صبري الديب يكتب.. المرتزقة قادمون

الواقع يقول إن إسرائيل تعيش منذ شهور كابوسًا كارثيًا خانقًا، يهدد بشكل فعلي بزوال الكيان وانهياره للمرة الأولى منذ عام 1948، نتيجة للخسائر الضخمة وغير المعلنة التي مُنِيَ بها جيش الاحتلال في المواجهات مع حماس وحزب الله وإيران، والتي خلّفت آلاف القتلى والجرحى، وجعلته يعاني أزمة حقيقية في أعداد الجنود على مختلف الجبهات، في ظل استمرار رفض المتدينين اليهود الالتحاق بالخدمة العسكرية، ما فرض على حكومة نتنياهو التفكير جديًا في الاستعانة بجنود مرتزقة لانتشال دولة الاحتلال من الانهيار.
ولأن أمر الاستعانة بمرتزقة في صفوف الجيش الاحتلال بات على وشك أن يصبح واقعًا، فإن المدقق في تاريخ الكيان الصهيوني يستطيع أن يكتشف بسهولة، أن إسرائيل داومت منذ عام 1948 على التسويق لظاهرة الارتزاق في صفوف جيشها على أنها تعني “زورًا” مجرد تطوع نابع عن دوافع دينية وإيمانية للدفاع عن الكيان، نظرًا لانحدار المرتزقة من أصول يهودية، على عكس الإحصائيات التي تؤكد أن إجمالي اليهود المرتزقة في الجيش الإسرائيلي لا يتجاوز 20%.
ويضم جيش الاحتلال بين صفوفه الآلاف الجنود المرتزقة بشكل غير معلن، غير أن أبرزهم قوة “الجنود المنفردين” التي تضم أكثر من 7 آلاف مقاتل يحملون جنسيات أمريكية وأوروبية، يعملون بشكل سرى تحت قيادة ضباط إسرائيليين، ويُسند إليهم تنفيذ مهمات قتالية خاصة، وعمليات استخباراتية وأمنية داخل وخارج إسرائيل، في مقابل رواتب تتراوح بين 8 و10 آلاف دولار شهريًا لكل منهم.
غير أن الغريب في الخطوة الإسرائيلية هذه المرة، أنها تأتي بشكل علني، ينسف أسطورة “جيش الشعب” التي دام الصهاينة على تصديرها للعالم زورًا، استنادًا إلى أكذوبة تزعم أن جيش الصهيوني قائم على قاعدة تضم نحو 100 ثقافة تشمل “أشكناز وشرقيين من مواليد البلاد، ومهاجرين قادمين من دول أوروبية وعربية وإسلامية، فضلًا عن يهود ومسلمين ومسيحيين ودروز وشركس” حوّلوا الجيش الصهيوني ــ وفق روايتهم ــ إلى خليط منسجم دون فوارق.
وتعتبر ظاهرة تجنيد المرتزقة جزءًا من عقيدة بناء إسرائيل، بل وسابقة على قيام وتأسيس الجيش، وتعود جذورها لأربعينيات القرن الماضي، حين جنّدت العصابات الصهيونية مرتزقة من جميع أنحاء العالم عبر منظمة تدعي “ماحل” للقتال إلى جانب الصهاينة، ودعم مخططاتهم لتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على الأرض وإقامة دولة الاحتلال.
وتقول الوثائق، إن “ماحل” تمكنت بين أعوام 1947 و1949 من استقطاب نحو 5 آلاف ضابط وجندي مرتزق من 56 جنسية مختلفة، تم اختيارهم بعناية من ذوي الخلفيات العسكرية، الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية، وتم الدفع بهم في جميع الحروب ضد الفلسطينيين والعرب منذ ما قبل النكبة، وأن عددًا كبيرًا منهم قادوا مجازر وتطهير عرقي بحق الفلسطينيين، فضلًا عن قصف آلاف الأهداف العربية، وتدريب الآلاف من جنود وضباط جيش الاحتلال، خاصة في سلاحي الجو والبحر.
الاتجاه داخل الكيان الصهيوني يشير إلى أن الوضع المتردي داخل الجيش بات في حاجة ماسة لاستقطاب ما يزيد على 20 ألف مرتزق، ورغم أن رواتبهم قد تستنزف نحو 3 مليارات دولار شهريًا من خزانة إسرائيل المنهكة بحكم الحرب، إلا أن البعض يرى في وجودهم ضرورة، في ظل المواجهات المتعددة التي يخوضها الكيان، والسياسة التوسعية التي تستهدف إقامة مئات البؤر الاستيطانية الجديدة التي تحتاج إلى حماية.
يبقى القول إن الكيان الصهيوني يعاني ازمة وجودية فعليه تزلزل أرجاءه، وأن المرتزقة قادمون لحماية الكيان في ظل ارتفاع أعداد القتلى والجرحى، والنقص الحاد في أعداد الجنود، وأن الحديث داخل الغرف المغلقة لحكومة نتنياهو بات يدور حول جنسيات وتخصصات واللغات الأم للمرتزقة المطلوب استقدامهم.. وكفى.



