تقدير موقف

جرينلاند..هل تبتلع الثقة التاريخية بين أوروبا وواشنطن؟

إعداد /أحمد أنور إ (علامى وباحث فى الشؤون الدولية)

بينما تغطي الثلوج مساحات “جرينلاند” الشاسعة يغلي الصراع في الغرف المغلقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. لم تعد الجزيرة مجرد “أرض جليدية” في القطب الشمالي بل تحولت في مطلع عام 2026 إلى قنبلة موقوتة تهدد بتفجير أهم وأقوى تحالف عسكري في التاريخ الحديث.

​فكيف تسببت هذه الجزيرة الجليدية في توسيع الهوة بين ضفتي الأطلسي؟

​جرينلاند: الجليد الذي قد يكسر ظهر “الناتو”

​في الوقت الذي كان العالم يظن أن التحالفات الغربية صلبة كصخور القطب الشمالي،جاءت “أزمة جرينلاند” لتعيد رسم “خريطة الولاءات”.

لم يكن تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتجدد حول “الاستحواذ” على الجزيرة مجرد مناورة عقارية،بل كان الزلزال الذي أحدث شرخاً لم يعد من السهل ترميمه في جدار العلاقات الأمريكية الأوروبية.

​1. صدمة السيادة: “ليست للبيع”

​بدأت الهوة تتسع عندما تحول الخطاب الأمريكي من “عرض شراء” إلى “ضرورة أمن قومي”. ردت الدنمارك ومعها الاتحاد الأوروبي بلغة حاسمة: “جرينلاند ليست للبيع والشعوب لا تُباع ولا تُشترى”. هذا الصدام اللفظي ليس مجرد خلاف دبلوماسي،بل هو مواجهة بين رؤيتين للعالم؛الأولى أمريكية ترى في القوة العسكرية والمال وسيلة لتحقيق التفوق،والثانية رؤية أوروبية تتمسك بالقانون الدولي وسيادة الدول الأعضاء.

​2. ثقب أسود في “قلب الناتو”

​الخلاف حول جرينلاند وضع حلف شمال الأطلنطي (الناتو) في اختبار وجودي غير مسبوق. فكيف يمكن لدولة هي “رأس الحربة” في الحلف (أمريكا) أن تهدد بالسيطرة على أراضي دولة عضو أخرى وشريكة فيه (الدنمارك)؟

​فقدان الثقة: بدأ القادة الأوروبيون يتساءلون: إذا كانت واشنطن مستعدة لانتهاك سيادة حليف من أجل “المعادن النادرة”، فما الذي يضمن حمايتها لبقية أوروبا؟

​الاستقلالية الدفاعية: دفعت هذه الأزمة بروكسل إلى تسريع خطط “الاستقلال الاستراتيجي”، والبحث عن منظومة دفاعية أوروبية لا تعتمد كلياً على المظلة الأمريكية.

من هنا قادت بريطانيا وألمانيا تحركات أوروبية نشطة لتشكيل قوة أوروبية مشتركة تتولى حماية القارة وجرينلاند أيضا.توفد ألمانيا والدنمارك وزيرين إلى واشنطن لمناقشة الموقف،بينما تناقش بريطانيا الولايات المتحدة الأمريكية فى خطورة المرحلة ونتائجها المحتملة.

دافِعُهم في ذلك هو ما فعله الرئيس الأمريكى دونالد ترمب بالقوة فى فنزويلا واعتقال رئيسها.ويهدف القادة الأوروبيون إلى إظهار أن أوروبا وحلف شمال الأطلسي يسيطران على أمن المنطقة، في محاولة لتقويض حجة ترمب بضرورة الاستيلاء على غرينلاند.

​3. حرب المعادن والكنوز المدفونة

​خلف الستار الجليدي.. تدور معركة شرسة على “الذهب الجديد”. تحتوي جرينلاند على مخزونات هائلة من المعادن النادرة الضرورية لصناعات التكنولوجيا والأسلحة. واشنطن ترى أن سيطرتها على هذه الموارد هي السبيل الوحيد لكسر الاحتكار الصيني، بينما يرفض الأوروبيون أن تتحول الجزيرة إلى “منجم خاص” للشركات الأمريكية على حساب التنمية المستدامة والسيادة المحلية.

​4. التهديدات العسكرية.. الخط الأحمر

​ما زاد الطين بلةً هو التلميحاتُ الأمريكية بعدم استبعاد “الخيار العسكري” لتأمين المصالح الحيوية في القطب الشمالي بل وإعلانُ الرئيس الأمريكي أنه يدرس عدة سيناريوهات للهجوم،وإن كانت هيئة الأركان ترفض الهجوم. بالنسبة للأوروبيين،فهذا التحول في اللهجة حوّل أمريكا من “حامٍ” إلى “منافس شرس” أو حتى “تهديد محتمل”. وقد أدى ذلك إلى ردود فعل اقتصادية، حيث هدد البرلمان الأوروبي بتجميد اتفاقيات تجارية كبرى رداً على هذه الضغوط.

​”إننا نعيش لحظة فارقة؛ فإما أن تظل جرينلاند جسراً للتعاون،أو تتحول إلى الجليد الذي سيُغرق سفينة العلاقات عبر الأطلسي إلى الأبد.”

​الخلاصة: هوة لا يمكن جسرها؟

​لقد تجاوزت أزمة جرينلاند حدود الجزيرة لتصبح رمزاً لانتهاء حقبة “التبعية المطلقة” لواشنطن. الهوة تزداد اتساعاً لأن الخلاف لم يعد على “قطعة أرض” وإنما على “هوية التحالف” نفسه. وبينما تستمر واشنطن في ضغوطها،تبني أوروبا جداراً من الرفض قد ينتهي بطلاق جيوسياسي بارد ببرودة القطب الشمالي.

فهل يفعلها ترمب؟أم تظهر فى الأفق حلول وسط توقف طبول الحرب وتُعيد بناء علاقات التعاون والمشاركة؟!

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى