الموقف الليبي في حرب أكتوبر 1973.. من العمق الاستراتيجي إلى الإسناد العسكري والسياسي

طرابلس- بنغازي- مروة عطية
شكّل الدعم الليبي لمصر وسوريا خلال حرب أكتوبر 1973 أحد أبرز صور التضامن العربي الذي اتخذ أبعادًا عملية على امتداد ساحات المواجهة. فقد سخّرت طرابلس جانبًا من إمكاناتها المالية والعسكرية والنفطية واللوجستية لدعم دول المواجهة، بالتوازي مع تحرك سياسي ودبلوماسي مساند للموقف العربي، لتصبح ليبيا طرفًا فاعلًا في الجهد العربي الذي أحاط بالمعركة.
وتكتسب الحالة الليبية أهمية خاصة لأن التعاون المصري الليبي لم يبدأ مع اندلاع الحرب في 6 أكتوبر، وإنما شهد منذ بداية سبعينيات القرن العشرين درجة مرتفعة من التنسيق العسكري، إذ يشير الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته إلى أن ليبيا منذ السبعينيات عملت على بناء قوات مسلحة حديثة، مستفيدة بصورة كبيرة من الخبرة المصرية؛ فأرسلت آلاف الطلبة إلى مراكز التدريب والمدارس العسكرية في مصر، كما استعانت بضباط وضباط صف مصريين لتدريب العسكريين الليبيين داخل ليبيا. كما ارتبطت صفقة طائرات «ميراج 5» الليبية بتدريب طيارين مصريين عليها، وهو ما جعل التعاون العسكري بين البلدين يتجاوز الإطار التقليدي للمساعدات إلى بناء قدرات يمكن توظيفها في أي مواجهة عربية مقبلة.

ليبيا كعمق استراتيجي لمصر
كانت الجغرافيا أحد أهم عناصر القيمة الاستراتيجية للعلاقة المصرية الليبية، فامتداد الحدود الغربية لمصر مع ليبيا، واتساع الأراضي الليبية، وامتلاك طرابلس موارد مالية ونفطية متزايدة، جعلت ليبيا بالنسبة إلى القاهرة أكثر من دولة عربية مساندة؛ فقد مثلت، من الناحية النظرية، عمقًا استراتيجيًا يمكن أن تستفيد منه مصر اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا.
وفي هذا السياق، تطورت العلاقات بين البلدين بصورة ملحوظة خلال الفترة السابقة لحرب أكتوبر، ويذكر الشاذلي أن التعاون المصري الليبي بلغ خلال عامي 1971 و1972 مستوى بدا معه البلدان وكأنهما في حالة «وحدة قائمة غير معلنة»، وإن ظلت فكرة الوحدة السياسية محل خلاف بين قيادتي البلدين وهذه النقطة مهمة لفهم الدعم الليبي في حرب أكتوبر؛ إذ إن المساندة لم تنشأ في فراغ، بل جاءت فوق بنية سابقة من التعاون العسكري والتدريب وتبادل الخبرات.
وقد ساعدت الموارد المالية الليبية على تمويل جانب من احتياجات التسليح المصري، خصوصًا في ظل الأعباء الاقتصادية التي تحملتها مصر في مرحلة الإعداد للحرب. وتشير المصادر المصرية الرسمية إلى أن ليبيا قدمت خلال الحرب مساعدات مالية كبيرة، بينها 40 مليون دولار، فضلًا عن أربعة ملايين طن من البترول، كما ساهمت في تمويل شراء أسلحة.
لكن أهمية الدعم المالي لا تكمن في قيمته الرقمية وحدها، بل في توقيته. فقد كانت مصر تخوض مرحلة إعادة بناء واسعة للقوات المسلحة بعد حرب يونيو 1967، وكان تأمين السلاح والوقود وقطع الغيار والمعدات يمثل عنصرًا أساسيًا في القدرة على تنفيذ أي عملية عسكرية واسعة.

الإسناد العسكري.. من التسليح إلى المشاركة الميدانية
يظهر البعد العسكري للدعم الليبي في أكثر من مستوى. فقد ارتبطت ليبيا بتوفير معدات وأسلحة وذخائر للقوات المصرية، كما شاركت قوات ليبية في مسرح العمليات. ويذكر سعد الدين الشاذلي أن القوات الليبية الموجودة في مصر عند اندلاع الحرب تضمنت سربين من طائرات «ميراج»، أحدهما يقوده طيارون ليبيون والآخر طيارون مصريون، إضافة إلى لواء مدرع. ويضع الشاذلي ليبيا في المرتبة الثالثة بين الدول العربية غير المواجهة لإسرائيل من حيث حجم الدعم العسكري، بعد العراق والجزائر. وهذه الرواية تتقاطع في جوهرها مع المصادر المصرية التي تؤكد وجود دعم جوي ليبي وتمويل ليبي لطائرات «ميراج 5» المصرية.
وتشير بيانات رسمية مصرية إلى أن السرب الليبي من «ميراج 5» تمركز في جناكليس خلال الحرب، بينما كان السرب المصري قد استفاد من التمويل الليبي، وهو ما يوضح أن المساعدة لم تقتصر على إرسال معدات جاهزة إلى الجبهة، وإنما شملت تمويل وبناء قدرات جوية استخدمتها مصر في الحرب.
وهنا يجب التمييز بين «امتلاك السلاح» و«القدرة على استخدامه» فإرسال طائرات حديثة نسبيًا في ذلك الوقت لم يكن كافيًا وحده؛ إذ احتاج تشغيلها إلى طيارين مدربين وقطع غيار وذخائر وبنية فنية. ولذلك كان التدريب المصري على طائرات «ميراج» في فرنسا، ثم استخدامها ضمن القوات المصرية، جزءًا من منظومة التعاون التي سبقت الحرب، وقد أشار أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري الأسبق، في حديث عن الإعداد العربي للحرب إلى انتقال عدد من طائرات «ميراج 5» التي كانت ليبيا قد اشترتها من فرنسا إلى مصر قبل الحرب، وإلى تدريب الطيارين المصريين عليها.
أما الدعم البري فقدمت ليبيا دبابات وناقلات جنود ومدرعات استطلاع ومدافع ميدان وعربات قيادة وإنقاذ وتجهيزات أخرى، إلى جانب مستشفى ميداني. وتذكر مصادر صحفية مصرية أرقامًا متقاربة في هذا السياق، بينها 300 دبابة و47 ناقلة جنود مدرعة، إضافة إلى معدات مدفعية ودفاع جوي وذخائر.
وتشير المعلومات إلى أن طبيعة المساعدة كانت تتعامل مع الحرب باعتبارها منظومة متكاملة، وليس مجرد توفير سلاح هجومي؛ فالدبابة تحتاج إلى ناقلة ووقود وصيانة وذخيرة، والطائرة تحتاج إلى قطع غيار وتجهيزات فنية، والوحدات المقاتلة تحتاج إلى اتصالات وإخلاء طبي ونقل وتموين.

النفط والتمويل.. الدعم الاقتصادي في زمن الحرب
كان النفط أحد أهم أدوات الدعم الليبي لمصر حيث تشير المصادر المصرية الرسمية إلى تبرع ليبيا بأربعة ملايين طن من البترول خلال الحرب، إضافة إلى مساعدات مالية بلغت 40 مليون دولار، بينما تورد بعض المصادر تقديرات أخرى لحجم المساعدات الليبية، بما في ذلك أرقام مرتبطة بتمويل شراء الأسلحة.
والأهم هنا هو النظر إلى النفط باعتباره موردًا استراتيجيًا وليس مجرد سلعة تجارية. فالحرب الحديثة تحتاج إلى الوقود بصورة مستمرة لتشغيل الطائرات والدبابات ووسائل النقل والمولدات والسفن، ولذلك كان توفير النفط جزءًا مباشرًا من القدرة على الاستمرار في الحرب.
كما ساهمت ليبيا اقتصاديًا في دعم مصر قبل الحرب من خلال فتح سوق العمل الليبي أمام العمالة المصرية، وهو ما وفر مصدرًا للعملة الأجنبية للاقتصاد المصري، وساعد على توسيع نطاق العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
الدعم السياسي والدبلوماسي
لم تتوقف المساندة الليبية عند حدود السلاح والمال والنفط. فقد تحركت طرابلس سياسيًا على أكثر من مستوى، خصوصًا في القارة الأفريقية وأوروبا، فعلى المستوى الأفريقي، ارتكز التحرك الليبي على محاولة تقليص النفوذ الإسرائيلي في القارة، ودفع عدد من الدول الأفريقية إلى إعادة النظر في علاقاتها مع إسرائيل. وتورد المعلومات أمثلة على دول أفريقية قطعت علاقاتها بإسرائيل، كما تشير إلى الاتصالات الليبية بالدول الأفريقية قبل حرب أكتوبر.
وتكمن أهمية هذا التحرك في أن إسرائيل كانت قد بنت خلال الستينيات وأوائل السبعينيات شبكة من العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع عدد من الدول الأفريقية. وبالتالي فإن تحويل الموقف الأفريقي إلى موقف أكثر دعمًا للقضية العربية كان جزءًا من معركة دبلوماسية موازية للمواجهة العسكرية.
أما أوروبيًا، فقد تحركت ليبيا خلال الحرب نفسها ففي 16 أكتوبر 1973، أرسل القذافي برقيات إلى قيادات فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا الغربية، داعيًا إلى مراعاة المصالح والعلاقات مع الدول العربية، ثم استُدعي سفراء عدد من الدول الأوروبية إلى وزارة الخارجية الليبية في 19 أكتوبر لمناقشة الموقف من الحرب والقضية العربية، وفق المعلومات التي قدمها الباحث.
ويكشف هذا المسار أن طرابلس تعاملت مع الحرب باعتبارها صراعًا لا يُحسم في الميدان وحده، وإنما يحتاج كذلك إلى تحرك سياسي لتقليص الدعم الدولي لإسرائيل وتعزيز الموقف العربي.
إلى جانب قرارات الدولة، تشير المعلومات إلى مظاهر شعبية ليبية صاحبت الحرب، خصوصًا في بنغازي وغيرها من المدن. وتبرز أهمية هذا الجانب في أنه يعكس اتساع مفهوم الحرب داخل الوعي الشعبي الليبي آنذاك، بحيث لم تكن قضية بعيدة عن المجتمع الليبي، وإنما اعتُبرت جزءًا من قضية عربية أوسع.
وهنا تظهر علاقة بين القرار الرسمي والمجتمع: الدولة توفر المال والسلاح والنفط، بينما يتحول جزء من المجتمع إلى طرف في عمليات الإمداد والتبرع والنقل والمساندة المعنوية.

قراءة تحليلية للدور الليبي
يمكن، في ضوء هذه المعطيات، فهم الدعم الليبي لمصر خلال حرب أكتوبر من خلال أربعة مستويات مترابطة المستوى الأول هو «التمكين العسكري»، عبر توفير أسلحة وطائرات وذخائر ومعدات ودعم للتدريب. والمستوى الثاني هو «الاستدامة اللوجستية»، من خلال النفط والتموين والنقل والمعدات الطبية وقطع الغيار أما المستوى الثالث فهو «الإسناد الاقتصادي»، سواء عبر المساعدات المباشرة أو العلاقات الاقتصادية وفتح سوق العمل الليبي أمام المصريين.
والمستوى الرابع هو «الإسناد السياسي»، من خلال التحرك الأفريقي والأوروبي ومحاولة حشد موقف دولي أكثر دعمًا للموقف العربي.
وفي الوقت نفسه، تفرض القراءة التاريخية الدقيقة ضرورة عدم المبالغة في نسبة نتيجة الحرب إلى دولة عربية واحدة. فحرب أكتوبر كانت نتاجًا للمجهود العسكري المصري والسوري أساسًا، إلى جانب مساهمات عربية متعددة بدرجات وأشكال مختلفة. وقد أكدت المصادر المصرية الرسمية أن الدعم العربي شمل أدوارًا متعددة في القوات والمعدات والتمويل والتدريب والإسناد السياسي.
كما أن بعض الأرقام المتداولة حول حجم المساعدات الليبية تختلف باختلاف المصدر وطريقة احتساب المساعدات المباشرة وتمويل التسليح والإمدادات النفطية. لذلك ينبغي عند إعداد دراسة أكاديمية نهائية العودة إلى الوثائق الأصلية والمذكرات العسكرية والوثائق المالية والدبلوماسية، وعدم التعامل مع جميع الأرقام المتداولة باعتبارها متطابقة أو نهائية.



