تقدير موقف

المشروع الحضاري التربوي.. «دراسة»

إعداد الباحث المغربي د . سمير الوصبي

المشروع الحضاري التربوي دراسة

إعداد الباحث المغربي د . سمير الوصبي، المتخصص في مجالات الشأن التربوي والفكر الإسلامي المشروع الحضاري التربوي.. دراسة

” اَلْمَبَادِئَ اَلثَّلَاثَ فِي تَحْدِيدِ اَلْقَصْدِ اَلتَّرْبَوِيِّ ”

مِنْ أَيْنَ ( مَبْدَأُ اَلنَّشْأَةِ )

فِي أَيْنَ ( مَبْدَأُ اَلْمَعَاشِ )

إِلَى أَيْنَ ( مَبْدَأُ اَلْمَعَادِ)

The educational civilizational project “The Three Principles in Determining the Educational Intent” from where (the principle of origin), where (the principle of pension), to where (the principle of resurrection).


مُلَخَّصٌ :

اَلْمَشْرُوعُ اَلْحَضَارِيُّ اَلتَّرْبَوِيُّ فِي تَفْعِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ، تَجْدِيدٌ لِلنَّهْضَةِ اَلْفِكْرِيَّةِ وَتَحْقِيقٍ لِلتَّنْمِيَةِ اَلشَّامِلَةِ، سَعْيًا لِلْوَفَاءِ بِوَاجِبِ اَلْأَمَانَةِ وَمَسْؤُولِيَّةِ اَلِاسْتِعْمَارِ فِي اَلْأَرْضِ وَمَبْدَأِ اَلِاسْتِخْلَافِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا عَبْرَ صِيَاغَةِ تَصَوُّرٍ مُتَكَامِلٍ وَرُؤْيَةِ اِسْتِرَاتِيجِيَّةٍ، تَنْسَجِمَ مَعَ مُقَوِّمَاتِ حَضَارَتِنَا اَلثَّلَاثَ؛ اَلْمَرْجِعِيَّةِ اَلْأَصِيلَةِ وَالْهُوِيَّةِ اَلْإِسْلَامِيَّةِ وَالْبِيئَةِ اَلْأَخْلَاقِيَّةِ، فَبِنَاءٍ نَظَرِيَّة تَرْبَوِيَّةٍ ذَاتِ مِصْدَاقِيَّةٍ وَفَاعِلِيَّةٍ، نَجَاحُهَا رَهِينٌ بِمَدَى اَلِانْسِجَامِ اَلْحَاصِلِ بَيْنَ تِلْكُمْ اَلْمُقَوِّمَاتِ اَلثَّلَاثِ؛ فَالِانْجِرَار وَرَاءُ اَلْأُطْرُوحَاتِ وَالتَّصَوُّرَاتِ اَلْمُسْتَوْرَدَةِ وَالْمُخَالِفَةِ لِلْمَصَادِرِ اَلْأَصِيلَةِ أَوْقَعَنَا فِي تَبَعِيَّةٍ فِكْرِيَّةٍ، وَتِيهَ أَثْنَاءِ رَسْمِ مَعَالِمِ اَلنَّجَاعَةِ اَلتَّرْبَوِيَّةِ، فَفَقَدَنَا اَلْهُوِيَّةُ وَمِنْهُ اَلْوُجْهَةُ وَالْمَقَصَدِيَّة اَلَّتِي هِيَ مَعْلُومَةٌ فِي تُرَاثِنَا اَلْفِكْرِيِّ وَالْوُجُودِيِّ مِنْ خِلَالِ اَلِالْتِزَامِ بِالْمَبَادِئِ اَلثَّلَاثِ فِي تَحْدِيدِ اَلْقَصْدِ اَلتَّرْبَوِيِّ مِنْ أَيْنَ ( مَبْدَأُ اَلنَّشْأَةِ )، فِي أَيْنَ ( مَبْدَأُ اَلْمَعَاشِ )، إِلَى أَيْنَ ( مَبْدَأُ اَلْمَعَادِ ). فَالْمَعْرِفَةُ بِمُحْتَوَى هَذِهِ اَلْمَبَادِئِ سَيُحَدِّدُ لَنَا اَلْوُجْهَةُ عَبْرَ تَرْسِيخِ اَلْفَهْمِ لِحَقِيقَةِ اَلْوُجُودِ اَلْإِنْسَانِيِّ مِنْ خِلَالِ سُؤَالِ اَلنَّشْأَةِ، وَمُسْتَوَى اَلتَّرْكِيبِ وَتَحْلِيلِ اَلْعَنَاصِرِ لِمُوَاجَهَةِ اَلْوَضْعِيَّاتِ كَمُشْكِلَاتٍ حَيَاتِيَّةٍ أَوْ تَعْلِيمِيَّةٍ مِنْ خِلَالِ سُؤَالِ اَلْمَعَاشِ، وَمَا يَحْصُلُ مِنْ اِطْمِئْنَانِ اَلنَّفْسِ وَإِخْلَاصِ اَلنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ عِنْدَ إِدْرَاكِ سُؤَالِ اَلْمَعَادِ إِلَى أَيْنَ .                              اَلْمَنْهَجُ اَلْمُتَّبَعُ: وَالْمَنْهَجُ اَلتَّحْلِيلِيُّ وَاسْتِقْرَاءُ اَلنُّصُوصِ وَالْمُقَارَنَةِ بَيْنِ اَلرَّوِيِّ وَالتَّصَوُّرَاتِ وَعَرْضِهَا عَلَى اَلْمَصَادِرِ اَلْأَصِيلَةِ فَمًا اِنْسَجَمَ أَخْذُنَا بِهِ ، وَمَا اِسْتَشْكَلَ طَرَحْنَاهُ فِي خُطُورَةٍ لِرَسْمِ مَعَالِمِ نَظَرِيَّةِ اَلْمَشْرُوعِ اَلْحَضَارِيِّ اَلتَّرْبَوِيِّ اَلْأَصِيلِ .


 

Abstract:

The educational civilizational project in its activation and download, a renewal of intellectual renaissance and the achievement of comprehensive development, in an effort to fulfill the duty of honesty, the responsibility of colonialism in the land and the principle of succession, and this can only be done through the formulation of an integrated vision and strategic vision, consistent with the three components of our civilization; The authentic reference, the Islamic identity and the moral environment. Building an educational theory that is credible and effective, the success of which depends on the extent of harmony between these three components; Being dragged behind imported theses and perceptions that contradict the original sources made us fall into an intellectual dependency, and lost while drawing the parameters of educational efficacy. (The principle of pension), to where (the principle of return). Knowledge of the content of these principles will determine the destination for us by consolidating the understanding of the reality of human existence through the question of origin, the level of structure and analysis of the elements to confront situations as problems of life or education through the question of the pension, and what happens from self-assurance, sincerity of intention and work when realizing the question of return to where.The approach followed: the analytical approach, extrapolation of texts, comparison between visions and perceptions, and presenting them to the original sources.

Keywords: Rooting, the educational civilizational project, principles, the principle of upbringing, the principle of pension, the principle of resurrection.

تَمْهِيدٌ :

إِنَّ َإحْدَاثَ اَلْفَعَّالِيَّةِ وَالنَّجَاعَةِ فِي مَجَالِ اَلتَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ، رَهِين بِتَحْدِيدِ اَلْقَصْدِ اَلتَّرْبَوِيِّ مَعْرِفَةَ اَلطَّرِيقِ وَالْمَنْهَجِ وَصِيَاغَةِ رُؤْيَةٍ وَاضِحَةٍ بِغَرَضَ اَلْوُصُولِ إِلَى حُلُولٍ لِلْمُشْكِلَاتِ اَلْعَمِيقَةِ اَلَّتِي تُعَانِي مِنْهَا نُظُمُ اَلتَّعْلِيمِ اَلْعَامِّ وَالْجَامِعِيِّ، فَالْمُعَالَجَةُ اَلْآنِيَّةُ لِلْعَمَلِ وَالْفِعْلِ اَلتَّرْبَوِيِّ كَانَ وَلَازَالَ اَلِاسْتِنَادُ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى نَمَاذِجَ أَوْ تَجَارِبَ أَوْ أَفْكَارِ أَوْ نَظَرِيَّاتِ وَلِيدَةِ مَرْجِعِيَّاتٍ تَخْتَلِفُ عَنْ هُوِيَّتِنَا لِأَنَّ اَلْقَصْدَ اَلَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ يَخْتَلِفُ عَنْ بِيئَتِنَا وَقِيَمِنَا وَبِالتَّالِي حَدَثَ تَنَاقُضُ بَيْنَ اَلْقَصْدِ وَالْمَنْهَجِ اَلْمُتَّبَعِ فِي بَلْوَرَةِ اَلْمَشْرُوعِ اَلتَّرْبَوِيِّ اَلْقَادِرِ عَلَى تَشْكِيلِ اَلنَّمُوذَجِ اَلْحَضَارِيِّ اَلسَّلِيمِ وَاَلَّذِي نَسْعَى إِلَى تَحْقِيقِهِ، وَالْوَسِيلَةُ هِيَ تَفْعِيلُ اَلْقَصْدِ اَلتَّرْبَوِيِّ، ” وَيَقَعَ اَلْيَوْمَ ضَرَر كَبِيرٍ بِالْأُمَّةِ نَتِيجَةَ اَلْغَفْلَةِ عَنْ هَذَا اَلتَّفْعِيلِ لِلْمَقَاصِدِ فِي مَرَاحِلِهِ اَلْمُخْتَلِفَةِ “[2].  وَلَوْ أَمْكَنَ تَفْعِيلُ اَلْمَقَاصِدِ فِي صِيَاغَةِ نِظَامٍ تَرْبَوِيٍّ أَصِيلٍ يَسْتَنِدُ إِلَى اَلْمَصَادِرِ اَلْأَصِيلَةِ ، لِنُثْبِتْ فِعْلاً وَلَيْسَ قَوْلاً عَالَمِيَّةً اَلْإِسْلَامِ. نَحْتَاجُ إِلَى صِيَاغَةِ مَشْرُوعٍ حَضَارِيٍّ بِتَفْعِيلِ اَلْمَقَاصِدِ اَلتَّرْبَوِيَّةِ وَالتَّعْلِيمِيَّةِ، بِالنَّظَرِ إِلَى اَلْمَقَاصِدِ أَوْ اَلْغَايَاتِ، أَوْ اَلْأَهْدَافِ اَلتَّرْبَوِيَّةِ ذَاتِ اَلصِّلَةِ اَلْمُبَاشِرَةِ بِشَخْصِيَّةِ اَلْإِنْسَانِ اَلَّذِي نَسْتَهْدِفُهُ فِي اَلْعَمَلِ اَلتَّرْبَوِيِّ، بِغَايَةِ ” حِفْظِ نِظَامِ اَلْأُمَّةِ وَاسْتِدَامَةِ صَلَاحِهِ بِصَلَاحْ اَلْمُهَيْمِنِ عَلَيْهِ وَهُوَ نَوْعُ اَلْإِنْسَانِ”[3] . وَالتَّعَامُلُ مَعَ مَقَاصِدِ اَلْعُلُومِ اَلَّتِي يَلْزَمُ أَنْ يَكْتَسِبَهَا هَذَا اَلْإِنْسَانِ، وَبِنَاءُ اَلصُّورَةِ اَلَّتِي يَتَجَلَّى فِيهَا سُلُوكُ هَذَا اَلْإِنْسَانِ فِي اَلْوَاقِعِ اَلْعَمَلِيِّ وَالْحَيَاةِ اَلِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَتَشْكِيلَ اَلْحَالَةِ اَلْحَضَارِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ اَلَّذِي نُمَارِسُ مِنْ أَجْلِهِ تَفْعِيلَ اَلْمَقَاصِدِ اَلتَّرْبَوِيَّةِ.

وَالْقَصْدُ اَلتَّرْبَوِيُّ يُرَادُ بِهِ إِقَامَةُ اَلصِّلَةِ بَيْنَ اَلْمَقَاصِدِ اَلْقُرْآنِيَّةِ وَالْحَالَةِ اَلتَّرْبَوِيَّةِ أَيْ بَيْنَ اَلِاسْتِمْدَادِ مِنْ اَلْوَحْيِ فِي مُعَالَجَةِ اَلظَّوَاهِرِ اَلتَّرْبَوِيَّةِ فِي كُلِّ تَمَظْهُرَاتِهَا سَوَاءُ أَكَانَتْ وَضْعِيَّاتٍ تَعْلِيمِيَّةً أَوْ حَيَاتِيَّةٍ وَسَوَاءً أَكَانَتْ اِسْتِفْسَارَاتٍ أَوْ تَسَاؤُلَاتٍ؛ فِي جَمِيعِ أَرْكَانِ هَذِهِ اَلْحَالَةِ اَلتَّرْبَوِيَّةِ، وَمَا تَسْتَنِدُ إِلَيْهِ مِنْ فَلْسَفَةٍ وَنُظُمٍ وَبَرَامِجَ وَمَنَاهِجَ، وَبِذَلِكَ يَبْدَأُ تَفْعِيلَ اَلْقَصْدِ اَلتَّرْبَوِيِّ بِبِنَاءِ اَلرُّؤْيَةِ اَلْإِصْلَاحِيَّةِ، اَلَّتِي تَفْعَلُ مُهِمَّةَ اَلتَّرْبِيَةِ فِي اَلْإِصْلَاحِ وَالتَّغْيِيرِ وَالنُّهُوضِ اَلْحَضَارِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ. وَالْمَعْنِيُّونَ بِالتَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ لَيْسُوا هُمْ فِئَةُ اَلْعَامِلِينَ فِي اَلْمَدَارِسِ وَالْجَامِعَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ اَلْمُؤَسَّسَاتِ اَلتَّعْلِيمِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ وَحَسَب، فَكُلُّ أَفْرَادِ اَلْمُجْتَمَعِ مَعْنِيُّونَ، وَكُلَّ فَرْدٍ هُوَ مُعَلِّمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٍ، بِصُورَةٍ مِنْ اَلصُّوَرِ، وَكُلَّ فَرْدٍ هُوَ اِبْنٌ أَوْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ.

وَتَفْعِيلَ اَلْمَقَاصِدِ فِي هَذِهِ اَلْمُسْتَوَيَاتِ يَعْنِي فِيمَا يَعْنِيهُ أَنْ تَكُونَ عِنَايَةُ كُلِّ فَرْدٍ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ عِنَايَةً جَادَّةً تَتَّصِفُ بِالْإِيجَابِيَّةِ وَالشُّعُورِ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَيُؤَدِّي هَذِهِ اَلْمَسْؤُولِيَّةِ بِأَمَانَةٍ وَرَغْبَةٍ وَاسْتِمْتَاعٍ، تَحَفُّزُهُ فِي ذَلِكَ حَوَافِزُ دَاخِلِيَّةٌ بِنْيَةٌ خَالِصَةٌ يَقْصِدُ فِيهَا أَدَاءُ وَاجِبٍ مُقَدَّسٍ، فِي اَلنُّهُوضِ بِمُجْتَمَعِهِ وَأُمَّتِهِ، كَمَا يَقْصِدُ رِضَا اَللَّهِ وَنَعِيمْ اَلْآخِرَةِ. سَعْيًا إِلَى تَحْقِيقِ اَلْغَايَةِ اَلْعُظْمَى.” عِمَارَةَ اَلْأَرْضِ، وَحِفْظَ نِظَامِ اَلتَّعَايُشِ فِيهَا، وَصَلَاحُهَا بِصَلَاحْ اَلْمُسْتَخْلَفِينَ فِيهَا، وَقِيَامُهُمْ بِمَا كَلَّفُوا بِهِ مِنْ عَدْلٍ وَاسْتِقَامَةٍ، وَمِنْ صَلَاحٍ فِي اَلْعَقْلِ وَفِي اَلْعَمَلِ، وَإِصْلَاح فِي اَلْأَرْضِ، وَاسْتِنْبَاطَ لِخَيْرَاتِهَا، وَتَدْبِير لِمَنَافِعَ اَلْجَمِيعَ”[4].

فَالْقَصْدُ : مَا هُوَ إِلَّا ” اِسْتِقَامَةَ اَلطَّرِيقِ”[5]، قَالَ تَعَالَى: ﴿  وَعَلَى اَللَّهِ قَصْدَ اَلسَّبِيلِ ﴾ ( اَلنَّحْلُ : 9 ) أَيْ أَنَّ عَلَى اَللَّهِ تَبَيَّنَ اَلطَّرِيقُ اَلْمُسْتَقِيمُ إِلَيْهِ بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ، وَمُهِمَّتُنَا اَلْآنِيَّةُ هِيَ مَعْرِفَةُ هَذِهِ اَلْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ لِلسَّيْرِ عَلَى اَلطَّرِيقِ أَوْ اَلْمَنْهَجِ اَلتَّرْبَوِيِّ اَلسَّوِيِّ، وَعَلَى هَذَا اَلْقَصْدِ، فِي تَحْدِيدِ اَلْمَنْهَجِ، نَصُوغُ مَشْرُوعُنَا اَلْحَضَارِيُّ اَلْقِيَمِيُّ بِالْقَصْدِ و” اَلِاعْتِمَادِ وَالْأُمِّ “[6]، وَعَلَيْهِ يَكُونُ اَلْقَصْدُ اَلتَّرْبَوِيُّ نَوْع مِنْ اَلْإِرَادَةِ تَبْلُغُ فِي قُوَّتِهَا دَرَجَةَ اَلِاعْتِزَامِ، وَالْإِرَادَةُ لَا تَكُونُ عَزْمًا مَا لَمْ تَكُنْ جَازِمَةً، وَالْقَصْدُ أَعْلَى دَرَجَةٍ مِنْ اَلْعَزْمِ، فَالْعَزْمُ يَكُون عَلَى فِعْلٍ فِي اَلْمُسْتَقْبَلِ، وَهَذَا اَلْعَزْمُ قَدْ يُضْعِفُ أَوْ يَحُولُ، أَمَّا اَلْقَصْدُ فَلَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ اَلْإِرَادَةُ جَازِمَةً مُقَارَنَةِ لِلْفِعْلِ أَوْ قَرِيبَةٍ مِنْ اَلْمُقَارِنَةِ ، لِتَحْدِيدِ اَلْقَصْدِ اَلتَّرْبَوِيِّ لَابُد مِنْ فَهْمِ وَاسْتِيعَابِ اَلْمَبَادِئِ اَلثَّلَاثِ اَلْمُتَضَمِّنَةِ فِي اَلْأَسْئِلَةِ اَلتَّالِيَةِ : مِنْ أَيْنَ ، فِي أَيْنَ ، وَإِلَى أَيْنَ .

اَلْمَبَادِئ اَلثَّلَاثِ فِي تَحْدِيدِ اَلْقَصْدِ اَلتَّرْبَوِيِّ :

مِنْ أَيْنَ ( مَبْدَأُ اَلنَّشْأَةِ ) ، فِي أَيْنَ ( مَبْدَأُ اَلْمَعَاشِ) ، إِلَى أَيْنَ ( مَبْدَأُ اَلْمَعَادِ). ” اِعْلَمْ أَنَّ اَلْإِنْسَانَ قُوَّةَ نَظَرِيَّةِ كَمَالِهَا مَعْرِفَةَ اَلْحَقَائِقِ كَمَا هِيَ، وَعَمَلِيَّةُ كَمَالِهَا اَلْقِيَامِ بِالْأُمُورِ عَلَى مَا يَنْبَغِي تَحْصِيلاً لِسَعَادَةِ اَلدَّارَيْنِ، وَقَدْ تَطَابَقَتْ اَلْمِلَّةُ وَالْفَلْسَفَةُ عَلَى اَلِاعْتِنَاءِ بِتَكْمِيلِ اَلنُّفُوسِ اَلْبَشَرِيَّةِ فِي اَلْقُوَّتَيْنِ وَتَسْهِيلِ طَرِيقِ اَلْوُصُولِ إِلَى اَلْغَايَتَيْنِ . . ، وَكَمَا دُونُ حُكَمَاء اَلْفَلَاسِفَةِ اَلْحِكْمَةِ اَلنَّظَرِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ إِعَانَةَ لِلْعَامَّةِ عَلَى تَحْصِيلِ اَلْكَمَالَاتِ اَلْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُوَّتَيْنِ، دُونُ عُظَمَاءِ اَلْمِلَّةِ وَعُلَمَاءُ اَلْأُمَّةِ عِلْمَ اَلْكَلَامِ وَعَلِمَ اَلشَّرَائِعَ وَالْأَحْكَامَ . . . إِلَّا أَنَّ اَلْمُقَدَّمَ فِي اَلِاعْتِبَارِ بِشَهَادَةِ اَلْعَمَلِ وَالنَّقْلِ هُوَ مَعْرِفَةُ اَلْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ اَلْمُشَارِ إِلَيْهِمَا بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْيَوْم اَلْآخِرِ، وَطَرِيقَ اَلْوُصُولِ إِلَيْهِمَا اَلنَّظَرُ فِي اَلْمُمْكِنَاتِ عَنْ اَلْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ عَلَى مَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ مَوَاضِعُ مِنْ كِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى، وَمَا أَحْسَنَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ عَلِي كَرَّمْ اَللَّهْ وَجْهْهُ إِلَى أَنَّ اَلْمُعْتَبَرَ مِنْ كَمَالِ اَلْقُوَّةِ اَلْعَمَلِيَّةِ مَا بِهِ نِظَامُ اَلْمَعَاشِ وَنَجَاةِ اَلْمَعَادِ، وَمِنْ اَلنَّظَرِيَّةِ اَلْعَلَمَ بِالْمَبْدَأ وَالْمَعَادِ ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ اَلنَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ قَالَ : رَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَأَ أَخْذِ لِنَفْسِهِ وَاسْتَعَدَّ لَرْمَسَهْ، وَعِلْم مِنْ أَيْنَ وَفِيٌّ أَيْنَ وَإِلَى أَيْنَ”[7].

وَهَذِهِ اَلْمُرَادَاتُ تَنْسَجِمُ مَعَ اَلْأَسْئِلَةِ اَلْوُجُودِيَّةِ اَلثَّلَاثِ عِنْدَ تَحْدِيدِ اَلْقَصْدِ اَلتَّرْبَوِيِّ: مِنْ أَيْنَ وَفِيٌّ أَيْنَ وَإِلَى أَيْنَ، وَاَلَّتِي تَنْدَرِجُ ضِمْنَ ثَلَاثِ مَبَادِئَ: مَبْدَأُ اَلنَّشْأَةِ، مَبْدَأُ اَلْمَعَاشِ، وَمَبْدَأُ اَلْمَعَادِ، وَيُمْكِنَ أَنْ نُحَرِّرَهَا كَالتَّالِي:

مَبْدَأُ اَلنَّشْأَةِ مِنْ أَيْنَ:

وَهُوَ سُؤَالُ وُجُودِ مَا مَصْدَرُ اَلنَّشْأَةِ اَلْأُولَى أَيْ مِنْ خَلْقِ اَلْمَوْجُودَاتِ، وَكَيْفَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ، وَاسْتِعْمَالَ لَفْظِ اَلنَّشْأَةِ دَالْ عَلَى مُرَادٍ مِنْ يَسْأَلُ عَنْ بِدَايَةِ وُجُودِ اَلْإِنْسَانِ وَالْكَوْنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ ۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ ( هُودْ : 61 )، فَضَرَرُ عَدَمِ اَلْإِجَابَةِ مِنْ لَدُنْ اَلْمُرَبِّي – اَلْمُكَلَّفِ – عَظِيم وَكَبِيرٍ لِأَنَّ اَلْإِجَابَةَ اَلصَّحِيحَةَ عَنْهُ تَوَلُّدٌ فِي اَلنَّفْسِ اَلطُّمَأْنِينَةِ وَالسَّكِينَةِ وَالشُّعُورِ بِالْأَمَانِ وَالتَّوَافُقِ اَلدَّاخِلِيِّ، وَعَدَمَ اَلْإِجَابَةِ يَحْدُثُ فِي اَلنَّفْسِ اَلْعَبَثُ وَالتِّيهُ، وَالْخَطَأُ فِي اَلْإِجَابَةِ يَعْنِي ضَيَاعَ اَلْوُجْهَةِ، فَإِذَا لَمْ نُحَدِّدْ وُجْهَتُنَا فِي اَلْمَكَانِ ضِعْنَا، ” إِنَّ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ : مَا اَلدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لِلْخَلْقِ صَانِعًا صُنْعُهُ وَمُدَبَّرًا دَبَّرَهُ قِيلَ: اَلدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اَلْإِنْسَانَ اَلَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ اَلْكَمَالِ وَالتَّمَامِ كَانَ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةٌ ثُمَّ مُضْغَةٌ ثُمَّ لَحْمًا وَعِظَمًا وَدَمًا، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ نَفْسَهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، لِأَنَّا نَرَاهُ فِي حَالِ كَمَالِ قُوَّتِهِ وَتَمَامْ عَقْلِهِ ، لَا يُقَدِّرُ أَنْ يَحْدُثَ لِنَفْسِهِ سَمْعًا وَلَا بَصَرًا، وَلَا أَنْ يَخْلُقَ لِنَفْسِهِ جَارِحَةٌ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ ضَعْفِهِ وَنُقْصَانِهِ عَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَعْجَزَ؛ لِأَنَّ مَا قَدَّرَ عَلَيْهِ فِي حَالِ اَلنُّقْصَانِ فَهُوَ فِي حَالِ اَلْكَمَالِ عَلَيْهِ أُقَدِّر، وَمَا عَجَزَ عَنْهُ فِي حَالِ اَلْكَمَالِ فَهُوَ مِنْ حَالِ اَلنُّقْصَانِ عَنْهُ أَعْجَزُ”[8].

وَقَدْ لَخَّصَ اَلشَّهْرَسْتَانِي هَذَا اَلْعَرْضِ هَكَذَا قَالَ اَلْأَشْعَرِيّ: « اَلْإِنْسَانُ إِذَا فَكَّرَ فِي خَلَقَتْهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ وَكَيْفَ دَارَ فِي أَطْوَارْ اَلْخِلْقَةِ وَطَوَّرَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى كَمَالِ اَلْخِلْقَةِ وَعَرَفَ يَقِينًا أَنَّهُ بِذَاتِهِ لَمْ يَكُنْ لِيُدَبِّرَ خَلَقَتْهُ وَيَبْلُغُهُ مِنْ دَرَجَةٍ إِلَى دَرَجَةٍ وَيَرْقِيهُ عَالِمًا مُرِيدًا، إِذْ لَا يَتَصَوَّرُ صُدُورَ هَذِهِ اَلْأَفْعَالِ اَلْمَحْكَمَةِ مِنْ طَبْعٍ، لِظُهُورِ آثَارِ اَلِاخْتِيَارِ فِي اَلْفِطْرَةِ ، وَتَبَيَّنَ آثَارُ اَلْأَحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ فِي اَلْخِلْقَةِ »[9].

فَقَانُونُ اَلسَّبَبِيَّةِ يُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُحَدِّثِ لَابُدٍّ وَأَنْ يَكُونَ بِفِعْلِ حَادِثٍ، فَالصَّنْعَةُ دَالَّةً عَلَى وُجُودٍ صَانِعٍ وَهَذَا اَلْكَوْنُ دَالْ عَلَى وُجُودِ اَلرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. أَنَّ مَعْرِفَةَ اَلْإِنْسَانِ بِالْكَوْنِ اَلَّذِي يَعِيشُ فِيهِ، وَاسْتِشْرَافَ أَسْرَارِهِ وَإِبْدَاعَاتِ اَلْخَالِقِ فِيهِ، وَمَا اِحْتَوَاهُ مِنْ مَلَايِينِ اَلْمَجَرَّاتِ، وَمَا أَوْدَعَهُ مِنْ مَلَايِينِ اَلنُّجُومِ فِي كُلِّ مَجَرَّةٍ، وَمَا بَيْنَهَا مِنْ عَجَائِبِ تَفَوُّقِ قُدْرَةِ اَلْإِنْسَانِ بِالْكَشْفِ اَلْحِسِّيِّ عَنْهَا لِدَلِيلٍ عَلَى أَنَّ خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَرَاءَهُ غَايَةٌ عَظِيمَةٌ وَهَدَفٌ سَامٌّ، تَتَلَخَّصَ فِي اَلْعِبَادَةِ عَنْ طَرِيقِ مَعْرِفَةِ اَللَّهِ، وَأَنَّ سَعَادَةَ اَلْإِنْسَانِ أَثَر حَتْمِيٍّ لِمَعْرِفَةِ اَللَّهِ وَعِبَادَتِهِ؛ فَكُلَّمَا زَادَتْ مَعْرِفَةَ اَلْعَبْدِ بِرَبِّهِ زَادَتْ رَاحَةَ قَلْبِهِ، وَطُمَأْنِينَةُ نَفْسِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى اَلْحَيَاةِ بِرُوحِ اَلتَّفَاؤُلِ وَمَشَاعِرِ اَلْإِيجَابِيَّةِ. فَمَبْدَأُ اَلنَّشْأَةِ يَقُومُ عَلَى وَسِيلَتَيْنِ اَلتَّكْرِيمَ وَالتَّسْخِيرَ كَتَهْيِئَةٍ لِوَضْعِ اَلتَّكْلِيفِ اَلْكَوْنِيِّ وَالتَّعَبُّدِيِّ.

-اَلتَّكْرِيمُ اَلرَّبَّانِيُّ لِلْإِنْسَانِ بِالْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ مِنْ اَلْعَدَمِ :﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الاسراء: 62).

– تَسْخِيرُ عَوَالِمِ اَلْمَوْجُودَاتِ لِلْإِنْسَانِ، وَفِي هَذَا يَقُولُ اَلْمَوْلَى سُبْحَانَهُ :﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (اَلْإِسْرَاءُ : 70). حَتَّى أَصْبَحَ مُهَيَّأ لِاسْتِقْبَالِ خِطَابِ اَلتَّكْلِيفِ اَلْكَوْنِيِّ بِعِمَارَةِ اَلْأَرْضِ، وَخِطَابَ اَالْتِكْلِيفْ اَلشَّرْعِيَّ بِالْعُبُودِيَّةِ اَلتَّامَّةِ . وَجَعَلَ اَلْعَقْلُ مَنَاطَ اَلتَّكْلِيفِ، فَهُوَ أَسَاسُ اَلتَّفْكِيرِ وَالتَّدَبُّرِ، وَالْفَهْمُ وَالْإِدْرَاكُ، وَمُعَقَّدٌ اِسْتِنْتَاجِ اَلدَّلَالَاتِ وَاسْتِشْرَافِ اَلْمَقَاصِدِ وَالْغَايَاتِ، وَاصَلَ فِي اَلِاجْتِهَادِ وَالتَّجْدِيدِ وَالْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ؛ فَقَدْ اِعْتَبَرَ اَلشَّرْعُ اَلْحَكِيمُ عَقْلُ اَلْفَرْدِ اَلْمُكَلَّفِ هُوَ أَدَاةٌ لِفَهْمِ اَلسُّنَنِ اَلْكَوْنِيَّةِ لِاسْتِشْعَارِ اَلْأَحْكَامِ اَلشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ مَطَالِبُ شَرْعًا بِبَذْلِ أَكْبَرَ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ حُدُودِ اَلِاسْتِيعَابِ وَالتَّفَكُّرِ فِي اَلْكَوْنِ وَالنَّفْسِ وَالشَّرْعِ، وُصُولاً إِلَى تَقْوِيَةِ إِيمَانِهِ، وَسَلَامَةُ عِبَادَتِهِ، وَتَهْذِيبَ أَخْلَاقِهِ وَسُلُوكُهُ. فَكَانَ بِذَلِكَ مَبْدَأَ اَلنَّشْأَةِ هُوَ وَضْعُ اَلدَّافِعِيَّة لِخَوْضِ مُسْتَلْزَمَاتِ مَبْدَأِ اَلْمَعَاشِ. مَبْدَأُ اَلْمَعَاشِ فِي أَيْنَ: هِيَ اَلْغَايَةُ مِنْ اَلْوُجُودِ اَلْمَعَاشِ وَعِيشَةِ اَلْإِنْسَانِ لَا تَعْنِي اَلْمَأْكَلَ وَالْمَشْرَبَ وَالْمَسْكَنَ وَتَلْبِيَةَ اَلْغَرَائِزِ وَإِشْبَاعِهَا، تِلْكَ وَسَائِلُ اَلْعَيْشِ وَلَيْسَتْ غَايَةً، فَالْقَلَقُ وَالْحَيْرَةُ اَلَّتِي تُصِيبُ اَلْإِنْسَانَ مَا عَلَتْهَا ؟ وَمَا سَبَّبَهَا مَعَ وَفْرَةِ وَسَائِلِ اَلْعَيْشِ اَلَّتِي قَدْ تَصِلُ إِلَى حَالِ اَلْإِشْبَاعِ ؟ هِيَ حَالُ اَلْجُوعِ اَلْوِجْدَانِيِّ وَالْفَرَاغِ اَلرُّوحِيِّ فَحَدَثَ عَدَمُ اَلِاتِّزَانِ فِي شَخْصِيَّةِ اَلْإِنْسَانِ، فَالْكَائِنُ اَلْحَيُّ اَلْمُكَلَّفُ هُوَ مُكَوَّنٌ مِنْ رُوحٍ وَمَادَّةً، مِنْ جَسَدٍ تُلَبَّى حَاجِيَّاتُهُ اَلطَّبِيعِيَّةُ وَرُوحٌ لَا تَهْنَأُ إِلَّا بِالِاتِّصَالِ بِخَالِقِهَا وَبَارِئِهَا وَمَا أَوْدَعَ فِيهَا مِنْ فِطْرَةٍ، وَقَالَ اَلسَّعْدِي فِي تَعْرِيفِهَا: « هِيَ اَلْخِلْقَةُ اَلَّتِي خَلَقَ اَللَّهُ عِبَادَهُ عَلَيْهَا وَجَعْلِهِمْ مَفْطُورِينَ عَلَيْهَا وَعَلَى مَحَبَّةِ اَلْخَيْرِ وَإِيثَارِهِ وَكَرَاهِيَةِ اَلشَّرِّ وَدَفْعِهِ ، وَفِطْرُهُمْ حُنَفَاء مُسْتَعِدِّينَ لِقَبُولِ اَلْخَيْرِ وَالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ»[10] . وَالِانْقِيَادُ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْعُبُودِيَّةِ وَأَوَّلِ مَقَامَاتهَا اَلتَّوْحِيدَ، وَهُوَ اَلدِّينُ عِنْدَ اَللَّهِ فَلَا يَقْبَلُ غَيْرَهَا مِنْ اَلْأَدْيَانِ، وَهُوَ دَعْوَةُ جَمِيعِ اَلْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، قَالَ تَعَالَى :﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (اَلرُّوم : 30 ) . اَلْأَصْلُ فِي اَلْبَشَرِيَّةِ هُوَ اَلْإِسْلَامُ وَالتَّوْحِيدُ، فَمَبْدَأُ اَلْمَعَاشِ يَقُومُ عَلَى قَاعِدَتَيْ اَلِاسْتِخْلَافِ اَلْوُجُودِيِّ – أَمَانَةُ اَلتَّكْلِيفِ أَيْ اَلْإِصْلَاحِ – ؛ وَالِاسْتِعْمَارُ اَلْأَرْضِيُّ – وَهُوَ مَطْلَبُ اَلتَّرْبِيَةِ – كَدَلَالَةِ فِعْلٍ وَأَثَرٍ مُجَسَّدٍ يُرَادُ مِنْهَا اَلسَّعْيُ إِلَى تَحْقِيقِ صَلَاحِ اَلْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ. وَذَاكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَزْكِيَةِ اَلنَّفْسِ « وَهِيَ صَلَاحُ اَلْإِنْسَانِ بِطَهَارَتِهِ مِنْ اَلسُّوءِ وَالْبَاطِلِ، وَارْتِقَائِهِ فِي اَلْخَيْرِ وَالْحَقِّ »[11]. وَطَهَارَةُ اَلْإِنْسَانِ مِنْ اَلسُّوءِ تَشْمَلُ طَهَارَةَ عَمَلِهِ وَطَهَارَةِ قَوْلِهِ، وَتَشْمَلَ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ ، تَشْمَلَ طَهَارَةَ عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ وَجَسَدِهِ، وَتَشْمَلَ طَهَارَةُ اِعْتِقَادَاتِهِ وَأَفْكَارِهِ وَنِيَّاتِهِ وَرَغَبَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَتَشْمَلَ طَهَارَتُهُ مِنْ اَلتَّأَثُّرِ بِمَا حَوْلَهُ مِنْ بِيئَةٍ فَاسِدَةٍ وَوَسْوَسَةِ شَيْطَانِيَّةٍ. وَهَذَا كُلُّهُ عَلَيْهِ مَدَارُ مَبْدَأِ اَلْمَعَاشِ اَلَّذِي يَتَحَقَّقُ فِي صَلَاحِ اَلنَّفْسِ بِتَزْكِيَتِهَا بِطَرِيقِي اَلتَّطْهِيرِ وَالتَّرْقِيَةِ؛ فَإِذَا أَرَادَ اَلْإِنْسَانُ أَنْ يُطَهِّرَ نَفْسَهُ؛ يُطَهِّرُهَا اَلْمُعْتَقَدُ اَلصَّحِيحُ، يُبْعِدُهَا مِنْ اَلِاقْتِرَابِ مِنْ اَلْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ وَالرِّيَاءِ، وَأَمْرَاضَ اَلْقُلُوبِ، اَلْمُفْضِيَةَ إِلَى اَلْمَعْصِيَةِ كَبِيرَهَا وَصَغِيرِهَا، وَتَجَنُّبَ طُرُقِ اَلْجَهْلِ وَالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ. وَإِذَا أَرَادَ اَلْإِنْسَانُ أَنْ يَرْقِيَ نَفْسَهُ؛ يَرْقِيهَا بِالْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ، بِالسَّرِيرَةِ اَلصَّادِقَةِ عَنْ طَرِيقِ اَلْعَلَمِ اَلنَّافِعِ كَمْنَجْ مَعْرِفِي، يُرَسِّخَ فِي اَلنَّفْسِ حُبَّ اَلْعَمَلِ اَلصَّالِحِ، لِبُلُوغِ اَلسُّلُوكِ اَلسَّوِيِّ اَلْمُؤَطَّرِ بِالْخَلْقِ اَلْحَسَنْ وَالْمُعَامَلَاتُ اَلْمَشْرُوعَةُ.

 

 اَلْقَاعِدَةُ اَلْأُولَى :

اَلِاسْتِخْلَافُ اَلْوُجُودِيُّ هُوَ اَلنِّيَابَةُ وَالْوِكَالَةُ[12]، بِجَعْلِ اَلْإِنْسَانِ مُكَلَّفًا بِحَمْلِ أَمَانَةِ اَلطَّاعَةِ وَإِعْمَارِ اَلْأَرْضِ صَلَاحًا لَا إِفْسَادًا، وَيَنْقَسِمَ مِنْ حَيْثُ اَلْقَصْدُ اَلْوُجُودِيُّ لِلِاسْتِخْلَافِ إِلَى اِسْتِخْلَافِ تَكْلِيفٍ وَأَمَانَةٍ؛ بِجَعْلِ اَلْإِنْسَانِ مُكَلَّفٍ بِالطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَاسْتِخْلَافَ حُكْمٍ وَإِمَارَةٍ؛ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا تَسِيرَا وَتَدْبِيرًا.

-اِسْتِخْلَافُ تَكْلِيفٍ وَأَمَانَةٍ : فَإِرَادَةُ اَللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ قَضَتْ أَنْ يَحْمِلَ أَحَدُ مَخْلُوقَاتِ اَللَّهِ: اَلْإِنْسَانُ، اَلسَّمَوَاتُ، اَلْأَرْضُ، اَلْجِبَالُ، أَمَانَةُ اَلتَّكْلِيفِ بِالطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾”عَرْضُ تَخْيِيرٍ لَا تَحْتِيمٌ، وَأَنَّكَ إِنَّ قُمْتَ بِهَا وَأَدَّيْتَهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَلَكُ اَلثَّوَابِ، وَإِنْ لَمْ تَقُومِي بِهَا، وَلَمْ تُؤَدِّيهَا فَعَلَيْكَ اَلْعِقَابُ ﴿ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾  أَيْ : خَوْفًا أَنَّ لَا يَقُمْنَ بِمَا حَمَلْنَ، لَا عِصْيَانًا لِرَبِّهِنَّ، وَلَا زُهْدًا فِي ثَوَابِهِ، وَعَرْضُهَا اَللَّهُ عَلَى اَلْإِنْسَانِ، عَلَى ذَلِكَ اَلشَّرْطِ اَلْمَذْكُورِ، فَقَبْلُهَا، وَحَمَّلَهَا مَعَ ظُلْمَةِ وَجَهْلِهِ، وَحَمَّلَ هَذَا اَلْحِمْلِ اَلثَّقِيلِ ﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾؛ فَانْقَسَمَ اَلنَّاسُ – بِحَسَبَ قِيَامِهِمْ بِهَا وَعَدَمِهِ – إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُنَافِقُونَ، أَظْهَرُوا أَنَّهُمْ قَامُوا بِهَا ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، وَمُشْرِكُونَ، تَرَكُوهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَمُؤْمِنُونَ، قَائِمُونَ بِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنٍ “[13]. وَهَذَا اَلتَّكْلِيفُ يَشْمَلُ كُلٌّ مِنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ اَلتَّكْلِيفِ لِلْقِيَامِ بِوَاجِبِ اَلطَّاعَةِ وَحَمَّلَ اَلْأَمَانَةَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ جَزَاءٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءُ فِي أَرْضِهِ وَقَدْ مَلَكَكُمْ مَقَالِيدَ اَلتَّصَرُّفِ فِيهَا وَسُلِّطَكُمْ عَلَى مَا فِيهَا وَأَبَاحَ لَكُمْ مَنَافِعِهَا لِتَشْكُرُوهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَةِ[14]. وَهُوَ تَعَاهُدُ بَيْنَ اَلْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ عَلَى تَنْفِيذِ عَهْدٍ يَتَرَتَّبُ عَنْهُ جَزَاءٌ أَيْ أَنَّهُ وَضْعٌ اِخْتِبَارِيٌّ مَكَانَهُ اَلدُّنْيَا تَقُومُ فِيهِ اَلْأَفْعَالُ وَالْأَقْوَالُ، فَيَنْظُرُ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى اَلتَّصَرُّفَاتِ اَلْإِرَادِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ اَلصِّحَّةُ أَوْ اَلْفَسَادِ، قَالَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كيفَ تَعْمَلُونَ »[15].

اِسْتِخْلَافُ حُكْمٍ وَإِمَارَةٍ : يَأْتِي لِتَنْظِيمِ وَخَلْقِ اَلْوَحْدَةِ وَعَدَمِ اَلْفِرْقَةِ وَإِقَامَةِ اَلْعَدْلِ وَإِعْطَاءِ اَلْحَقِّ فِي اَلْمُجْتَمَعِ لِسِيَاسَةِ أُمُورِ اَلدُّنْيَا وَالسَّهَرِ عَلَى أَحْوَالِ اَلرَّعِيَّةِ فَجَعَلَ اَلْخَلِيفَةُ ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ ( ص: 26 ). وَهِيَ تَوْجِيهَاتٌ تَدْبِيرِيَّةٌ لِلشُّؤُونِ اَلدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، يَقُومَ بِهَا اَلْخَلِيفَةُ لِأَدَاءِ مَا وَكَّلَ بِهِ تُجَاهَ اَلرَّعِيَّةِ أَيْ أَنَّهُ وَضَعَ تَدْبِيرِيَ، يُسْنِدَ إِلَى ” مِنْ أَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنْ اَلْمُنْكَرِ هُوَ خَلِيفَةُ اَللَّهِ فِي اَلْأَرْضِ وَخَلِيفَةِ كِتَابِهِ وَخَلِيفَةِ رَسُولِهِ “[16]. وَيُحَدِّدَ اَلْإِمَامْ عَلِي اِبْنُ أَبِي طَالِبْ كَرَّمَ اَللَّهُ وَجْهَهُ هَذَا اَلْمَنْهَجِ اَلتَّدْبِيرِيِّ بِالْقَوْلِ: « إِلَّا أَنَّ اَلْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ، وَمِنْ مُؤْتَمَنٍ يَصْلُحُ لِحَمْلِ اَلْحَقِّ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ لِأَشْبَاهِهِ مِنْ اَلنَّاسِ فَيَزْرَعهُ فِي قُلُوبِهِمْ : قُلُوبُ تَحَمُّلِ ذَلِكَ اَلْعَلَمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا تَحْقِيقًا لَهُ … أُولَئِكَ خُلَفَاءَ اَللَّهِ فِي أَرْضِهِ »[17].

وَهُوَ اِسْتِخْلَافُ عَامٍ يَدْخُلُ تَحْتَهُ جَمِيعُ اَلْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَنَتِيجَةَ مَجْمُوعِ هَذِهِ اَلتَّصَرُّفَاتِ وَالسَّلُوكَاتْ مِنْ اَلْخُلُقِ اَلْمُكَلَّفِ بِقَصْدِ تَوْجِيهِهِمْ لِمَا يُحَقِّقُ صَلَاحَ أَنْفُسِهِمْ وَصَلَاحْ اَلْمُجْتَمَعِ يَتَحَدَّدُ مَعْنَى اِسْتِخْلَافِ حُكْمٍ وَإِمَارَةٍ وَهُوَ اَلْوَضْعُ اَلتَّدْبِيرِيُّ بِخَلْقِ اَلنِّظَامِ وَالسَّهَرِ عَلَى تَسِيرُ شُؤُونَ اَلرَّعِيَّةِ دِينَا وَدُنْيَا. وَاسْتِنْبَاطًا لِمُقْتَضَيَاتِ اَلِاسْتِخْلَافِ اَلْوُجُودِيِّ مِنْ حَيْثُ وَضْعُ اَلتَّكْلِيفِ فَهُوَ يَتَّسِمُ بَسْمَتَانْ هَمًّا :

اَلِاسْتِخْلَافُ اَلْوُجُودِيُّ: لَهُ سِمَتَانِ اَلْمَكَانَ وَالزَّمَانَ فَإِرَادَةِ اَللَّهِ شَاءَتْ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةُ اَللَّهِ فِي اَلْأَرْضِ وَلَيْسَ اَلسُّكْنَى بِالْجَنَّةِ مَا يَعْنِي أَنَّ مَسْأَلَةَ اَلْوُجُودِ اَلِاسْتِخْلَافِيِّ مُحَدَّدٍ بِمَكَانِ وَزَمَانِ بِقَصْدِ اَلِاخْتِبَارِ وَالِامْتِحَانِ لِيُمَحِّص اَلْمُؤَمَّنَ مِنْ غَيْرِهِ .

اَلْإِسْتُوطَانْ اَلْمَكَانِيَّ: وَهُوَ جَعْلُ اَلْأَرْضِ مَكَانًا لِلِاسْتِقْرَارِ اَلدُّنْيَوِيِّ لِلْإِنْسَانِ، بِتَسْخِيرِ مَوَارِدِ اَلْأَرْضِ لِتَسْهِيلِ قُدْرَةِ اَلْعَيْشِ وَتُسَاعِدُهُ لِتَكَيُّفٍ مَعَ وَضْعِيَّاتِ اَلْحَيَاةِ مَا يَفْرِضُ عَلَيْهِ حُسْنُ اَلتَّدْبِيرِ لِهَذِهِ اَلْمَوَارِدِ اَلطَّبِيعِيَّةِ بِلَا إِسْرَافٍ أَوْ فَسَادٍ .

اَلِانْتِهَاءُ اَلزَّمَانِيُّ: هِيَ وَقْتِيَّةٌ اَلِاسْتِخْلَافِ؛ وَهَذَا يَنْسَجِمُ مَعَ دَلَالَةِ لَفْظِ اَلِاسْتِخْلَافِ، اَلنِّيَابَةُ مَا يَعْنِي اَلتَّأَقِيتْ فِيهَا وَلَيْسَ اَلتَّأْبِيدُ. فَهَذَا اَلِاسْتِخْلَافُ مُنْتَهِي بِمُرُورِ فَتْرَةٍ مِنْ اَلزَّمَانِ بِدَلَالَةِ أَنَّ إِبْلِيسَ قَالَ : ” أَوْ تَكُونَا مِنْ اَلْخَالِدِينَ “. فَهَذَا اَلْوُجُودُ اَلْإسَتْخَلَافِي يَشْهَدَ تَعَاقُبُ وَتَوَالِي اَلْأَجْيَالِ ، وَسَنَةُ اَللَّهِ قَضَتْ تَوْرِيثَ اَلْأَصْلَحِ لِلْأَرْضِ قِيَادَةً وَزَعَامَةً ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّٰلِحُونَ ﴾ ( اَلْأَنْبِيَاءُ : 104 ) وَالصَّلَاحِ مَا اِجْتَمَعَ فِيهِ اَلْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ اَلصَّالِحُ: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ ﴾، وَمِنْ اَلْعَمَلِ اَلصَّالِحِ : اَلْبَدَلُ وَالْعَطَاءُ وَالْإِنْفَاقُ مِمَّا اِسْتَخْلَفَ فِيهِ :﴿ءامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ (اَلْحَدِيدُ: 7).

وَمَا يُهَدِّدُ سَلَامَةَ اَلِاسْتِخْلَافِ مَا جَرَى نَقِيضٌ اَلْعَمَلِ اَلصَّالِحِ أَلَّا وَهُوَ اَلْإِفْسَادُ فَكُلُّ أُمَّةٍ طَغَتْ وَتَكَبَّرَتْ وَتَجَبَّرَتْ وَإِنْ بَلَغَتْ مِنْ اَلتَّقَدُّمِ اَلْمَادِّيِّ مَا بَلَغَتْ وَتَعَاطَتْ لِلْفَسَادِ وَالْإِفْسَادِ أَتَى أَمْرُ اَللَّهِ بِالِاسْتِبْدَالِ ، لِأَنَّ اَلِاسْتِخْلَافَ هُوَ نِيَابَةٌ عَنْ اَلْمَالِكِ لِلتَّصَرُّفِ فِي مُلْكِهِ عَلَى اَلْوَجْهِ اَلْحَسَنْ ، فَإِنَّ مِنْ حَقِّ اَلْمَالِكِ اَلْمُسْتَخْلَفِ أَنْ يُبَدِّلَ اَلْمُسْتَخْلَفِينَ إِذَا مَا أَخْلَوْا بِشُرُوطِ اَلِاسْتِخْلَافِ اَلْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ اَلصَّالِحِ ، وَهَذَا مَا أَكَّدَتْهُ اَلْآيَاتُ :﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ اَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ (هُودْ : 56)، ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ -اخَرِينَ﴾ (اَلْأَنْعَامُ : 134) . مَا يَعْنِي أَنَّ اَلِاسْتِخْلَافَ اَسْتُوطَانْ مَكَانِي مُحَدَّدٌ بِوُجُودٍ زَمَانِيٍّ وَأَنَّ تَعَاقُبَ اَلْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ سَنَةً رَبَّانِيَّةً وَيُلْزِمُ اَلْمُسْتَخْلَفُ اَلْقِيَامُ بِالْعَمَلِ اَلصَّالِحِ وَالسَّعْيِ إِلَى إِصْلَاحِ اَلْأَرْضِ مَا يُفْضِي إِلَى تَنْزِيلِ اَلْقَاعِدَةِ اَلثَّانِيَةِ اَلْمُتَرَتِّبَةِ عَنْ اَلِاسْتِخْلَافِ اَلْوُجُودِيِّ وَهِيَ اَلِاسْتِعْمَارُ اَلْأَرْضِيُّ .

اَلْقَاعِدَة اَلثَّانِيَةِ : اَلِاسْتِعْمَارُ اَلْأَرْضِيُّ :

اَلِاسْتِعْمَارُ اَلْأَرْضِيُّ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ اَلِاسْتِخْلَافِ اَلْوُجُودِيِّ، قَالَ تَعَالَى : ﴿  هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ (هُودْ : 61). فَفِي اَلْآيَةِ اَلْكَرِيمَةِ ذَكَرَ لَفْظُ اِسْتِعْمَارٍ وَلَيْسَ عِمَارَةَ اَلْأَرْضِ كَمَا هُوَ شَائِعٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِمَّنْ اِهْتَمَّ بِمَوْضُوعَاتِ اَلْحَضَارَةِ أَوْ اَلتَّحْلِيلِ اَلِاجْتِمَاعِيِّ، فَعِمَارَةُ اَلْأَرْضُ: أَخْدَتْ مِنْ عُمْرِ اَلْمَكَانِ أَيْ أَصْلَحَهُ وَبَنَاهُ، فِي اَلْجَانِبِ اَلْمَادِّيِّ لَكِنَّ اَلِاسْتِعْمَارَ اَلْأَرْضِيَّ يَأْتِي عَلَى اَلِاسْتِعْمَالِ اَلْمَادِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ وَهُوَ اَلْمَطْلُوبُ وَالْمُنَاسِبُ سِيَاقًا وَاسْتِعْمَالاً، وَالتَّعْرِيفُ اَلْمُخْتَارُ لِلِاسْتِعْمَارِ اَلْأَرْضِيِّ هُوَ: ” تَعْمِيرُ اَلْأَرْضِ بِالْعَمَلِ اَلصَّالِحِ اَلْمَادِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ اَلْمُؤَدِّي إِلَى تَحْقِيقِ اَلْمَصَالِحِ ، وَذَرَأَ اَلْمَفَاسِدَ لِتَيْسِيرِ اَلْحَيَاةِ اَلطَّيِّبَةِ وَنَيْلِ مَرْضَاةِ اَللَّهِ ” . وَالِاسْتِعْمَارُ اَلْأَرْضِيُّ لَهُ دَلَالَةٌ مُنَاسِبَةٌ لِسِيَاقِ اَسْتُوطَانْ اَلْإِنْسَانُ لِلْأَرْضِ لِسَبْقِ وُجُودِ خَلْقٍ فِي اَلْأَرْضِ بِدَلَالَةِ أَنَّ اَلْمَلَائِكَةَ فِي مَعْرِضِ اَلِاسْتِفْسَارِ عَنْ اَلْحِكْمَةِ مِنْ جَعْلِ اَلْإِنْسَانِ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ اِسْتَدَلَّتْ بِمَا وَقَعَ سَلَفًا مِنْ سَفْكِ اَلدِّمَاءِ فِي اَلْأَرْضِ بَيْنَ مَخْلُوقَاتٍ أُلَحِّنُ وَالْمَنُّ، وَالْفِرَقُ بَيْنَ اَلِاسْتِعْمَارِ اَلْأَرْضِيِّ وَالِاسْتِعْمَارِ اَلْإِنْسَانِيِّ، فَكِلَاهُمَا حُلُول بِالْأَرْضِ لِاسْتِغْلَالِ مَوَارِدِهَا وَيُخْتَلَفَانِ كَوْن اَلْأَوَّلِ اِسْتَعْمَرَ اَلْأَرْضَ بَعْد فِنَاءِ مَنْ كَانَ يَسْكُنُهَا، وَالثَّانِي هُوَ غَزْوٌ وَاسْتِعْبَادُ وَقَهْرُ مَنْ كَانَ يَسْكُنُهَا، وَعَلَيْهِ يَكُونُ اَلِاسْتِعْمَارُ اَلْأَرْضِيُّ هُوَ مِمَّنْ مُقْتَضَى اَلِاسْتِخْلَافِ اَلْوُجُودِيِّ وَالسَّعْيِ إِلَى اَلْإِصْلَاحِ بِمَا يَنْفَعُ اَلْخُلُقُ وَيُرْضِي اَلْخَالِقُ.                             أَشْكَالُ اَلِاسْتِعْمَارِ اَلْأَرْضِيِّ : تَتَنَوَّعَ بِحَسَبِ اَلْقَصْدِ وَالْمُعْتَقَدِ، فَنَوَّعَ اَلْبِيئَةَ يُحَدِّدُ اَلطَّابَعُ اَلْعَامُّ لِلْحَضَارَةِ وَتَوَجَّهَ اَلْعَقْلُ وَالْإِرَادَةُ اَلْجَمَاعِيَّةُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَوْسُومَةٍ بِالتَّحَضُّرِ، فَهُنَاكَ مِنْ اَلْحَضَارَاتِ مِنْ اِهْتَمَّتْ بِالزِّرَاعَةِ وَأُخْرَى بِالصَّيْدِ أَوْ اَلرَّعْيِ، مَا يَعْنِي أَنَّ نَوْعَ اَلْمُنَاخِ اَلْبِيئِيِّ اَلسَّائِدِ هُوَ اَلْمُحَدَّدُ لِطَبِيعَةِ اَلَّتِي سَتَكُونُ عَلَيْهَا هَذِهِ اَلْحَضَارَةِ، وَشَيَّدَتْ كُلَّ أُمَّةِ وَسَائِلِ اَلْحِفَاظِ عَلَى مَوْرِدِهَا اَلطَّبِيعِيِّ اَلْغَالِبِ، فَكَانَ مِنْ اَلْحَضَارَاتِ مَنْ اِهْتَمَّ بِالْجَانِبِ اَلْأَمْنِيِّ بِبِنَاءِ اَلْحُصُونِ أَوْ اَلْجَانِبِ اَلْغِذَائِيِّ بِإِنْشَاءِ اَلسُّدُودِ .

اَلْجَانِب اَلْمَعْنَوِيِّ وَالْمَادِّيِّ لِلِاسْتِعْمَارِ اَلْأَرْضِيِّ: اِهْتَمَّ اَلْإِسْلَامُ بِتَرْبِيَةِ نَفْسِ اَلْإِنْسَانِ أَوَّلاً، وَتَزْكِيَةُ إِيمَانِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَتَعْزِيزَ رُوحِ اَلتَّضْحِيَةِ وَالْجِهَادِ فِي اَلنَّفْسِ اَلْإِنْسَانِيَّةِ حَتَّى تَسْمُوَ إِلَى عَوَالِمِ اَلْإِيثَارِ، فَالِاسْتِعْمَارُ اَلْمَعْنَوِيُّ لِلنُّفُوسِ هُوَ اَلْأَسَاسُ اَلَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ اَلِاسْتِعْمَارُ اَلْأَرْضِيُّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نُؤَسِّسَ لِحَضَارَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ إِلَّا بِإِعْمَارِ وَتَزْكِيَةِ اَلْجَانِبِ اَلْخُلُقِيِّ وَالْإِنْسَانِيِّ فِيهَا، قَالَ تَعَالَى :﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ  ﴾  ( اَلرُّومُ : 8 ) .       اَلْقَصْدُ وَالْغَايَةُ مِنْ اَلِاسْتِعْمَارِ اَلْأَرْضِيِّ : أَرَادَ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ اَلِاسْتِخْلَافُ عَلَى مُقْتَضَى أَسَاسِ اَلْإِصْلَاحِ وَإِقَامَةِ اَلْعَدْلِ بَيْنَ اَلنَّاسِ وَالْحِفَاظِ عَلَى اَلنَّوْعِ اَلْإِنْسَانِيِّ بِالزَّوَاجِ وَتَأْسِيسِ أُسْرَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ وَتَحْقِيقِ اَلتَّعَارُفِ بَيْنَ اَلْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ ، وَمِنْ هَذِهِ اَلْغَايَاتِ وَالْأَهْدَافِ وَالْمَقَاصِدِ :

أ – عِبَادَةُ اَللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ : أَوَّلُ مَا دَعَا إِلَيْهِ اَلْأَنْبِيَاءُ أَقْوَامَهُمْ تَوْحِيدَ اَللَّهِ، فَالْإِنْسَانُ مَهْمَا بَلَغَ مِنْ رُقِّيَ حَضَارِيٌّ فَلَا تَسْتَقِيمُ أَحْوَالَهُ إِلَّا بِعِبَادَةِ رَبِّهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾  (اَلذَّارِيَاتُ: 56).

ب – إِصْلَاحُهَا بِالْعَمَلِ اَلصَّالِحِ : قَالَ تَعَالَى:﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾( اَلْأَنْبِيَاءُ : 104 )؛ فَدَاوُد عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ وَرِثَ اَلْأَرْضَ لِأَنَّهُ مِنْ عِبَادِ اَللَّهِ اَلصَّالِحِينَ صَلَاحِ طَاعَةٍ مُحَقِّقًا لِلِاسْتِخْلَافِ اَلْوُجُودِيِّ وَصَلَاحًا لِلْأَرْضِ مُحَقِّقًا لِلِاسْتِعْمَارِ اَلْأَرْضِيِّ .

وَمَا اَلَّذِي يُهَدِّدُ اَلِاسْتِعْمَارُ اَلْأَرْضِيُّ : هُوَ نَفْسُهُ اَلَّذِي يُهَدِّدُ اَلِاسْتِخْلَافُ اَلْوُجُودِيُّ مَادِمْ اَلتَّلَازُمُ قَامَ بَيْنَهُمَا فَسَفْكِ اَلدِّمَاءُ وَالْإِفْسَادُ فِي اَلْأَرْضِ هُوَ اَلَّذِي يُهَدِّدُ سَلَامَةَ كِلَيْهِمَا؛ يَقُول تَعَالَى :﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴾( يوسف:73 ). فَالْإِفْسَادُ – هُوَ أَكْبَرُ خَطَرٍ يَتَهَدَّدُ اَلْحَيَاةَ – كَجِرْمِ إِرَاقَةِ اَلدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ اَلسَّرِقَةِ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَى اَلْمُمْتَلَكَاتِ اَلْخَاصَّةِ أَوْ عَلَى مَالِكِيهَا .

فَكَيْفَ نُحَافِظُ عَلَى اَلِاسْتِعْمَارِ اَلْأَرْضِيِّ ؟ فِي سِيَاقِ أَيِّ مُعَالَجَةٍ فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إِلَى نَوْعَيْنِ تَرْبَوِيٍّ وَزَجْرِي – اَلْجَانِبُ تَرْبَوِيٌّ يَهْدِفُ إِلَى بِنَاءِ اَلسُّلُوكِ اَلْأَمْثَلِ عَبْرَ تَوْجِيهَاتٍ رَبَّانِيَّةٍ وَإِرْشَادَاتِ نَبَوِيَّةٍ وَمَوَاعِظَ بَشَرِيَّةٍ ، بِالْإِقْبَالِ عَلَى طَلَبِ اَلْعَلَمِ، لِأَنَّ اَلْإِصْلَاحَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْعِلْمِ وَالْإِخْلَاصِ فِي اَلْعَمَلِ ؛ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَوَارِدِهَا لِضَمَانِ عِمْرَانْ حَضَارِي مُسْتَدَامٍ؛ فَقَدْ حَثَّ اَلْإِسْلَامُ عَلَى بَذْلِ اَلْجُهْدِ حَتَّى فِي أَحْلَكِ اَلظُّرُوفِ ، لِزَرْعِ اَلْأَمَلِ وَنَبْدُ اَلْعَجْز وَالْخمُولْ، فَعَنْ أَنَسْ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنَّ قَامَتْ اَلسَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدكُمْ فَسِيلَةٌ ، فَإِنَّ اِسْتَطَاعَ أَنَّ لَا يَقُومُ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلِيُفْعَل »[18]. وَهَذَا كُلُّهُ يُظْهِرُ قِيمَةَ اَلتَّعَرُّفِ عَلَى مَبْدَأِ اَلْمَعَاشِ وَاَلَّذِي قِوَامِهِ قَاعِدَتَيْ اَلِاسْتِخْلَافِ اَلْوُجُودِيِّ وَالِاسْتِعْمَارِ اَلْأَرْضِيِّ.

اَلتَّشْرِيع اَلْقَانُونِيِّ وَضَعَتْ أَشَدَّ عُقُوبَةً وَأَقْسَاهَا فِي اَلْإِسْلَامِ ضِد اَلْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ . يَقُولَ تَعَالَى :﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ ( اَلْمَائِدَةُ : 33 ).

مَبْدَأ اَلْمَعَادِ إِلَى أَيْنَ :

إِنَّ اَلْإِيمَانَ بِالْيَوْمِ اَلْآخَرِ رُكْنَ مِنْ أَرْكَانِ اَلْإِيمَانِ اَلَّتِي لَا يَكْتَمِلُ إِيمَانَ اَلْعَبْدِ إِلَّا بِهَا جَمِيعًا ، وَفِي عَرَفَ اَلتَّرْبِيَةَ أَنَّ اَلْأَرْكَانَ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَقِلَّةً فِي ذَاتِهَا، فَهِيَ تَتَكَامَلُ فِيمَا بَيْنَهَا لِتُعْطِيَنَا نَسَقًا مَعْرِفِيًّا مَنْهَجِيًّا ، وَقَدْ ذَكَرَ اَلْمَصِيرُ ( اَلْيَوْمُ اَلْآخِرُ ) كَثِيرًا فِي اَلْقُرْآنِ اَلْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ اَلنَّبَوِيَّةِ ، فَتَارَةٌ يَقْرِنُ اَلْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ اَلْآخَرِ مَعَ أَرْكَانِ اَلْإِيمَانِ اَلْأُخْرَى؛ كَقَوْلِ اَلنَّبِيِّ – صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : « أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ، وَمَلَائِكَتُهُ، وَكُتُبُهُ، وَرُسُلُهُ، وَالْيَوْمُ اَلْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ »[19]، فَهَذَا اَلِاقْتِرَانُ اَلْأَوَّلُ بَيْنَ اَلْمَصِيرِ وَأَرْكَانِ اَلْإِيمَانِ يُعْطِي دَلَالَةً أَنَّ اَلتَّرَابُطَ اَلْحَاصِلَ بَيْنَ مَضَامِينَ هَذِهِ اَلْأَرْكَانِ سَتُؤَدِّي إِلَى نَتِيجَةٍ تَرْبَوِيَّةٍ أَيْ مُحَصِّلَةُ اَلْمَعَارِفِ تُفْضِي إِلَى خُلَاصَةٍ تَقْرِيرِيَّةٍ لِلسُّلُوكِ اَلْمُتَّبَعِ إِثْرَ اَلِامْتِثَالِ أَوْ عَدَمِهِ مِنْ مَعَانِي مَجْمُوعِ اَلْأَرْكَانِ ، إِذْ يَتَحَدَّدُ اَلْجَزَاءُ بِنَاءً عَلَى مَدَى اَلِاسْتِجَابَةِ اَلْمَعْرِفِيَّةِ إِمَّا خَيْرًا أَوْ عَكْسِ ذَلِكَ . إِذْنُ اَلْمَعْرِفَةِ فِي هَذَا اَلِاقْتِرَانِ هِيَ مَعْرِفَةُ تَقْرِيرٍ.

وَتَارَة يَقْرِن بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ – تَعَالَى – ؛ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ  :﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (اَلتَّوْبَةُ : 29). وَهَذَا اَلتَّلَازُمُ بَيَّنَ بَيْنَ اَلْإِيمَانِ ( اَلْمَعْرِفَةُ اَلْمَطْلُوبَةُ فِي مَبْدَأِ اَلْمَعَاشِ ) وَالْمَصِيرِ ( كَمَعْرِفَةِ تَقْوِيمٍ فِي مَبْدَأِ اَلْمَعَادِ ) هِيَ غَايَةٌ اَلْمَبْدَأَيْنِ اَلْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَفِي نَفْسِ اَلْوَقْتِ حَافِز وِجْدَانِيٍّ وَرُوحِيٍّ يَدْفَعُ اَلْإِنْسَانُ إِلَى تَزْكِيَةِ اَلنَّفْسِ وَتَصْحِيحِ اَلْعَمَلِ لِنَيْلِ اَلْجَزَاءِ اَلْمَادِّيِّ اَلْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ وَنَيْلِ اَلِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ رِضَا اَللَّهِ عَزُوجَلْ. إِثْبَاتُ قَضِيَّةِ اَلْبَعْثِ هُوَ تَأْكِيدٌ لِحَقِيقَةِ مَبْدَأِ اَلْمَصِيرِ اَلَّتِي يَتَشَكَّلُ مِنْ سِلْسِلَةِ أَحْدَاثٍ: اَلْبَعْثُ ( اَلْوُجُودُ )، اَلْحَشْرُ ( اَلنِّظَامُ )، اَلْمِيزَانُ ( اَلتَّقْوِيمُ )، اَلصِّرَاطُ ( تَذْكِيرٌ بِصِرَاطِ اَلدُّنْيَا )، اَلْجَنَّةُ وَالنَّارُ ( اَلْجَزَاءُ ) وَالْبُرْهَانُ عَلَى وُجُودٍ وَحَقَّقَ اَلْبَعْثُ مَا جَاءَ بِهِ اَلْمَنْهَجُ اَلِاسْتِدْلَالِيُّ اَلْوَارِدُ فِي اَلْقُرْآنِ اَلْكَرِيمِ وَاَلَّذِي يَتَحَدَّدُ بِبُرْهَانَيْنِ اِثْنَيْنِ:

– اَلْأَوَّلَ اَلْبُرْهَانَ اَلْيَقِينِيَّ اَلْغَيْبِيَّ؛ سُؤَالَ إِبْرَاهِيمْ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ لِرَبِّهِ عَنْ كَيْفِيَّةِ إِحْيَاءِ اَلْمَوْتَى أَيْ اَلْكَشْفِ عَنْ مَرْحَلَةِ اَلِانْتِقَالِ مِنْ اَلْعَدَمِ إِلَى اَلْوُجُودِ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى :﴿وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْـمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ( اَلْبَقَرَةُ : 260)

فَدَلَالَةُ اَلْخِطَابِ هُنَا أَنَّ إِبْرَاهِيمْ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ خَاطَبَ رَبُّهُ سَائِلاً إِيَّاهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَاءِ اَلْمَوْتَى عِيَانًا، فَسَأَلَهُ رَبُّهُ، وَهُوَ أَعْلَم بِهِ عَنْ إِيمَانِهِ، حَيْثُ يَدُلُّ ظَاهِرٌ اَلسُّؤَالِ عَلَى وُجُودِ خَوَاطِرَ فِي اَلْقَلْبِ حَوْلَ هَذِهِ اَلْمَسْأَلَةِ، فَأَجَابَهُ إِبْرَاهِيمْ بِبَقَاءِ إِيمَانِهِ، وَأَنَّهُ بِسُؤَالِهِ يُرِيدُ أَنْ يُطَمْئِنَ قَلْبُهُ حَتَّى لَا تَغَلُّبَهُ تِلْكَ اَلْخَوَاطِرِ اَلْعَارِضَةِ، فَأَمَرَهُ اَللَّهُ تَعَالَى اَلْقِيَام بِالتَّجْرِبَةِ اَلْحِسِّيَّةِ أَنْ يَأْخُذَ أَرْبَعَةَ أَجْنَاسِ مِنْ اَلطَّيْرِ، ثُمَّ يَذْبَحُهَا وَيَقْطَعُهَا أَشْلَاءً ثُمَّ يَجْعَلُ هَذِهِ اَلْأَشْلَاءِ فَوْقَ عَدَدٍ مِنْ اَلْجِبَالِ مُوَزَّعَةً عَلَيْهَا، وَأَمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدْعُوَ اَلْأَجْنَاسَ مِنْ اَلطَّيْرِ اَلْمُمَزَّقَةِ فَتَلْتَئِم ثُمَّ تَأْتِيهُ مُسْرِعَةً كَهَيْئَتِهَا قَبْلِ أَنْ يَذْبَحَهَا؛ لِيَرَى بِأُمِّ عَيْنَيْهِ إِمْكَانِيَّةَ إِحْيَاءِ اَلْمَوْتَى . وَقَدْ ذَكَرَ اَلْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرْ اَلطَّبَرِي رَحِمَهُ اَللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ اِخْتِلَافَ اَلسَّلَفِ فِي سَبَبِ سُؤَالِ إِبْرَاهِيمْ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ، وَيُمْكِنَ تَلْخِيصُ مَا ذَكَرَهُ فِي أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ[20]:

اَلْقَوْل اَلْأَوَّلِ: أَنَّهُ سَأَلَ هَذَا اَلسُّؤَالِ بِغَرَضِ اَلْحُصُولِ عَلَى عَيْنِ اَلْيَقِينِ، بَعْدُ أَنْ تَوَافَرَ فِي قَلْبِهِ عِلْمَ اَلْيَقِينِ.

اَلْقَوْلُ اَلثَّانِي: أَنَّ هَذَا اَلسُّؤَالِ بِسَبَبِ اَلْمُنَاظَرَةِ وَالْمُحَاجَّةِ اَلَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلنَّمْرُودْ فِي ذَلِكَ، حَيْثُ تَاقَ قَلْبُهُ لِمُعَايَنَةِ اَلْأَحْيَاءِ، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ.

اَلْقَوْلُ اَلثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا اَلسُّؤَالِ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبَ إِبْرَاهِيمْ بِاصْطِفَاءِ اَللَّهِ لَهُ خَلِيلاً ، فَسَأَلَ رَبُّهُ أَنْ يُرِيَهُ عَلَامَةً عَاجِلَةً تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.

اَلْقَوْلُ اَلرَّابِعُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ شَك فِي قُدْرَةِ اَللَّهِ عَلَى إِحْيَاءِ اَلْمَوْتَى، عِلْمًا أَنَّ « اَلشَّكَّ » هُنَا لَيْسَ هُوَ اَلشَّكُّ اَلَّذِي يَذْكُرُهُ اَلْأُصُولِيُّونَ، وَاَلَّذِي يَعْنِي اَلتَّوَقُّفُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى اَلْآخَرِ؛ كَمَا نَبَّهَ إِلَى ذَلِكَ اِبْنْ عَطِيَّة رَحِمَهُ اَللَّهُ[21]، وَإِنَّمَا هُوَ اَلْخَوَاطِرُ اَلشَّيْطَانِيَّةُ اَلْعَارِضَةُ. قَالَ اِبْنْ عَاشُورْ رَحِمَهُ اَللَّهُ: « وَبِهَذَا يَتَّضِحُ وَجْهَ تَعْقِيبِ هَذِهِ اَلْآيَاتِ بِآيَةٍ :﴿ أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ (اَلْبَقَرَةُ : 258) ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ﴾ (اَلْبَقَرَةُ : 259 )﴿ وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْـمَوْتَى﴾  (اَلْبَقَرَةُ : 260 ) فَإِنَّ جَمِيعَهَا جَاءَ لِبَيَانِ وُجُوهِ اِنْجِلَاءِ اَلشَّكِّ وَالشُّبُهَاتِ عَنْ أَوْلِيَاءِ اَللَّهِ تَعَالَى اَلَّذِينَ صَدَّقَ إِيمَانُهُمْ »[22]. فَهَذَا تَوْجِيهٌ تَرْبَوِيٌّ مُفَادَهُ أَنَّ اَلْخَوَاطِرَ وَالشُّبُهَاتِ وَالْوَسَاوِسَ وَالْأَفْكَارَ مِمَّا يَتَسَلَّطُ بِهِ اَلشَّيْطَانُ عَلَى عِبَادِهِ اَلصَّالِحِينَ، مَهْمَا عَلَتْ مَنَازِلَهُمْ، فَهْمُ بِحَاجَةٍ دَائِمَةٍ إِلَى اَلتَّخَلُّصِ مِنْهَا بِبَرْدِ اَلْيَقِينِ وَمُعَايَنَةِ اَلْحَقِيقَةِ، لَا اَلْكَبْتُ وَلَا اَلْأَعْرَاضُ وَلَا اَلِاسْتِدْلَالُ بِوُجُودِهَا عَلَى سُوءِ حَالِ حَامِلِهَا. فَهَذَا إِبْرَاهِيمْ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ كَمَا يَقُولُ عَطَاءْ بْنْ أَبِي رَبَاحْ: « دَخَلَ قَلْبُهُ بَعْضَ مَا يَدْخُلُ قُلُوبَ اَلنَّاسِ»[23]، أَيْ مِنْ اَلْخَوَاطِرِ اَلَّتِي فِي اَلْأَصْلِ لَمْ تُغَيِّرْ يَقِينَ إِبْرَاهِيمْ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ وَإِنَّمَا كَبَحْثٍ عَنْ اَلْحَلِّ لِمُشْكِلٍ مَعْرِفِيٍّ وَعَقْدِيٍّ لِكُلِّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَحَقَّقَ مِنْ وُجُودِ عَالَمِ اَلْغَيْبِ أَوْ مَبْدَأِ اَلْمَصِيرِ. وَالْمُعْطَى اَلتَّرْبَوِيُّ اَلْمُسْتَفَادُ هُوَ اَلتَّعَاطِي اَلْإِيجَابِيُّ مَعَ أُولَئِكَ اَلَّذِينَ طَفَتْ عَلَى قُلُوبِهِمْ خَوَاطِر وَوَسَاوِس وَأَفْكَارٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَصْدُرَ مِنْ أَمْثَالِهِمْ، بِرَحْمَةٍ وَعَطْفِ وَحُجَّةِ بَيِّنَةٍ وَمِصْدَاقِيَّةٍ فِي اَلطَّرْحِ، لِتَزُولَ هَذِهِ اَلْوَسَاوِسِ وَالْأَفْكَارِ عَنْ قُلُوبِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلْيَنْدَحِر اَلْفِكْرَ اَلسَّلْبِيَّ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا اَلْبَيَانِ اَلْبُرْهَانِيِّ قَدْ يَأْتِي بِاعْتِرَاضِ مَبْنَاهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمْ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ اِنْتَقَلَ مِنْ عِلْمِ اَلْيَقِينِ بِحُدُوثِ اَلْبَعْثِ إِلَى عَيْنِ اَلْيَقِينِ فِي إِحْيَاءِ اَلْمَوْتَى عَنْ طَرِيقِ اَلْمُعْجِزَةِ اَلْحِسِّيَّةِ وَهَذَا اَلْأَمْرُ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِغَيْرِهِ كَإِنْسَان لَا يَتَّصِفُ بِالنُّبُوَّةِ مِمَّنْ يَحْمِلُ خَوَاطِرَ اَلشَّكِّ أَوْ شُبُهَاتٍ يُرِيدُ تُجْلِي حَقِيقَتَهَا، فَهَذَا اَلتَّنَاوُلُ اَلْمَنْهَجِيُّ عَالَجْتُهُ اَلنُّصُوصَ اَلْقُرْآنِيَّةَ مِنْ خِلَالِ إِيرَادِ اَلدَّلِيلِ اَلْعَقْلِيِّ عَلَى وُجُودِ اَلْبَعْثِ وَهُوَ اَلْأَمْرُ اَلثَّانِي مِنْ اَلْمَنْهَجِ اَلِاسْتِدْلَالِيِّ اَلْمُسَمَّى اَلْبُرْهَانِ اَلْعَقْلِيِّ اَلذَّاتِيِّ .

– اَلثَّانِيَ اَلْبُرْهَانَ اَلْعَقْلِيَّ اَلذَّاتِيَّ :

قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى :﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم * قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيم ﴾ (يس:77ـ 79)، ” قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : إِنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أَتَى النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِعَظْمٍ حَائِلٍ [ قَدْ بَلِيَ] فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، أَتُرَى اللَّهُ يُحْيِي هَذَا بَعْدَ مَا قَدْ رَمَّ ؟ فَقَالَ : ” نَعَمْ ، وَيَبْعَثُكَ وَيُدْخِلُكَ النَّار”[24]، فَمِنْ اَلْوَاضِخْ أَنَّ اَلسَّائِلَ أَوْرَدَ أَشْكَالاً بِقَصْدَ اَلتَّحَدِّي وَقَبْلَ عَرْضِ اَلْإِجَابَةِ وَالتَّوْضِيحِ يُلَاحِظُ أَنَّ هَذِهِ اَلْآيَاتِ اَلَّتِي تَكْشِفُ عَنْ مُشَكَّلٍ فِي أَذْهَانِ مُنْكِرِي اَلْبَعْثِ قَدْ اِسْتَهَلَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾(يس:71). وَهُوَ تَذْكِيرٌ قَبَلِيٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ يَشُكُّ فِي أَمْرِ اَلْبَعْثِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَطْوَارْ خَلْقَ اَلنَّفْسِ ، فَالْحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُوَجِّهُ مِنْ حَكَمُوا عَلَى أَنَّ بَعْدَ اَلْمَوْتِ لَا تُوجَدُ حَيَاةٌ إِلَى قَضِيَّةِ اَلتَّسَلْسُلِ اَلْمَنْطِقِيِّ بَيْنَ اَلْعَدَمِ وَالْوُجُودِ فَقَبِلَ اَلْوُجُودُ (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) سَبَقَ ذَلِكَ اَلْعَدَمِ ، فَمِنْ أَخْرَجَ اَلْخُلُقُ مِنْ اَلْعَدَمِ إِلَى اَلْوُجُودِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُسَبِّبٍ أَحْدَثَ ذَلِكَ، وَهَذَا مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ اَللَّهِ تَعَالَى أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿ قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيم ﴾ (يس:77ـ 79)، فَالنَّشْأَةُ اَلْأَوْلَى بِحَسَبَ مِعْيَارِ اَلْقِيَاسِ اَلْبَشَرِيِّ أَصْعَبَ مِنْ إِعَادَةِ اَلْخُلُقِ وَالْأَمْرِ هِينْ عَلَى اَللَّهِ فَسِلْسِلَة اَلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ هِيَ ثَلَاثٌ: مِنْ اَلْعَدَمِ إِلَى اَلْوُجُودِ ( مَبْدَأُ اَلنَّشْأَةِ ) وَمِنْ اَلْوُجُودِ إِلَى اَلْعَدَمِ ( مَبْدَأُ اَلْمَعَاشِ ) وَمِنْ اَلْعَدَمِ إِلَى اَلْوُجُودِ ( مَبْدَأُ اَلْمَعَادِ).

وَعَلَيْهِ يُمْكِنُ رَصْدَ أَهَمِّ نَتَائِجِ اَلدِّرَاسَةِ كَالتَّالِي :

– يَرْمِي سُؤَالُ مِنْ أَيْنَ وَاَلَّذِي يَعْنِي مَقْصِدَ مَبْدَأِ اَلنَّشْأَةِ اَلَّذِي يَقُومُ عَلَى وَسِيلَتَيْنِ اَلتَّكْرِيمَ وَالتَّسْخِيرَ كَتَهْيِئَةٍ لِوَضْعِ اَلتَّكْلِيفِ اَلْكَوْنِيِّ وَالتَّعَبُّدِيِّ. يُمَثِّلَ فِي دَلَالَتِهِ وَضْعِيَّةَ اَلتَّعَرُّفِ وَالتَّعَلُّمِ لِتَحْصِيلِ اَلْمَوَارِدِ بِشَتَّى أَنْوَاعِهَا وَأَصْنَافِهَا بِهَدَفِ اَلْفَهْمِ  وَالتَّفْسِيرِ اَلطَّوَاهِرْ اَلذَّاتِيَّةَ وَالْكَوْنِيَّةِ؛ وَجَعْلِ اَلْعَقْلِ منَاطَ اَلتَّكْلِيفِ، فَهُوَ أَسَاسُ اَلتَّفْكِيرِ وَالتَّدَبُّرِ، وَالْفَهْمُ وَالْإِدْرَاكُ، وَمُعَقَّدٌ اِسْتِنْتَاجِ اَلدَّلَالَاتِ وَاسْتِشْرَافِ اَلْمَقَاصِدِ وَالْغَايَاتِ، وَتَهْذِيبَ أَخْلَاقِهِ وَسُلُوكُهُ، فَكَانَ بِذَلِكَ مَبْدَأَ اَلنَّشْأَةِ هُوَ وَضْعُ اَلدَّافِعِيَّة لِخَوْضِ مُسْتَلْزَمَاتِ مَبْدَأِ اَلْمَعَاشِ .

– وَيَهْدِفَ سُؤَالٌ فِي أَيْنَ وَاَلَّذِي يُرَادُ بِهِ مَبْدَأُ اَلْمَعَاشِ، وَهِيَ مَرْحَلَةُ اَلْإِنْجَازِ وَالتَّنْفِيذِ فِي اَلتَّعَامُلِ مَعَ اَلظَّوَاهِرِ اَلْحَيَاتِيَّةِ وَالتَّفَاعُلَاتِ وَالْعَلَائِقِ بَيْنَ جَمِيعِ اَلْكَائِنَاتِ، بِهَدَفَ اَلتَّحْلِيلِ وَالتَّرْكِيبِ.

– حَاصِلَ اَلْمَبْدَأَيْنِ اَلسَّابِقِينَ يَأْتِي مَبْدَأَ اَلْمَعَادِ كَمَرْحَلَةٍ لِلتَّقْوِيمِ اَلْإِجْمَالِيِّ ( اَلْجَزَاءُ ) وَهُوَ نَتْجِيَّة حَتْمِيَّةً لِمَدَى اِسْتِيعَابٍ مُرَادَاتٍ مَبْدَأِ اَلنَّشْأَةِ، وَكَيْفِيَّةُ اَلتَّعَامُلِ مَعَ مُقَرَّرَاتِ مَبْدَأِ اَلْمَعَاشِ، فَفِيهِ تُقَاس قُدُرَاتُ وَمَهَارَاتُ اَلْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ عَلَى تَجَاوُزِ وَضْعِيَّاتِ اَلْحَيَاةِ، وَاَلَّتِي هِيَ إِمَّا عِبَارَةٌ عَنْ مِحَنٍ أَوْ مَنْحٍ لِاكْتِشَافِ مَدَى تَوَافُقِ اَلْإِنْسَانِ مَعَ ذَاتِهِ لِلتَّعَامُلِ مَعَ اَلْحَالَتَيْنِ اَللَّازِمَتَيْنِ فِي وُجُودِهِ، اَلسَّرَّاءُ وَالضَّرَّاءُ وَالْمُتَضَمِّنِ فِي اَلْحَدِيثِ اَلشَّرِيفِ، قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ:  «عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ»[25].

فهرس المصادر والمراجع:

1- ابن القيم الجوزية ، مفتاح السعادة، دار العهد الجديد، القاهرة، سنة : 2013م.

2- أبو الحسن الأشعري: اللمع في الرد على أهل الزيغ و البدع، تحقيق حمودة غرابة، نشر الخانجي، القاهرة ط.1، سنة: 1955م.

3- أبو الفضل جمال الدين، محمد بن مكرم بن علي بن منظور: لسان العرب، دار المعارف، القاهرة، ط. 1، سنة: 2007.

4- أبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، بيروت، ط.1، سنة: 2006م.

5- أحمد بن فارس بن زكريا: المعاجم والقواميس، دار الفكر، القاهرة ، ط.1، سنة: 2007م.

6- جلال الدين السيوطي، الفتح الكبير، دار الأرقم، دمشق، سنة: 1999م.

7- سعد الدين التفتزاني: شرح المقاصد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط.1، سنة: 2001م.

8- عبد الرحمن بن ناصر السعدي: بهجة قلوب الأبرار عيون الأخبار، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض، ط.1، سنة: 2002م.

9- عبد الرؤوف المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف، تحقيق عبد الحميد صالح حمدان، عالم الكتب، القاهرة، ط.1، 1990م.

10- عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، دار المعرفة ، لبنان، سنة: 2000م.

11- عبد المجيد النجار: مراجعات في الفكر الاسلامي، دار الغرب الاسلامي، بيروت، ط.1، سنة: 2008م.

12- علال الفاسي: مقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها، دار الغرب الاسلامي، لبنان، ط.5، سنة: 1993م.

13- محمد الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، دار التونسية للنشر، تونس، ط.1، سنة: 1984م.

14- محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الاسلامية، دار الغرب الاسلامي، لبنان، ط.3، سنة 2011م.

15- محمد بن جرير بن يزيد الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن  (تفسير الطبري)، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر، القاهرة، ط.1، سنة: 2008م.

16- محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: الملل والنحل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، نشر الحلبي، القاهرة ، ط.1، سنة: 1968م.

17- فخر الدين الرازي، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب، دار الفكر، لبنان، ط.1، سنة: 1981م.

18- عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط.1، سنة: 2002م.

[1]- أستاذ باحث، المملكة المغربية.

[2]- عبد المجيد النجار: مراجعات في الفكر الاسلامي، دار الغرب الاسلامي، بيروت، ط.1، سنة: 2008م. ص137-138.

[3]- محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الاسلامية، دار الغرب الاسلامي، لبنان، ط.3، سنة 2011م. ج 3، ص 194.

[4]- علال الفاسي: مقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها، دار الغرب الاسلامي، لبنان، ط.5، سنة: 1993م ، ص 3.

[5]- أبو الفضل جمال الدين، محمد بن مكرم بن علي بن منظور: لسان العرب، دار المعارف، القاهرة، ط. 1، سنة: 2007م، ج 4، ص 353.

[6]- أحمد بن فارس بن زكريا: المعاجم والقواميس، دار الفكر، القاهرة ، ط.1، سنة: 2007م. ج 5، ص 95.

[7]- سعد الدين التفتزاني: شرح المقاصد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط.1، سنة: 2001م. ج 1، ص 22-24.

[8]- أبو الحسن الأشعري، اللمع في الرد على أهل الزيغ و البدع، تحقيق حمودة غرابة، القاهرة، ط.1، سنة: 1955م، ص 72.

[9]- محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، نشر الحلبي، القاهرة ، ط.1، سنة: 1968م. ص 45.

[10] – عبد الرحمن بن ناصر السعدي: بهجة قلوب الأبرار عيون الأخبار، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، ط. 1، الرياض، سنة 2002م، ص 64.

[11] – عبد الرؤوف المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف، تحقيق عبد الحميد صالح حمدان، عالم الكتب، ط.1، القاهرة، سنة 1990م، ص 174.

[12]- فخر الدين الرازي، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب، دار الفكر، لبنان، ط.1، سنة: 1981م، ج 26،ص 199.

[13]- عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط.1، سنة: 2002م، ص 427.

[14]- عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، دار المعرفة ، لبنان، سنة: 2000م، ص 201.

[15]- رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء، رقم الحديث: 2742.

[16] – جلال الدين السيوطي، الفتح الكبير، دار الأرقم، دمشق، سنة: 1999م. ج 1، ص 751.

[17] – ابن القيم الجوزية ، مفتاح السعادة، دار العهد الجديد، القاهرة، سنة : 2013م. ص 123.

[18]-رواه أحمد (12512) واللفظ له، والبخاري في الأدب المفرد (1/168)، قال شعيب الأرنؤوط وآخرون: إسناده صحيح على شرط مسلم، انظر مسند الإمام أحمد بن حنبل (20/296) المحقق: شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبدالمحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى (1421هـ-2001م.

[19]- سنن الترمذي، باب ما جاء في وصف جبريل، الايمان والإسلام، رقم الحديث: 2610.

[20] – ابن جرير الطبري؛ محمد بن جرير بن يزيد الطبري، ابو جعفر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن  (تفسير الطبري)، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر، القاهرة، ط.1، سنة: 2008م، ج 3، ص: 47-49.

[21] – أبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، بيروت، ط.1، سنة: 2006م. ج 3، ص 179.

[22] – الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 3، ص 30.

[23] – ابن جرير الطبري؛ محمد بن جرير بن يزيد الطبري، ابو جعفر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن  (تفسير الطبري)، ج 3، ص 49.

[24] – أبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، بيروت، ط.1، سنة: 2006م. ج 1، ص 190.

[25]  – رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب ما جاء أن أمر المسلم كله له خير، رقم الحديث: 2555.

بعد ان تناولنا موضوع المشروع الحضاري التربوي دراسة يمكنك قراءة ايضا

المفكر العربي  الكبير علي محمد الشرفاء يكتب.. الصلاة على النبي

الإمارات في أسبوع.. إشادة امريكية بأنظمة الدفاع الجوي لأبوظبي وأسهم موانئ دبي تقفز في أول يوم تداول

يمكنك متابعة منصة العرب 2030 على الفيس بوك

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى