تقارير ومنوعات

الوزير المفوض د. منجي بدر : الدبلوماسية المعاصرة تخلت عن ثوبها التقليدي.. والاقتصاد والتكنولوجيا يقودان عالم تعدد الأقطاب

القاهرة- د. يسرا محمد مسعود

عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة يفك شفرات النظام الدولي الجديد ويؤكد: السياسة الخارجية المصرية تتسم بالتوازن والبراجماتية وتنوع الشراكات.

الذكاء الاصطناعي أحدث نقلة نوعية في الدبلوماسية الرقمية.. لكن “الحكم البشري” يظل عاملًا حاسمًا لا يمكن استبداله.

 الشراكة المصرية الأوروبية تجاوزت ملفات الطاقة والأمن إلى التكنولوجيا الخضراء والتحول الرقمي.

لم يعد العمل الدبلوماسي في العصر الراهن مجرد بروتوكولات سياسية أو تمثيل رسمي تقليدي، بل تحول إلى منظومة معقدة تتشابك فيها خيوط السياسة بالاقتصاد، وتتقاطع فيها لغة الأرقام بآليات التكنولوجيا الحديثة. في هذا السياق، يرسم **الوزير المفوض الدكتور منجي بدر**، عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة، خارطة طريق لفهم ملامح الدبلوماسية الحديثة وتحدياتها، مستعرضًا في حوار خاص  لمركز العرب.

 تحديات ثلاثية الأبعاد وعالم متعدد الأقطاب

يستهل الدكتور منجي بدر حديثه برصد أبرز التحديات التي تواجه الدبلوماسي المعاصر اليوم، مُلخصًا إياها في ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولها: تسارع التحولات في النظام الدولي نحو تعددية قطبية غير مستقرة، مما يرفع من درجة تعقيد اتخاذ القرار الدبلوماسي. وثانيها: تداخل الملفات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، حيث لم يعد الدبلوماسي يتعامل مع قضايا منفصلة بل مع منظومة مصالح مترابطة. أما التحدي الثالث، فيتمثل في صعود فاعلين غير حكوميين مؤثرين مثل الشركات عابرة القارات ومنصات التكنولوجيا العملاقة، وهو ما يفرض على الدبلوماسي المعاصر توسيع نطاق أدواته وتطوير مهاراته في “إدارة الأزمات” وسط بيئة دولية شديدة التقلب.

الدبلوماسية الاقتصادية.. قلب السياسة الخارجية النابض

وفي قراءته لمهام “الوزير المفوض التجاري” داخل البعثات الدبلوماسية، يرى د. بدر أنه يمثل المحرك الأساسي لـ “الدبلوماسية الاقتصادية” التي باتت أحد الأعمدة الأساسية للسياسة الخارجية الحديثة. وأوضح أن هذه المهمة تتجاوز المفهوم التقليدي لتشمل:

صياغة تقارير معلوماتية وتسويقية دقيقة حول الأسواق الخارجية والمنافسين لفتح أسواق جديدة ودعم الصادرات المصرية.
الترويج الفعّال للفرص الاستثمارية الواعدة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مصر.
المتابعة الدقيقة لتنفيذ الاتفاقيات التجارية الدولية وتقييم آثارها على الاقتصاد الوطني.
بناء جسور التواصل بين مجتمع الأعمال والشركات المصرية ونظيراتها الدولية، وتغذية صانع القرار والقطاع الخاص ببيانات استشرافية دقيقة.

 الذكاء الاصطناعي.. أداة دعم لا بديل عن اللمسة البشرية فيها

وحول التغلغل التكنولوجي في العمل الدبلوماسي، يؤكد د. منجي بدر أن الذكاء الاصطناعي أحدث نقلة نوعية غير مسبوقة؛ إذ ساهم في تطوير “الدبلوماسية الرقمية” عبر توفير قدرات هائلة لتحليل البيانات الضخمة، والتنبؤ بالاتجاهات الدولية، وتحسين إدارة الأزمات. ورغم هذه المزايا، يضع د. بدر جدارًا من الحذر مخافة التهديدات السيبرانية والمعلومات المضللة، مؤكدًا:

“مهما بلغت دقة الآلة، يظل الحفاظ على البعد الإنساني والحُكم البشري عاملًا حاسمًا ومقدسًا في العمل الدبلوماسي لا يمكن استبداله بالكامل”.

ويضيف أن الدبلوماسي الناجح اليوم يجب أن يمتلك توليفة مهارية فريدة تجمع بين العمق التحليلي، والمرونة الثقافية، والقدرة الفائقة على التفاوض والإقناع، فضلًا عن فهم كواليس الاقتصاد الدولي والتكنولوجيا الحديثة، والاتصال الرقمي، متوَّجة بالنزاهة المهنية والعمل تحت الضغوط.

 السياسة الخارجية المصرية.. براجماتية متوازنة

وفي تقييمه لتوجهات الدبلوماسية المصرية في المرحلة الحالية، وصفها د. منجي بدر بأنها تتسم بـ “التوازن والبراجماتية الشديدة”، حيث ترفض الارتكاز على محور دولي واحد وتتحرك بذكاء نحو تنويع شراكاتها الدولية. كما تركز القاهرة على تعزيز الاستقرار الإقليمي في محيطها العربي والأفريقي، مع الحفاظ على علاقات متزنة مع القوى الكبرى، مدفوعة بـ “دبلوماسية التنمية” التي تهدف لدعم الاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات الأجنبية بما يتماشى مع مستهدفات “رؤية مصر 2030”.

وفي سياق متصل، ثمن د. بدر الطفرة التي تشهدها العلاقات المصرية الأوروبية، مدفوعة بالمصالح المشتركة في ملفات الطاقة، مكافحة الإرهاب، مجابهة الهجرة غير الشرعية، وزيادة التبادل التجاري. وكشف عن وجود توجه واعد لتعميق هذا التعاون ليشمل مجالات التكنولوجيا الخضراء والتحول الرقمي، مشددًا على أن مصر تدير هذه الشراكة بندية تامة تحفط مصالحها الوطنية واستقلالية قرارها السيادي.

 من دفتر الذكريات.. مدارس صقل المهارات

وفي لفتة إنسانية ومهنية، استعاد د. منجي بدر محطات من مسيرته الطويلة، مؤكدًا أن المشاركة في المفاوضات الاقتصادية والتجارية الدولية والمعقدة – على المستويين الثنائي والمتعدد – والعمل في بيئات خارجية متباينة بتحدياتها العملية والأسرية، مثّلت “المدارس الحقيقية” التي صقلت خبرته الأكاديمية والعملية، وعززت قدرته على التحليل والتنبؤ لمعاونة مركز القرار في القاهرة.

واختتم الوزير المفوض حديثه بالإشارة إلى أن أكثر المواقف الدبلوماسية التي تركت أثرًا راسخًا في وجدانه هي تلك اللحظات التي نجح فيها في قيادة أطراف ذات مصالح متعارضة نحو “توافق مشترك” أسفر عن تحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة للدولة، مؤكدًا أن جوهر الدبلوماسية الحقيقي يكمن دائمًا في: “القدرة على بناء جسور الثقة، وتحويل التحديات المعقدة إلى فرص واعدة لخدمة الوطن”.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى