تقدير موقف

بريطانيا وحلفاؤها من مجموعة السبع والأمين العام للأمم المتحدة يعلنون معارضتهم الشديدة للعقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية

دكتور/ أحمد البدوي سالم
أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر
زميل كلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية.

أكدت دول مجموعة السبع (G7)، إلى جانب الدنمارك وهولندا، مجددا دعمهم “المستمر والثابت” للمحكمة الجنائية الدولية عقب فرض الولايات المتحدة عقوبات عليها، وفي بيان مشترك، أعربت كل من المملكة المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان بالإضافة إلى الدنمارك وهولندا عن “أسفهم ومعارضتهم الشديدة” لهذه العقوبات.
وأقر التحالف بأنه على الرغم من اتخاذ المحكمة إجراءات لضمان استمرار عملها، إلا أن هذه التدابير سيكون لها “تأثير كبير على عمل المحكمة”، كما أشادوا بتفاني موظفي المحكمة، مشيرين إلى أنهم “يعملون يوميا لتقديم المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم الدولية إلى العدالة ودعم الضحايا”.
يأتي هذا البيان بعد أن أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن عقوبات واسعة النطاق ضد المحكمة الجنائية الدولية، واصفاً إياها بأنها “محكمة مارقة”. وتزامن الإعلان الأمريكي عن العقوبات مع منح جائزة نوبل للسلام لإحدى القاضيات السابقات في المحكمة، نافي بيلاي، كما يبدو أن الخطوة تمثل توبيخاً للسيد روبيو، الذي كان قد طالب حلفاء أمريكا بـ “كبح جماح” المحكمة، مهدداً بأن الولايات المتحدة “ستواصل حملتها” لـ “إنهاء المحكمة الجنائية الدولية” في حال عدم القيام بذلك.
وقد وجهت الإدارة الأمريكية انتقادات لاذعة للمحكمة الجنائية الدولية بسبب تحقيقها في تصرفات القوات الأمريكية في أفغانستان، كما رفضت إصدار المحكمة مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وطالب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حلفاء أمريكا بـ “كبح جماح” المحكمة.
طالب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حلفاء أمريكا بـ “كبح جماح” المحكمة (PA)وأنه لم توقع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية – التي أُنشئت عام 2002 لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية – وترفضان خضوع مواطنيهما لاختصاصها القضائي.
وقال السيد روبيو إن العقوبات ستؤدي إلى “حظر المعاملات” مع المحكمة الجنائية الدولية، مما سيؤدي إلى “قطع مواردها وشل قدرتها على العمل”.
المحكمة الجنائية: العقوبات لن تثنينا عن أداء ولايتنا
وردًا على ذلك صرحت السيدة توموكو أكاني رئيسة المحكمة الجنائية الدولية في بيان مصور إن المحكمة “ترفض بشدة” هذه العقوبات، مؤكدة أن “عمل المحكمة لا تحركه دوافع سياسية. فنحن مؤسسة قضائية مستقلة ومحايدة، ولا نسترشد في أعمالنا إلا بالقانون والأدلة”.
وقالت إن السعي لعرقلة محكمة قانونية عن أداء ولايتها القضائية أمر غير مقبول”. ووصفت العقوبات الأمريكية بأنها “هجوم على الدول ذات السيادة التي أنشأت المحكمة، وهجوم على النظام القانوني الدولي بمفهومه الأوسع، كما أنه هجوم على ضحايا الفظائع الجماعية الذين انتظروا سنوات – وأحيانا عقودا – لمحاسبة المسؤولين عنها.
وأوضحت أن أثر أي إجراء يُتخذ ضد المحكمة يقع، في نهاية المطاف، على عاتق الضحايا، وتابعت: “دعوني أكون واضحة: لن تخضع المحكمة الجنائية الدولية لتهديدات خارجية لا تخدم إلا مصالح مرتكبي أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي. واليوم، أجدد التأكيد على التزام المحكمة الراسخ بأداء ولايتها كاملةً، باستقلالية وحياد، من أجل الضحايا”.
وقالت توموكو أكاني إن هذا الإجراء يهدف إلى “تعطيل عمليات المحكمة وترهيب العاملين فيها أو المتعاونين معها، وأضافت: “لن تتراجع المحكمة أو تتوقف عن عملها؛ ومع ذلك، لا يمكن للمحكمة أن تقف وحدها، إذ يعتمد مصيرها الآن أيضا على الدول التي أنشأتها. إن نظام روما الأساسي يمثل تعهدا جماعيا بألا تمر أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره دون عقاب”.
كما أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش إعلان فرض الولايات المتحدة عقوبات ضد المحكمة الجنائية الدولية كمؤسسة، وجدد تأكيد دعمه الراسخ لاستقلالية المحكمة ومسؤوليها، وأبدى الأمين العام قلقا عميقا إزاء الأثر المتوقع للعقوبات التي أُعلن عنها اليوم على المحكمة الجنائية الدولية ككل، ولا سيما على قدرتها المستمرة على أداء مهامها، بما في ذلك ما يتعلق بالحالات التي أحالها إليها مجلس الأمن والدول الأطراف في نظام روما الأساسي.
وقال الأمين العام إن قرار اليوم يشكل “ضربة خطيرة لسعينا الجماعي نحو تحقيق العدالة الجنائية الدولية، التي تُعد المحكمة الجنائية الدولية ركيزة أساسية لها”. وأكد أن “مساءلة مرتكبي الجرائم الدولية وتحقيق العدالة للضحايا يمثلان جوهر التزامنا العالمي بالسلام والأمن وحقوق الإنسان والحريات الأساسية”.
ودعا جميع الدول إلى الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي ودعم الجهود الرامية إلى ضمان المساءلة عن أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي، وأكد أن الأمم المتحدة تظل ملتزمة بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وفقا لاتفاقية العلاقة بين الأمم المتحدة والمحكمة، التي وافقت عليها الجمعية العامة في 13 سبتمبر 2004.
كما وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك فرض حكومة الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات مؤسسية على المحكمة الجنائية الدولية بأنه “غير مقبول”، ودعا إلى اتخاذ تدابير فورية لحماية المحكمة، وكذلك المجموعات والأفراد الذين يتعاونون معها.
وقال تورك في بيان أصدره، اليوم الجمعة، إن “هذه العقوبات هي الأحدث في سلسلة من الخطوات الانتقامية ضد المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها بسبب عملهم اليومي لتعزيز المساءلة عن أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان. هذه العقوبات غير مقبولة”، وشدد على ضرورة “ألا يُسمح لهذه العقوبات بأن يكون لها تأثير مروِّع على العاملين في المحكمة أو معها سعيا لتحقيق العدالة”، وحث على وجه الخصوص، الدول الـ 125 الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية – والتي قال إنها تمثل ثلثي المجتمع الدولي – على اتخاذ خطوات عاجلة للدفاع عن عمل المحكمة الحيوي وضمان قدرتها على أداء مهامها.
وأكد أن مسؤولية خاصة تقع على عاتق هذه الدول لحماية المؤسسة التي أنشأتها. كما دعا الدول التي لم تنضم بعد إلى المحكمة إلى احترام استقلاليتها وعملها، كما ذكر بيان المفوض السامي أن الإعلان الأمريكي الأخير يأتي عقب سلسلة من العقوبات فُرضت منذ شباط/فبراير 2025 ضد نصف قضاة المحكمة البالغ عددهم 18 قاضيا، والمدعي العام السابق للمحكمة، ونائبي المدعي العام، وموظف رفيع المستوى في المحكمة.
وكان تورك قد أكد سابقا أن “فرض عقوبات على القضاة والمدعين العامين – سواء على المستويات الوطنية أو الإقليمية أو الدولية – بسبب أدائهم لمهامهم وفقا لمعايير القانون الدولي، يُعد اعتداء على سيادة القانون ويقوّض العدالة”، كما أعرب المفوض السامي عن استنكاره للأحكام السابقة التي صدرت غيابيا في الاتحاد الروسي ضد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية آنذاك وثمانية قضاة، حيث فُرضت عليهم عقوبات بالسجن تصل إلى 15 عاما، ودعا تورك إلى إلغاء كافة العقوبات المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها.
وختم بيانه بالقول: “من الواضح تماما – في ظل كافة النزاعات والأزمات التي تعصف بعالمنا – أن الإفلات من العقاب يغذي العنف والمعاناة. لذا، نحن بحاجة إلى الاستثمار أكثر في ضمان العدالة والمساءلة، بدلا من معاقبة أولئك الذين يوثقون الانتهاكات الجسيمة ويحققون فيها ويلاحقون مرتكبيها”.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى