سليم الهندي يكتب.. الجماعات الإسلامية المتطرفة: جماعات تدميرية
بين سُمّ الخطاب الديني وزيف الشعارات

حين أتأمل في واقعنا المعاصر، أجد نفسي مضطرًا للوقوف عند ظاهرة الجماعات الإسلامية المتطرفة، تلك التي استباحت الأرواح ودمّرت المجتمعات تحت ستار الدين. من المؤلم أن يُستخدم اسم الإسلام، ذلك الدين الذي جاء رحمةً للعالمين، ليصبح غطاءً لأعمال القتل والتفجير ونشر الرعب.
اقرأ أيضا: تأثير الإرهاب على اقتصادات الدول
هذه الجماعات، في جوهرها، ليست سوى جماعات تدميرية؛ تدمّر الإنسان قبل المكان، وتقتل الفكر قبل الجسد. تسعى إلى بث الخوف في نفوس الناس، وزرع الشك في القيم، وتفكيك المجتمعات من الداخل. ولعل أخطر ما فيها أنها تلبس عباءة الدين، فتغوي العقول البسيطة، وتستدرج النفوس الباحثة عن معنى أو نصرة، لتجعل منهم أدوات لهدم الأوطان وقتل الأبرياء.
حين نذكر هذه الجماعات، لابد أن نتوقف عند تنظيم «القاعدة»، الذي ظهر في أواخر الثمانينيات، وقاد سلسلة من الهجمات الإرهابية في أنحاء مختلفة من العالم. هذا التنظيم لم يفرّق بين مسلم وغير مسلم، بل استهدف الجميع بلا رحمة، بحجة محاربة «أعداء الإسلام».
ثم ظهر تنظيم «داعش»، الذي فاق كل التصورات في وحشيته. أعلن ما سماه «الخلافة الإسلامية» وادّعى أنه يمثل الإسلام الحق، بينما كان يذبح الأبرياء، ويفجّر الأسواق والمساجد، ويحرق المخطوفين أحياء. لقد جعل من المدن العريقة مثل الموصل والرقة ساحات للدمار والموت، وشوّه صورة الإسلام في كل ركن من أركان العالم، حتى بات كثير من غير المسلمين يظن أن هذه الأفعال تمثل الدين، وهي أبعد ما تكون عن حقيقته.
ولا ننسى جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا، التي استهدفت المدارس وخطفت الفتيات، وحرّمت التعليم، وحوّلت حياة الآلاف إلى جحيم. هذه الجماعة مثال صارخ على كيف يمكن للجهل والتشدد أن يتحوّلا إلى طوفان يدمر كل قيمة إنسانية، فيقضي على أحلام الطفلات ومستقبل المجتمعات.
هناك أيضًا جماعة «الشباب» في الصومال، التي استباحت أرواح المدنيين في الأسواق والفنادق، وأغرقت البلاد في مزيد من الفوضى والدماء. وفي سيناء بمصر، ظهرت جماعات أخرى مثل «أنصار بيت المقدس»، التي تحالفت مع داعش وهاجمت قوات الجيش والشرطة والمدنيين، لتزيد من معاناة أهل سيناء الذين دفعوا الثمن الأكبر من دمائهم وأمنهم.
تتشارك هذه الجماعات في سمات واضحة: خطاب مليء بالكراهية، تكفير كل مخالف، تبرير القتل باعتباره «جهادًا»، واستخدام الشباب وقودًا لمعاركهم الدموية. للأسف، بعض الشباب يجد في هذه الخطابات ملاذًا يهرب به من واقعه، فينخرط في العنف، معتقدًا أنه يحقق غاية سامية، وهو في الحقيقة يدمر نفسه ومجتمعه، ويمهد لتفكك مجتمعه وانهيار قيمه.
أنا شخصيًا أرى أن أخطر ما نواجهه اليوم ليس فقط أفعال هذه الجماعات، بل أفكارها التي تتسلل بهدوء إلى العقول. فالقنبلة تنفجر مرة واحدة، لكنها فكرة التطرف تظل كامنة، وتتكاثر، وتتحول مع الوقت إلى أجيال من القنابل البشرية. لذلك، علينا أن نبدأ المعركة الفكرية قبل الأمنية، وأن ننقذ العقول قبل أن نلاحق الأجساد.
لا يمكننا أن نعالج هذه الظاهرة فقط بالسلاح أو العمليات العسكرية. نعم، الحسم الأمني ضروري، لكن المعركة الحقيقية هي معركة الوعي، معركة الفكر، معركة إعادة بناء الثقة بين الإنسان ودينه، بين الإنسان ومجتمعه. نحن بحاجة إلى إعادة إحياء قيم الإسلام الحقيقية في مجتمعاتنا: قيم التسامح، والتعاون، واحترام الحياة. نحتاج إلى تعليم الأجيال أن القوة الحقيقية في الكلمة الطيبة، في العمل الصالح، في الصبر والإصلاح، لا في القنابل والرصاص.
أستحضر دائمًا قول النبي محمد ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». هذه الجملة تلخّص رسالة الإسلام كلها، وتفضح زيف من يحاولون اختزال الدين في حزام ناسف أو سكين غادر. إن الدين الذي ينهى عن قتل النفس التي حرّم الله قتلها إلا بالحق، لا يمكن أن يبرر أعمال التفجير والذبح والدمار.
إن هذه الجماعات، بحقيقتها، تحارب كل ما هو جميل في الدين: تحارب العلم، تحارب الفن، تحارب التعايش، تحارب حتى الابتسامة. تجعل من الموت غاية، ومن الكراهية شعارًا، وتحوّل الآيات القرآنية الكريمة إلى شعارات سياسية جوفاء. يروّجون لوهم القوة، بينما هم في حقيقتهم ضعفاء، لأن من يقتل ويهدم لا يملك حجة أو منطقًا، بل يملك سلاحًا يخفي به عجزه عن الإقناع.
لقد آن الأوان لنقف جميعًا، كمسلمين وكبشر، في وجه هذه الظاهرة. علينا دعم المدارس والجامعات والمؤسسات الدينية المعتدلة، ونشر الفكر النقدي، وتشجيع الحوار بين الأديان والثقافات. علينا أن نعيد للخطاب الديني توازنه، وأن نحرر المنابر من خطباء الكراهية، ونفتح المجال أمام العلماء والمفكرين المستنيرين. فالمجتمع الذي لا يتحصن بالعلم والوعي، يظل فريسة سهلة لأي فكر متطرف، مهما بدا في ظاهره جذابًا.
عندما نتناول الحديث عن الجماعات الإسلامية التي كان لها تأثير بارز ومثير للجدل في العالم العربي، لا يمكن تجاهل جماعة الإخوان المسلمين. تأسست هذه الجماعة في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، وبدأت كحركة دعوية واجتماعية تهدف إلى إصلاح المجتمع من خلال الدين. إلا أن مرور الزمن كشف عن وجه آخر للجماعة، وجه تسبب في تفكيك المجتمعات وزرع الانقسامات وتهديد الاستقرار.
يمكن القول إن دور جماعة الإخوان في المنطقة لم يقتصر على العمل الدعوي أو الإصلاحي، بل تحولت إلى أداة سياسية تستغل الدين لتحقيق مصالحها الخاصة، مستغلةً الناس وجاعلة منهم أدوات في صراعاتها. فرض الإخوان فكرًا متشددًا وأسسوا شبكات من الجماعات الفرعية التي اتسمت في كثير من الأحيان بالعنف والتطرف.
في عدد من الدول العربية مثل مصر ، فلسطين ، سوريا ، ليبيا وغيرها ، حيث لعبت جماعة الإخوان دورًا سلبيًا في الشؤون الداخلية. ففي مصر، بعد وصولهم إلى السلطة عقب ثورة 2011، حاولوا فرض أفكارهم السياسية والدينية بالقوة، ما أدى إلى صراعات اجتماعية وتراجع في الحريات وحقوق الإنسان. كما تسببوا في انقسام مجتمعي حاد بين مؤيد ومعارض، مما أضعف من تماسك المجتمع وهزّ مؤسسات الدولة.
ولم يقتصر تأثيرهم على مصر فقط، بل امتدّ إلى سيطرت الجماعة على قطاع غزة عام 2007 و دول أخرى مثل السودان وقطر وتركيا، حيث وظفوا الدين لتحقيق أهداف سياسية، مستغلين الأزمات والصراعات الإقليمية لنشر الفوضى وزعزعة الأمن. ومن خلال شبكات دعم مالية وسياسية، تمكنوا من توسيع نفوذهم، مما كان له تأثير سلبي على تطور تلك البلدان.
على المستوى الاجتماعي، لم تكتفِ جماعة الإخوان بالصراع السياسي، بل حاولت فرض رؤيتها المحافظة والمتشددة على المجتمع، ما أدى إلى تراجع الحريات الفردية، خاصة حقوق المرأة والأقليات الدينية. كما ارتبطت الجماعة بمحاولات تقييد الفكر والفن والإعلام، وإطلاق حملات ضد كل ما يعتبرونه مخالفًا لتفسيراتهم الضيقة للشريعة.
والأخطر من ذلك، تبنت الجماعة في بعض الفترات ممارسات العنف والتطرف، سواء عبر أذرعها المسلحة أو التحريض الإعلامي، مما أدى إلى وقوع اعتداءات إرهابية في عدة دول، وزيادة العنف الطائفي، وعرقلة جهود إحلال السلام والاستقرار.
في النهاية لا يمكن إنكار أن جماعة الإخوان المسلمين كان لها دور تدميري في عدد كبير من المجتمعات العربية. فقد استغلت الدين لتضعف الدول، وتنشر الفوضى والانقسام، وتضر بالحريات وحقوق الإنسان. وتقع المسؤولية على عاتق الجميع، حكومات وشعوبًا، لكشف مخاطر هذه الجماعة والعمل على بناء مجتمعات متماسكة تقوم على قيم السلام والتعايش والعدل.
*في الختام* أؤمن تمامًا أن هذه الجماعات، مهما ادّعت ومهما رفعت من شعارات، ستبقى غريبة عن روح هذا الدين، غريبة عن إنسانية البشر، غريبة عن ضمير كل إنسان حر. المسؤولية اليوم تقع علينا جميعًا، كلٌّ في موقعه: الأب في بيته، المعلم في مدرسته، الإعلامي في قلمه وصوته، والمفكر في كتبه وأفكاره.
كلنا مدعوون لوقف هذا الخراب، وحماية العقول والقلوب من هذا التيه المظلم. فقط بالعلم، بالوعي، وبإحياء القيم الإنسانية الأصيلة، نستطيع إعادة بناء مجتمعاتنا، واستعادة صورة الإسلام الحقيقية، دين السلام والرحمة والعدل، ونزرع الأمل في نفوس الأجيال القادمة.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب


