الهجرة غير الشرعية.. أزمة معقدة تؤرق بلدان المغرب العربي

شهدت منطقة المغرب العربي خلال شهر يوليو 2025، سلسلة من التطورات المتسارعة التي عكست ديناميكيات معقدة في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد والسياسة الإقليمية، ما يرسّخ صورة منطقة تتأرجح بين محاولات الاستقرار والتكامل من جهة، وتصاعد الانقسامات والتوترات من جهة أخرى. فقد تميزت ليبيا بتفاعلات لافتة في ملف الهجرة غير النظامية، بينما واصلت الجزائر تعزيز نفوذها الإقليمي عبر شراكات استراتيجية مع قوى أوروبية، وتكثّفت جهود تونس لضبط تدفقات الهجرة، في حين حقق المغرب مكاسب اقتصادية ملموسة، أما موريتانيا فقد نشّطت دبلوماسيتها، وأكدت على مواقفها من القضايا الدولية، بالتوازي مع تحركات لإحياء الاتحاد المغاربي من جديد.
اقرأ أيضا: الهجرة إلى كتاب الله يونيو حكاية شعب. أبرز محتويات العدد 42 شهر يوليو من مجلة ;
وفي ليبيا، تبلورت أزمة دبلوماسية مع الاتحاد الأوروبي على خلفية زيارة وفد أوروبي إلى العاصمة طرابلس للقاء حكومة الوحدة الوطنية، الأمر الذي دفع حكومة الاستقرار الوطني في الشرق إلى إعلان عدد من المسؤولين الأوروبيين “أشخاصًا غير مرغوب فيهم”، وهو ما أبرز حجم الانقسام الليبي الداخلي وتناقض الرؤى حول التعاون الدولي في ملف الهجرة. وعلى الأرض، كثّفت السلطات الأمنية في أجدابيا حملاتها ضد شبكات تهريب البشر، حيث تم إنقاذ أكثر من مائة مهاجر غير نظامي، إلى جانب توقيف عدد من المهربين. وفي خطوة لافتة، قامت السلطات بترحيل نحو 700 مهاجر سوداني، بعضهم يعاني من أمراض معدية أو لديه سوابق أمنية، في مؤشر على تصعيد غير مسبوق في التعامل مع ملف الهجرة. وعلى الصعيد الدولي، سجّلت ليبيا سابقة قضائية جديدة حين أعلنت السلطات الألمانية القبض على خالد محمد علي الهشري، الملقب بـ”البوطي”، وهو مسؤول أمني ليبي سابق مطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بجرائم حرب. ووسط هذه الأجواء المضطربة، استضافت مدينة درنة الليبية النسخة الرابعة من كأس أمم أفريقيا للميني فوتبول، بمشاركة 16 منتخبًا، وهو ما عُدّ خطوة رمزية لإبراز عودة الحياة المدنية إلى مناطق شهدت دمارًا واسعًا خلال السنوات الماضية.
الجزائر، من جهتها، واصلت تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية بكثافة، رغم ما يمكن اعتباره انتكاسة في ملف الصحراء الغربية بعد إعلان دعم بريطاني لخطة الحكم الذاتي المغربية، وهو ما عُدّ مؤشرًا على تراجع فاعلية الموقف الجزائري دوليًا، في مقابل تعزيز الموقف المغربي. غير أن الجزائر استثمرت هذا الظرف بمزيد من الانفتاح على شراكات جديدة، حيث استضافت قمة جزائرية – إيطالية في روما تُوّجت بتوقيع اتفاقيات استراتيجية شملت مجالات الطاقة، الأمن، الصناعة والبيئة. ومن أبرز هذه الاتفاقيات عقد ضخم بين شركة “سوناطراك” الجزائرية و”إيني” الإيطالية لاستكشاف حقول جديدة للطاقة، إلى جانب مشروع لإنشاء كابل بحري كهربائي واتصالات بين البلدين، واتفاق لإقامة مصنع ضخم لحديد التسليح بطاقة إنتاجية تصل إلى 800 ألف طن سنويًا. كما شملت الاتفاقيات مبادرة بيئية لتدوير نفايات الجلود وتحويلها إلى أسمدة عضوية، ما يعكس تنويعًا في المجالات الاستثمارية، وتعزيزًا للبعد البيئي في السياسات الاقتصادية الجزائرية.
أما تونس، فقد حافظت على تركيزها في إدارة ملف الهجرة غير النظامية، حيث شهد يوليو استمرار عمليات إزالة المخيمات العشوائية في مدينة صفاقس، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى بؤرة للهجرة غير النظامية باتجاه أوروبا. وقد غادر نحو 4500 مهاجر طوعًا الأراضي التونسية منذ مطلع العام، في إطار تنسيق مشترك مع المنظمة الدولية للهجرة، شمل رحلات مغادرة من مطاري صفاقس وتونس. وتزامن ذلك مع دعوة رسمية أطلقها الرئيس قيس سعيد، طالب فيها المجتمع الدولي والمنظمات الأممية بتكثيف الدعم لتونس في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر، مؤكدًا أن بلاده تتحمل أعباءً غير عادلة في هذا الملف الحساس.
في المقابل، سجّل المغرب أداءً اقتصاديًا لافتًا، رغم السياق السياسي الإقليمي المتوتر. فقد أظهرت بيانات حديثة نموًا ملحوظًا في صادرات قطاع السيارات التي بلغت نحو 157.6 مليار درهم خلال عام 2024، بزيادة نسبتها 6.3 %، ما عزز مكانة المغرب كأكبر مصدر للسيارات في القارة الأفريقية. كما حققت صادرات الفوسفات نموًا بنسبة 13.5 % لتصل إلى 87.1 مليار درهم، إلى جانب نمو كبير في الصناعات الجوية بلغ 14.9 %. قطاع الزراعة والصناعات الغذائية سجل بدوره صادرات بقيمة 87 مليار درهم. ورغم تراجع طفيف في صادرات النسيج، فإن إجمالي المؤشرات يعكس نجاح المغرب في تنويع قاعدته التصديرية وتعزيز مكانته كمركز صناعي في شمال أفريقيا، مستفيدًا من الاستقرار النسبي والسياسات الصناعية النشطة.
موريتانيا، من جانبها، كثّفت تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية خلال يوليو، حيث وقّعت اتفاقية تعاون عسكري مع تركيا، شملت جوانب التدريب والتجهيز، وذلك على هامش معرض الدفاع الدولي في إسطنبول. وتندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية موريتانية لتحديث الجيش ورفع قدراته ضمن منظومة دفاعية شاملة. وعلى صعيد المواقف السياسية، أدانت نواكشوط مصادقة الكنيست الإسرائيلي على قانون “فرض السيادة” على الضفة الغربية، واعتبرت الخطوة انتهاكًا للقانون الدولي، مؤكدة دعمها الكامل لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.
وعلى المستوى الإقليمي، برزت مبادرة جديدة لإحياء فكرة اتحاد المغرب العربي، أطلقتها شخصيات مدنية بارزة في مطلع يوليو، وعلى رأسها المغربي جمال بن عمر، السفير الأممي السابق. ورغم استمرار الجمود الرسمي في هذا الإطار، فإن المبادرة شددت على أن الشعوب المغاربية لا تزال مؤمنة بأهمية التكامل الإقليمي كضرورة أمنية واستراتيجية واقتصادية. في المقابل، تسعى الجزائر إلى تشكيل محور مغاربي موازٍ، يستثني المغرب، ويرتكز على تعاون ثلاثي مع كل من ليبيا وتونس، في قضايا الهجرة والطاقة والتنسيق الأمني. هذا التحرك يعكس تعقّد العلاقات بين الدول المغاربية، حيث تتقاطع المصالح مع الخلافات الجيوسياسية، ما يجعل فكرة الاتحاد المغاربي أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع.
في المحصلة، يُظهر شهر يوليو 2025 أن منطقة المغرب العربي تقف عند تقاطع طرق حاسم: ففي الوقت الذي تستمر فيه بعض الدول في تعميق الانقسامات السياسية والدبلوماسية، تنجح أخرى في تحقيق مكاسب اقتصادية وتطوير شراكات استراتيجية. كما يتصاعد الاهتمام بملف الهجرة باعتباره ملفًا أمنيًا وإنسانيًا وسياسيًا، بينما يظل طيف الاتحاد المغاربي حاضرًا في الذاكرة الجماعية، رغم التباعد الرسمي، كحلم مؤجل ينتظر لحظة توافق طال انتظارها.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب


