رأي

جمال المحلاوي يكتب.. مصر وتحقيق الأمن الغذائي النسبي كبديل عن أمنيات الاكتفاء الذاتي المستحيلة عملي

في حفل يدعو للفخر افتتح السيد الرئيس رسميا أحد المشاريع الزراعية العملاقة , مستقبل مصر الدلتا الجديدة وبدا تعليق سيادته على عدم تمكن مصر من تحقيق الاكتفاء الذاتي بالكامل صادما للكثيرين الذين سمعوا كثيرا تلك الكلمة من السابقين ولكن كان الرجل صادقا مع نفسه ومع شعبه كما عهدناه لا يبيع الوهم للناس والأمنيات المستحيلة عمليا, لظروف فرضتها الطبيعة علينا لايد لنا فيها من طبيعة صحراوية وشح في مصادر المياه فإن أكثر من 97 % من أراضي مصر صحراء جافة لايمكن بحال من الأحوال زراعتها إلا بتوفير مايقرب من ثلاثين ضعف المياه المتاحة لمصر يعني حوالي تريليون ونصف متر مكعب من المياه أي كمية الأمطار التي تسقط على كل دول حوض النيل الأحد عشر مجتمعة .ولذلك فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية في مصر حلم مستحيل حدوثه يظل يراود المصريين كسراب لم نقترب من تحويله لحقيقة إلا في فترات قليلة وظروف مختلفة . ولذلك لابد من التركيز فيها على مفهوم (تحقيق الأمن الغذائي النسبي) كبديل عن مفهوم (الاكتفاء الذاتي الشامل الذي يعتبر مستحيل عمليا)
أولاً :في الفترة: مابين 1914 وحتى عام 1952 :
قبيل قيام ثورة يوليو 1952 فيما يعرف بفترة الحقبة الملكية الوراثية في مصر . ولنتساءل هل حققت مصر الاكتفاء الذاتي في تلك الفترة ؟ وتأتي الإجابة الصادمة والتي لم تكن تتناسب مع عدد السكان في تلك الفترة ومساحة الأراضي المنزرعة آنذاك , وهي أن مصر لم تحقق الاكتفاء الذاتي من محاصيلها الاستراتيجية خاصة القمح في تلك الفترة , بل كانت تعاني من عجز غذائي مع ارتفاع في معدلات الاستيراد ولم يكن مطروح في تلك الفترة مصطلح الاكتفاء الذاتي وذلك على الرغم من أن المساحة المنزرعة في تلك الحقبة بلغت 5.962.662 فداناً،في حين كان عدد سكان مصر لايتجاوز العشرين مليون نسمة ولكن كان الاقتصاد الزراعي في تلك الفترة يتوجه لصالح كبار الملاك والشركات الأجنبية ومصالح بريطانيا حيث التوسع في زراعة القطن على حساب المحاصيل الغذائية .الأمر الذي ترتب عليه الوقوع في أزمات غذائية خاصة في فترة الحرب العالمية الثانية تمثلت في أزمات تموينية حادة وأزمة الخبز,والتي كان من مظاهرها قيام كبار الملاك وبعض التجار باحتكار كميات كبيرة من القمح وبيعها في السوق السوداء بأرقام فلكية وكان الخبز النقي غير المخلوط حكرا على الأغنياء .واستمر ذلك الوضع حتي قيام ثورة يوليو .
ثانياً: بعد قيام ثورة يوليو1952:
استطاعت مصر تحقيق اكتفاءا ً ذاتيا في معظم المحاصيل الغذائية مثل الأرز والذرة والبقوليات والخضروات والفاكهة حيث نجحت مصر في تحقيق مايقرب من 80% من احتياجاتها محليا باستثناء ( القمح ) .وترجع تلك الطفرة في إنتاج المحاصيل الغذائية لعدة أسباب أهمها إنشاء السد العالي الذي سمح بزراعة الأرض أكثر من مرة بالتحول للري الدائم إلى جانب التوسع الأفقي في المحاصيل الزراعية باستصلاح أراض جديدة في مديرية التحرير والوادي الجديد وغرب الدلتا , كذلك فرض الدولة نظام الدوررة الزراعية الثلاثية بزراعة القمح والأرزو القطن الأمر الذي منع إهمال المحاصيل الغذائية لصالح محاصيل أخرى وتطبيق البحث العلمي مثل استنباط سلالات جديدة من القمح كالقمح المكسيكي وجيزة 155 والتصنيع المحلي للأسمدة وإنشاء الجمعيات الزراعية , ولكن لاننسى أيضا عدد سكان مصر في تلك الفترة والذي كان لايتجاوز العشرين مليون نسمة في عام 1952 والذي وصل إلى قرابة 35 مليون نسمة عام 1970 وبعملية حسابية بسيطة نجد أن نصيب الفرد من الأراضي الزراعية ومنتجاتها هو حوالي أربع قراريط وسهمين في عام 1970 .
ثالثا : في الفترة من 1971 حتى عام 1981 :
في تلك الفترة تحولت مصر وبالتدريج من دولة قاربت على تحقيق الاكتفاء الذاتي بالكامل إلى واحدة من أكبر مستوردي الغذاء في العالم وذلك بسبب سياسة الانفتاح الاقتصادي وتراجع دور الدولة وترك الحرية للمزارعين لاختيار المحاصيل الذين اتجهوا لزراعة الخضر والفاكهة والبرسيم المربح على حساب المحاصيل الاستراتيجية وتوقف استصلاح أراض جديدة وظواهر التجريف للتربة الزراعية والتوسع العمراني على أراضي الوادي والدلتا الخصبة , كذلك الانفجار السكاني الكبير والذي وصل إلى 45 مليون نسمة وفتح باب الاستيراد على مصراعيه والاعتماد على القمح المستورد الرخيص عبر برامج المساعدات الأمريكية مما قلل من حوافز تطوير الإنتاج المحلي وتراجعت نسبة الاكتفاء الذاتي من محاصيل الذرة الشامية والمحاصيل السكرية ومحاصيل الزيوت النباتية .وتراجع نصيب الفرد من الأراضي الزراعية ليبلغ ثلاث قراريط وخمس أسهم بانخفاض 21 سهم .
رابعاً: في الفترة من 1981 حتى 2011 :
عصر الهندسة الوراثية والتقاوي عالية الإنتاج والمشروعات الزراعية مثل مشروع تشكي وشرق العوينات وترعة السلام في سيناء لتزيد مساحة الأراضي الزراعية فتبلغ 8,6 مليون فدان إلا أن كلفتها العالية وتعثر بعضها ماليا وفنيا أخر الاستفادة منها في إنتاج المحاصيل المستهدفة وبرغم من تضاعف إنتاج بعض المحاصيل مثل الأرز والخضروات والفاكهة إلا أن محصول القمح المتأرجح وصل لحد 40% من الاحتياجات الأساسية. ووقف جدار حصة مصر من المياه عائقا أمام التوسع في زراعة الأرز وقصب السكر.مع مواجهة النمو السكاني الكبير الذي بلغ نحو 80 مليون نسمة عام 2011 ليبلغ نصيب الفرد حوالي قيراطين وأربعة عشر سهما بانخفاض قدره 15 سهم.
خامساً: الفترة بين 2011 حتى 2026:
.وتتسم تلك المرحلة بنجاح الحكومة المصرية في تجاوز حجم الواردات لأول مرة من الحبوب خاصة القمح عام 2025 ليغطي 51% من الاحتياجات مع بقاء الفجوة في إنتاج الزيوت,و القمح والتي تسعى الدولة للوصول إلى تغطية 70% بحلول عام 2030 وتمكنت الدولة في تلك الفترة من التوسع أفقيا بإضافة مساحات من الأراضي الزراعية تقدر بنحو 4,2 مليون فدان بإقامة مشروعات عملاقة مثل الدلتا الجديدة في الضبعة لزيادة إنتاج القمح والذرة وإعادة إحياء مشروع توشكى المخصص بالكامل لزراعة القمح وشرق العوينات وتنمية سيناء . كذلك مشاريع تطوير التخزين ( الصوامع ) ومعالجة مياه الصرف الزراعي لمواجهة ثبات حصة مصر من المياه إلى جانب الزراعة التعاقدية والتحول الرقمي بتطبيق نظام كارت الفلاح الرقمي لضبط توزيع الأسمدة المدعومة . ونتيجة لذلك ارتفع نصيب الفرد من الأراضي الزراعية إلى 3 قراريط وسهمين بزيادة قدرها 12 سهم بالرغم من زيادة السكان عن عام 2011 قرابة الثلاثين مليون نسمة .وكان ذلك سعيا من الدول لتحقيق استراتيجية تعتمد على التركيز فيها على مفهوم ( تحقيق الأمن الغذائي النسبي) كبديل عن مفهوم
(الاكتفاء الذاتي الشامل الذي يعتبر مستحيل عمليا)
اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى