العلاقات المصرية السورية ما بعد الأسد.. واستراتيجية القاهرة في التريث وضبط النفس

إعداد / مصطفى محمد علي
منذ وصول الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق، دخلت العلاقات بين القاهرة ودمشق مرحلة دقيقة تتّسم بقدر كبير من الحذر المتبادل فمصر التي حافظت تاريخيًا على موقف يوازن بين دعم الدولة السورية ورفض الفوضى ، وجدت نفسها أمام واقع سياسي جديد داخل سوريا تحكمه تركيبة انتقالية معقدة تحاول إعادة بناء نظام منهك، وتشكيل تحالفات سريعة مع القوى الإقليمية المؤثرة. وفي قلب هذا المشهد جاءت تصريحات الشرع الأخيرة لتضيف طبقة جديدة من التوتر الهادئ، خاصة بعدما طالت مصر بشكل مباشر .
لم ينشأ التوتر الأخير من فراغ ، فخلال مشاركته في مؤتمر اقتصادي كبير بالرياض، أدلى الشرع بتصريحات أثنى فيها على دول مثل السعودية وقطر والإمارات وتركيا، واصفًا إياها بأنها “دول ناجحة “، قبل أن يتحدث عن مصر والعراق بصيغة أكثر تحفظًا، معتبرًا أنهما حققتا نجاحات لكنها ليست على نفس مستوى سرعة التطور في الدول الأخرى .
التصريح رغم أنه قد يبدو في ظاهره مقارنة تقنية حول وتيرة التنمية، حُمّل في القاهرة بدلالات سياسية واسعة ، فالنبرة التي ظهر بها الشرع فهمها كثيرون باعتبارها رسالة تتجاوز الاقتصاد، إلى محاولة لإعادة ترتيب أولويات دمشق إقليميًا، وإظهار ميل واضح نحو محور إقليمي بعينه، على حساب أطراف أخرى، وفي مقدمتها مصر .
ردود الفعل المصرية… بين الغضب الشعبي والصمت الرسمي
أثارت تصريحات الشرع موجة واسعة من ردود الفعل داخل مصر، تعددت اتجاهاتها ودرجاتها ، علي سبيل المثال على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر كثير من المصريين عن استيائهم من طبيعة التصريح، معتبرين أنه ينطوي على ” انتقاص غير مبرر ” من مكانة مصر. بعض التعليقات وصفت حديث الشرع بأنه “خارج عن حدود اللياقة الدبلوماسية “، فيما تساءل آخرون عمّا إذا كانت هذه التصريحات “زلة لسان أم رسالة سياسية ” .
اللافت في الأمر أن ردود الفعل لم تكن كلها سياسية الطابع ، إذ لجأ عدد من المستخدمين إلى السخرية، سواء من طريقة طرح الشرع أو من خلفيته الشخصية ، وبرزت تعليقات ساخرة تشير إلى أن والدَيْ الشرع يقيمان في مصر، وأن مهاجمة بلد يعيش فيه أقرب أفراد عائلته تتناقض مع المنطق قبل السياسة .
رأي عدد من المحللين أن الشرع يحاول تعزيز تحالفاته الإقليمية عبر الإشادة العلنية بدول الخليج وتركيا، وأن تصريحاته تمثل محاولة لكسب دعم سياسي واقتصادي، أكثر من كونها تقييمًا موضوعيًا لأداء الدول. كما اعتبر آخرون أن حديث الشرع قد يحمل ردًا غير مباشر على تحفظ القاهرة تجاه بعض مكونات السلطة السورية الانتقالية .
في مقابل هذه الموجة الشعبية، التزمت الدولة المصرية الصمت الكامل ، فعدم التعليق هنا لا يعني تجاهل الموقف ، بل يعكس نهجًا راسخًا تقوم عليه السياسة الخارجية المصرية ، وهو عدم تحويل اختلافات عابرة إلى خلافات استراتيجية، وعدم الرد على تصريحات قد تكون موجهة للاستهلاك الإعلامي أو لتحقيق مكاسب ظرفية .
سياق العلاقات منذ تولي الشرع الحكم… جذور الحذر المصري
منذ الأيام الأولى لتحرك الشرع وأنصاره نحو دمشق، ظلت القاهرة تتعامل مع “سوريا الجديدة” على أساس معادلة حساسة : دعم وحدة الدولة السورية ومؤسساتها، مع مراقبة دقيقة لطبيعة القوى الصاعدة داخل النظام الانتقالي، وارتباطاتها الإقليمية والأيديولوجية .
تخشى مصر أن يؤدي صعود قوى ذات خلفيات إسلامية أو برامج سياسية غير مستقرة إلى إعادة إنتاج أزمات قد تؤثر على الأمن القومي في المنطقة ، كما تراقب القاهرة عن قرب التقارب السوري – التركي ، الذي يحمل دلالات استراتيجية قد لا تتوافق دائمًا مع أولويات مصر الإقليمية .
ورغم اللقاءات التي جرت بين الرئيسين على هامش القمم العربية، والاتصالات الدبلوماسية المتقطعة، فإن العلاقة لم تنتقل إلى مستوى الشراكة أو التنسيق الوثيق، بل بقيت في إطار التواصل الهادئ وإدارة الملفات بتريث وحذر .
مستقبل العلاقات… إلى أين تتجه البوصلة؟
رغم السجالات الأخيرة، لا تبدو العلاقات المصرية – السورية مرشحة للانهيار، كما لا تبدو متجهة نحو تحالف سريع. الأرجح أن السنوات المقبلة ستشهد واحدة من هذه السيناريوهات :
السيناريو الأول: تقارب تدريجي محسوب
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا ، فقد يتحسن مستوى التواصل السياسي، خاصة إذا تمكنت دمشق من إحراز تقدم في ملفات الأمن الداخلي، وضبط السلاح، وتوضيح شكل تحالفاتها الإقليمية ، أي تقارب سيأتي بخطوات صغيرة، دون قفزات مفاجئة
السيناريو الثاني: علاقة مستقرة دون تطور كبير
يظل مستوى العلاقات على ما هو عليه :
تواصل دبلوماسي – تعاون محدود – غياب للشراكات الكبرى .
فمصر ستظل تدعم استقرار سوريا، لكن دون اندفاع نحو علاقة استراتيجية شاملة .
السيناريو الثالث: توترات لفظية متقطعة دون تداعيات حقيقية
قد تعود تصريحات هنا أو هناك لتثير تفاعلات شعبية، لكن دون تأثير عميق في المسار السياسي بين الدولتين .
الخلاصة
العلاقة بين مصر وسوريا في عهد أحمد الشرع تقف عند مفترق طرق حساس، تُحدده معادلة تقوم على الثبات المصري و التقلب السوري .
فالقاهرة تعتمد سياسة تدريجية محكومة بحسابات الأمن القومي، فيما تحاول دمشق إعادة بناء موقعها من خلال تحالفات جديدة وخطاب سياسي سريع الإيقاع .
ورغم أن تصريح الشرع الأخير أثار جدلًا واسعًا، فإن أثره الفعلي على مسار العلاقة لا يبدو كبيرًا، فصانع القرار المصري لا ينجرّ وراء السجالات، ولا يحمّل التصريحات العابرة ما يفوق حجمها، بل يركز علي استقرار سوريا وقدرتها على بناء مؤسسات دولة حديثة .
وفي ظل المشهد الإقليمي المتشابك، يبدو أن العلاقة بين البلدين ستستمر وفق معادلة دقيقة :
تواصل بلا قطيعة… وتقارب بلا اندفاع… وانتظار محسوب حتى تتبلور ملامح سوريا الجديدة بشكل أوضح .
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب


