تقدير موقف

التفوق التكنولوجي كأداة صراع استراتيجي: الصين والولايات المتحدة في مواجهة مفتوحة

د. مصطفى عيد إبراهيم خبير العلاقات الدولية

أعلن رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغخلال الاجتماع السنوى للمؤتمر الوطنى لنواب الشعب الصيني، الهيئة التشريعية الصينية، عن الخطة الخمسية الرابعة عشرة التى تبدأ هذا العام. أشارت تلك الخطة إلى أن الصين ستزيد الإنفاق بنسبة 7 ٪ سنويًا لتحقيق اختراقات كبرىفي مجالات التكنولوجيا الحدودية“. وعلى وجه التحديد، ستكرس الصين الموارد للذكاء الاصطناعي؛ ومعلومات الكم؛ وأشباه الموصلات، وعلم الدماغ؛ وعلم الجينوم والتكنولوجيا الحيوية؛ والطب السريري والصحة؛ والفضاء السحيق، وأعماق البحار، والأرض العميقة.

اقرأ أيضا: الكويت في أسبوع.. حملة حكومية لإزالة التعديات على أملاك الدولة والصين تُنشئ مصنع للذخائر الخفيفية والمتوسطة

وتضمنت الخطة الصينية أيضًا ما يلي:

  • أشارت بكين الى أجندة الابتكار العلمي في مجال التكنولوجيا لعام 2030، والأهداف بعيدة المدى حتى عام 2035. ولا يصرح المسؤولون الصينيون بشيء عندما يتعلق الأمر بمبادرة شي جين بينغالمعروفة الآن في الصين 2025 – الخطة في مواجهة انتهاك للالتزامات التجارية للبلاد

  • وفقًا لما ذكره وانغ تشى قانغ، المسؤول عن وزارة العلوم والتكنولوجيا، فإن الصين لديها رؤية عن تطوير بيئة جديدةللابتكار. وفي تلك البيئة، تتمكن الصين من قيادة العالم في مجالات مهمة، مثل الاتصالات الكمية غير القابلة للإنهاك“. كما أن الصين تؤدي بشكل مقبول في مجالات الحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعي.

  • يعد التمويل الحكومي هو التكتيك الرئيسي للصين في إحداث نقلة تكنولوجية (بالإضافة إلى عناصر أخرى منها انتهاك حقوق الملكية الفكرية)، وأن تخصيص نسبة 7 ٪ من الخطة الرابعة عشرة، يعد إشارة قوية للاهتمام وتوضيح الزيادة الهائلة في الإنفاق على التكنولوجيا في نصف العقد الماضي. وفي هذا السياق، أعلن يو جيانغ أن إنفاق الصين على الأبحاث الأساسية تضاعف تقريبًا خلال الخطة الخمسية الثالثة عشرة التى استكملت لتوها.

  • تعتمد جهود بكين على المشاريع الكبيرة من أعلى إلى أسفل. على سبيل المثال تدشين المختبر الوطني لعلوم معلومات الكم، وهو منشأة بمليارات الدولارات موزعة على 86 فدانًا في عاصمة مقاطعة أنهوي. وهو أكبر مختبر أبحاث الكم بالعالم.

وفي هذا السياق، تعمل الصين على جلب جميع الباحثين الصينيين إلى مكان واحد. البعض يشكك في فكرة المختبر الوطني، ويعتقدون أنها ليست فكرة جيدة لتركيز العمل الكمي في مكان واحد. ويعتقد آخرون أن الرهان الهائلعلى البحوث الكمية ليس ذكيًا في المقام الأول، لأنه يستمد التمويل من مجالات أخرى. ومع ذلك، فإن المختبر هو الآن أمل الصين في الكم، وأن هذا قد يبدو قديم الطراز، حتى على الطريقة السوفيتية، بيد أنه يمكن أن يعطي الصين فرصة للفوز بالسباق التكنولوجي.

أما على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية، وعمليًا، لم تولِ الحكومة الأمريكية اهتمامًا كبيرًا لتطوير التكنولوجيا في العقود الأخيرة. فلقد قادت شركات أمريكية مثل آي بي إموجوجلالعالم في مجالات رئيسية، مثل الحوسبة الكمومية، دون دعم فيدرالي كبير. ولكن في بناء شبكات الجيل الخامس في العالم الجيل الخامس من الاتصالات اللاسلكية، والتي ستسمح باتصال غير مسبوق للأجهزة كان نهج السماح للسوق بفعل ذلك قريبًا من الفشل الذريع. على سبيل المثال، لا توجد شركات أمريكية تتنافس مع شركة هواوي تكنولوجيزالصينية، التي وصفها الرئيس ترامب في أغسطس 2019 بأنها تهديد للأمن القومي“.

  • أعلن إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل، ورئيس لجنة الأمن القومي المعنية بالذكاء الاصطناعي، في شهادة أدلى بها في مجلس الشيوخ في فترة سابقة، أن تهديد القيادة الصينية في مجالات التكنولوجيا الرئيسية هو أزمة وطنية ويتعين التعامل معها مباشرة، الآن“. وفي هذه الأزمة، سيتعين على الولايات المتحدة اعتماد نهج المجتمع ككل. وقال ستيف شين من مختبر الدفع النفاث: “إننا نحتاج إلى أكاديمىين، ونحتاج إلى الصناعة، ونحتاج إلى مقاولي دفاع تقليدي، ونحتاج إلى شركات التكنولوجيا، ونحتاج أيضًا إلى شركات صغيرة“. كما عمل شين في لجنة الذكاء الاصطناعي التي أصدرت لتوها تقريرها الذي يقع في 756 صفحة.

  • وأضاف قائلًا: سيتعين على الولايات المتحدة أن تتخلى عن أصولية السوق الحرة، وأن تدخل في أعمال إنشاء التكنولوجيا. نحن بحاجة إلى بدء سلسلة من مشاريع مانهاتن” – وبسرعة، مضيفًا أن واشنطن ليست غريبة عن الجهود التي تبذل من أعلى إلى أسفل، مثل التعبئة السريعة أثناء الحرب العالمية الثانية، وسباق الستينيات إلى القمر، وبناء نظام الطرق السريعة بين الولايات. وللأسف، فإن السوق الحرة لا تستطيع مواجهة حالة الطوارئ التي تواجهها البلاد الآن. إن نهج الصين يعمل، ولهذا، فإن على أمريكا أن تتحرك بسرعة.

  • ويوصي ديفيد جولدمان، نائب رئيس تحرير صحيفة آسيا تايمز، بإعادة البحث والتطوير الفيدرالي إلى مستويات إدارة ريجان. وهذا يعني مبلغًا إضافيًا قدره 200 مليار دولار سنويًا من هذا الإنفاق. وقال إن إدارة بايدن قالت كثيرًا من الأشياء الصحيحة حول الحاجة إلى الحفاظ على القيادة التكنولوجية لأمريكا، لكنها تطلب 1.9 تريليون دولار من الأموال للتحفيز الاقتصادي ومبالغ صغيرة جدًا لهذا النوع من الاستثمارات التكنولوجية التي ترفع الإنتاجية في المستقبل“.

  • وأضاف في نوع من المقارنة أن الأمريكيين ينظرون إلى الابتكارات على أنها ليست أكثر من تقنيات غريبة خيالية من المرجح أن يراها المرء في التكرار التالي لستار تريك أكثر من العالم الحقيقي“. ويقول إن الصينيين يجرؤون على الحلم لأنهم يدركون أن نقل هذه الأحلام إلى واقع في الصين سوف يضمن بقاء الحزب الشيوعي وازدهاره وكتابة قواعد النظام العالمي الجديد“. وهناك فارق ثقافي كبير يعمل على دفع الاهتمام بالتكنولوجيا والتفوق في السباق بين البلدين.

التفوق-التكنولوجي-كأداة-صراع

تداعيات سياسية للتفوق الصيني

  • من الواضح ان الصين لا تعمل ولا تسعى لاستبدال الولايات المتحدة كقوة عسكرية كبرى في الشرق الأوسط، وأن هناك رؤية صينية مفادها وضع أساس يمكن من خلاله أن تتحرك الصين من خلال المنهج الإحلالي السياسيالتدريجي والمنضبط، بهدف استغلال الرغبة الأمريكية في تغيير أولوياتها والتزاماتها الإقليمية عبر تحميل الأعباء على الشركاء والحلفاء بالمنطقة.

  • تستغل الصين حالة الفشل الأمريكي التاريخي والمعاصر وعدم قدرتها على إدارة النزاعات بالشرق الأوسط، وهو ما أدى إلى شيوع حالة عدم الاستقرار وتزايد عدد الدول الفاشلة والعاجزة ودخول دول أخرى في حروب أهلية، ولكنّ لديها إيمانًا سياسيًا راسخًا بأن هذا لا يمكن أن يحدث بالاستغناء عن وجود الجيش الأمريكي، والذي تنظر إليه على أنه عمود فقرى بالمنطقة. ومن ثم فهي تعمل على استخدامه وليس الإحلال الأمني مكانه.

  • عمليًا، إن الحفاظ على علاقات متوازنة كقوة كبرى بدول الشرق الأوسط يعد أمرًا مستحيلًا، ويصعب تحقيقه على الأرض. إلا أن هذا لا يستبعد إمكانية البحث في إنشاء نظام أمني مستدام بالشرق الأوسط على أن يتضمن آليات واضحة ومقبولة من الأطراف المعنية لإدارة النزاعات، علمًا بأن النقاط الإيجابية بالنموذج الصيني وعلى رأسها عدم التدخل في شؤون الدول، لا يؤهلها فقط للانخراط في ملفات الشرق الأوسط.

نحو تفكيك عقلية الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه الصين

باختصار شديد جدًا، وغير مخل للهدف، فإن الإدارة الأمريكية الجديدة ترى في الصين تهديدًا ومصدر قلق كبيرًا، وإن الإدارة الأمريكية ترى في ملف حقوق الإنسان حدًا فاصلًا بينها وبين النموذج الصيني. بل إن هذا الملف ترى أنه يمكن أن يفكك أو يقلل من التفوق الصيني المقبل، وإنه عليها أن تشغل الصين بهذا الملف. وعليه فإنها ترى أن شركاءها وحلفاءها لا بد أن ينهجوا نهجها، لا أن يقتربوا من النهج الصيني ويشجعوه، وهذا أمر مهم جدًا في فهم العقلية السياسية الأمريكية الحالية. ولا يمكن أن نتغافل عن أن الولايات المتحدة قد فشلت بالفعل في إدارة الملف الصيني منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي، ولذلك تعمل على وضع حدود ترى أنها فاصلة بينها وبين النموذج الصيني، وإن كانت إدارة ترامب لم تتضح معالمها تجاه إرث الإدارة الأمريكية السابقة.

وختامًا،

هذا الصراع الأمريكي الصيني، يرى فريقًا من المراقبين أنه أمر جيد، حتى يمكن أن يفتح مجالات للمساومة السياسية والضغط على الولايات المتحدة، وتوصيل رسائل مختلفة بأن هناك بديلًا يمكن الاعتماد عليه عوضًا عنها، ومن ثم تعيد التفكير في علاقاتها مع الشركاء والحلفاء. وفي هذا السياق نؤكد أن هذا الأمر لا يمكن أن نأخذه كأمر مسلم به، وأن مساحات تطبيقه تختلف من دولة إلى أخرى بالمنطقة. وفيما يتعلق بدول الخليج فإن تطبيق هذه المعادلة يحتاج إلى تفكير؛ ليس مرة ولكن أكثر من مرة.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى