراع العربي – الإسرائيلي، وشاركت الدول العربية المنتجة للنفط في إجراءات هدفت إلى الضغط على الدول التي دعمت إسرائيل.
وتوضح منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) أن الحرب العربية – الإسرائيلية التي بدأت في السادس من أكتوبر 1973، تزامنت مع حظر نفطي فرضه منتجو النفط في المنطقة تضامنًا مع الموقف العربي، كانت الكويت من الدول العربية التي شاركت في هذه السياسة النفطية.
وفي 16 أكتوبر 1973، أعلنت الدول العربية المنتجة للنفط زيادات في أسعار النفط وخفضًا في الإنتاج، في سياق الإجراءات التي ارتبطت بالحرب، بينما تطورت الإجراءات لاحقًا إلى قيود على صادرات النفط إلى الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى الداعمة لإسرائيل.
وهنا اتخذت المشاركة الكويتية شكلًا مختلفًا عن المشاركة العسكرية؛ فالقوة العسكرية الكويتية كانت موجودة في ساحات القتال، بينما استخدمت الدولة قدرتها النفطية ضمن الموقف العربي الجماعي للضغط على الدول التي قدمت دعمًا لإسرائيل.
النفط كأداة سياسية في حرب أكتوبر
أهمية الموقف النفطي لا ترتبط فقط بحجم صادرات الكويت، وإنما بكون النفط تحول لأول مرة بصورة واضحة إلى أداة ضغط مرتبطة مباشرة بالصراع العربي – الإسرائيلي؛ فالحرب كشفت أن المعركة لا تُحسم بالسلاح وحده. كانت هناك حاجة إلى الضغط على الأطراف الدولية التي دعمت إسرائيل، وإلى توظيف الموارد الاقتصادية العربية في خدمة الأهداف السياسية للحرب.
وتشير منظمة “أوبك” في توثيقها لتاريخ المنظمة إلى أن الحرب التي اندلعت في 6 أكتوبر 1973، والحظر النفطي الذي فرضه المنتجون في المنطقة كانا من التطورات الرئيسية التي أعادت تشكيل سوق النفط العالمية في تلك الفترة وفي هذا الإطار، جاء الموقف الكويتي جزءًا من التحرك العربي الذي جمع بين القوة العسكرية والموارد الاقتصادية.
الكويت ومصر.. مشاركة امتدت من الجبهة إلى ما بعد الحرب
لم تنتهِ المشاركة الكويتية بانتهاء العمليات العسكرية الرئيسية؛ فالقوات الكويتية بقيت في مواقعها لفترة بعد توقف القتال، واستمر وجود قوة الجهراء في سوريا حتى 25 سبتمبر 1974، وفق الهيئة العامة للاستعلامات المصرية. أما القوات الموجودة في مصر، فقد ارتبط وجودها بالمهام العسكرية التي أدتها خلال الحرب وما سبقها من سنوات المواجهة، كما بقيت ذكرى الشهداء الكويتيين جزءًا من الذاكرة العسكرية المصرية؛ ففي أكتوبر 2024، نظمت القوات المسلحة المصرية زيارة لوفد من السفارة الكويتية بالقاهرة إلى مقابر شهداء دولة الكويت في الجيش الثالث الميداني، حيث وُضعت أكاليل الزهور وقُرئت الفاتحة على أرواحهم.
ما الذي ميز المشاركة الكويتية؟
يمكن فهم المشاركة الكويتية في حرب أكتوبر من خلال 3 مسارات متزامنة؛ الأول عسكري، وتمثل في وجود “لواء اليرموك” على الجبهة المصرية، ومشاركة القوات الكويتية في العمليات، وسقوط شهداء كويتيين على أرض سيناء، والثاني جوي ولوجستي، وتمثل في مشاركة الطيران الكويتي وإرسال طائرات “هوكر هنتر” وطائرات نقل محملة بالذخائر وقطع الغيار، والثالث اقتصادي، وتمثل في مشاركة الكويت في الموقف العربي النفطي، بما في ذلك خفض الإنتاج والقيود على تصدير النفط للدول الداعمة لإسرائيل.
وبذلك لم يكن الدعم الكويتي لمصر في حرب أكتوبر محصورًا في أداة واحدة؛ فقد جمع بين الجندي والسلاح والطائرة والنفط.
السادس من أكتوبر في الذاكرة المصرية – الكويتية
تظل مشاركة الكويت في حرب أكتوبر واحدة من المحطات البارزة في تاريخ العلاقات المصرية – الكويتية، لأنها جاءت في لحظة عسكرية وسياسية استثنائية، ووضعت موارد الدولة الكويتية في أكثر من مسار لخدمة المعركة.
وعلى الجبهة المصرية، قاتل “لواء اليرموك” إلى جانب القوات المسلحة المصرية، وسقط من أفراده شهداء في معارك سيناء. وعلى الجبهة السورية، شاركت قوة الجهراء في العمليات، بينما دخلت الطائرات الكويتية ووسائل النقل العسكري ضمن منظومة الدعم المصري. وفي المجال الاقتصادي، شاركت الكويت في الإجراءات النفطية العربية التي استهدفت الضغط على الدول الداعمة لإسرائيل.
وفي هذه الحرب التقى الجندي الكويتي والمقاتل المصري على أرض سيناء، كما التقت الإمكانات النفطية الكويتية مع الجهد السياسي والعسكري العربي في مواجهة واحدة.



