د. عبدالرحمان الأشعاري يكتب.. المغرب.. وثيقة “العدل والإحسان” السياسية

أقدمت جماعة “العدل والإحسان” المغربية ولأول مرة بتاريخها في يوم 2 فبراير 2024، على تقديم “وثيقة سياسية”، تؤكد الجماعة أنها عبارة عن أرضية لتأسيس حوار حر مفتوح على مختلف الأطراف وكل القضايا، الحوار الذي لا يقصي أحداً، ولا ينظر في المكاسب والأرباح بل الواجبات والالتزامات، ولا يكون تسلية فكرية ولا تزجية للوقت، بل الحوار الجاد المسؤول الذي يضع أقدامنا على سكة الطريق الجديد.
الوثيقة التي شغلت بال الرأي العام الوطني والدولي، لا تشبه الوثائق التي دأبت الجماعة على تقديمها خلال الفترات السابقة والتي كانت تكتفي فيها فقط بوضع الخطوط العريضة دون الإشارة إلى التفاصيل، بل هي وثيقة يمكن اعتبارها تاريخية، بحيث تتألف من 198 صفحة وتحمل مشروعاً عملياً متكاملاً يضم كل النقط ويشمل كل مجالات الإصلاح الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية وغيرها من المجالات.
يقول عبد الواحد المتوكل، رئيس الدائرة السياسية لجماعة “العدل والإحسان” في تصريح للصحافة الوطنية: “إن الوثيقة كفكرة كانت مطروحة منذ زمن على الجماعة، لكن ما منع إصدارها ونشرها للعموم هو غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح، وعدم وجود بيئة تعددية ديمقراطية قابلة لاستيعاب الجميع ودون إقصاء”، وأكد أن الجماعة “تمسكت برفض نشر هذه الوثيقة ما لم توجد هناك إرادة سياسية وضمانات دستورية وقانونية تعطي لصوت الناخب قيمة وللمشاركة السياسية معنى”، مضيفاً: “الجماعة تريد من هذه الوثيقة تقديم مقترحاتها في المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ليس بنفس البرنامج الانتخابي، وإنما بصيغة تهدف إلى تحريك الوضع الراكد، وإثارة النقاش العمومي حول الإصلاحات العميقة التي تحتاجها البلاد للخروج من حالة الاختناق التي تعيشها”.
سياق وتوقيت الوثيقة
الوثيقة أيضاً وكما ورد في مقالة تحمل عنوان “هذه سياقات ‘الوثيقة السياسية” لجماعة العدل والإحسان”، نشرتها صحيفة “هوية برس” بتاريخ 07 فبراير 2024، جاءت في سياق دولي ووطني خاص، على المستوى الدولي: يمكن الحديث عن شرطين بارزين؛ الأول عام هو الضربات التي يتلقاها النظام الدولي القديم، وما يفرضه ذلك من إفراز متدرج لنظام دولي جديد لا تتم تبيئته على المستوى الدولي فحسب، وإنما في كل قُطر على حدة، وحسب الشروط الخاصة بكل دولة. هذه التبيئة تأبى الفراغ، وتستمد نجاعتها من نجاعة قابليتها الاجتماعية في هذه الدولة أو تلك، والثاني ذو علاقة بحركات الإسلام السياسي، والعدل والإحسان جزء منها، إذ عرفت هذه الحركات انتعاشاً آيديولوجياً وسياسياً جديداً تزامناً مع “حرب غزة”، حتى إن بعض المحللين تحدثوا عن تحركات شبيهة بتلك التي عرفتها أحداث 2011، من المفترض إذن أن تستثمر “العدل والإحسان” هذا الشرط للدفع بمبادرتها كما انخرطت أخرى سابقة في شرط “2011”.
أما على المستوى الوطني، فيمكن أيضاً الحديث عن شرطين؛ الأول يتجلى في الضعف الذي يعرفه الفاعل السياسي المشارك، من أحزاب ونقابات وجمعيات، لا يعني هذا أن الفاعل القديم قد استنفد أغراضه، ولكنه ربما في حاجة إلى “ملتحق جديد” يمنح “الفضاء العمومي” دعماً مطلوباً، ليس من موقع “مقاطعة خارج المؤسسات”، بل من موقع “مشاركة مؤسساتية”، أو على الأقل من موقع “مقاطعة تكتيكية” (بتعبير محمد طلابي) تقبل “المشاركة كاستراتيجية” في أفق تفعيلها على المدى المتوسط. أما الثاني فله علاقة بالمحاكمات والتحقيقات التي يباشرها القضاء المغربي على خلفية ملفات فساد أصبحت اليوم مثار نقاش لدى الرأي العام، ومعلوم أن ملفات من هذا القبيل تعزز الخطاب السياسي المعارض، وتمنح مطالب “مواجهة الفساد” نوعاً من الشرعية السياسية، بغض النظر عن مدى واقعية ما تقدمه “العدل والإحسان” في هذا الإطار، إلا أنه قد يجد قابلية لدى الرأي العام في السياق الحالي.
وتحدث المقال عن سياق آخر يخص هذه المرة المستوى التنظيمي للجماعة، وقال: “لم تعد (العدل والإحسان) تقوى على الانتظار، هذا ربما هو الشرط التنظيمي الأكثر اعتباراً لدى قيادة الجماعة ودائرتها السياسية، ربما لا تعلم كيف سيتم تصريف هذا الانتظار، ولكنها تفكر في الخروج منه بأقل الخسائر، غير أن السؤال المطروح في هذا الإطار؛ هو كيف ستخوض الجماعة غمار المشاركة السياسية بعدما خيبت مشاركة حزب بنكيران، آمال كل المتتبعين سواء من داخل الساحة الإسلامية أو من خارجها؟”.
مصطلحات قانونية ليبرالية
موقع فبراير لاحظ في الوثيقة الجديدة المكونة مما يزيد على 250 صفحة و10 محاور، خلو محاورها من المصطلحات المنتمية لقاموس الإسلام السياسي، وتعويضها بمصطلحات دستورية قانونية صرفة، أسس لها في الأصل الفكر الليبرالي في القرن 19 بالدول الغربية، وأشار في مقالة تحمل عنوان “العدل والإحسان تجدد مشروعها السياسي لـ’إنقاذ ما يمكن إنقاذه’ في المغرب”، إلى أن عبد الواحد متوكل، رئيس الدائرة السياسية لجماعة “العدل والإحسان”، قال خلال لقاء نظم بالمناسبة، إن “البعض قد يتساءل عن سبب صدور الوثيقة الآن بالضبط”، مؤكداً أن هذا “السؤال كان سيطرح في جميع الأحوال، سواء صدرت أمس أو اليوم أو غداً”، مؤكداً أن “الوثيقة باعتبارها فكرة ومشروعاً على الورق، كانت موجودة منذ سنوات، ولكننا كنا نرفض نشرها للعموم، لسبب بسيط، لأنه لم تكن هناك إرادة حقيقية للإصلاح، ولا توجد بيئة تعددية ديمقراطية قابلة لاستيعاب الجميع دون إقصاء”.
وتابع المتوكل، وفقاً لما جاء في الموقع نفسه: “ظللنا نتمسك بموقفنا، على اعتبار أنه ما لم تتوفر إرادة سياسية، وضمانات دستورية وقانونية، تعطي لصوت المواطن قيمة، وللمشاركة معنى، فإن الحديث عن تقديم مقترحات لتجاوز الأعطاب التي تعاني منها مختلف القطاعات السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية، سيكون صيحة في واد”، وأضاف أنه “ربما، عوض المساهمة في جذب الأنظار إلى القضايا المصيرية مثل الفساد والاستبداد، وغياب إرادة للإصلاح والتغيير، والتركيز على البداية الصحيحة لإصلاح حقيقي، نعطي الفرصة لنقاش مغلوط، ومعارك هامشية”، منبهاً إلى أن هذا الأمر، كان تقدير جماعة “العدل والإحسان” في السابق.
ومن جهته، قال محمد باسك منار، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، بحسب ذات الموقع، “إن طبيعة الوثيقة ومحدداتها ومحاورها يمكن تلخيصها في 6 نقاط: الأولى تتعلق بأنها ليست ورقة مذهبية تنحصر في التعريف بالتصور الاستراتيجي العام، وليست برنامجاً تفصيلياً تنفيذياً. هي منزلة بين المنزلتين، تشكل وسطاً بين التصور المذهبي أو التصور الاستراتيجي العام، وبين البرنامج التفصيلي التنفيذي”.
وأختم هذا التقرير بما أكده عبدالواحد المتوكل، رئيس الدائرة السياسية لجماعة “العدل والإحسان”، أن الجماعة قررت أن تعيد النظر في هذا الموقف وتطرح الوثيقة السياسية، ليس لأن الواقع السياسي في المغرب تغير، أو أن المناخ السياسي قد تهيأ للعمل السياسي بالشروط المتعارف عليها في الأنظمة الديمقراطية، بل بسبب رغبة الجماعة في أن تتجاوز ما كان يعيب عليها بعض الفرقاء السياسيين بخصوص غموض موقفها السياسي، وطموحاتها، ودفعا للاتهامات “الباطلة” التي تساق للتخويف من الجماعة، من قبيل أنها تطمح إلى إقامة الخلافة، والقضاء على التعددية السياسية وغيرها، مشيراً في خبر نشر بموقع اليوم 24 بعنوان “جماعة العدل والإحسان تطرح وثيقة سياسية ‘لتبديد الغموض’ بشأن مشروعها”، إلى أن الوثيقة بصيغتها الحالية كانت جاهزة منذ أشهر، حيث تدارستها مختلف مؤسسات الجماعة، وصادق عليها المجلس القطري للدائرة السياسية للجماعة المنعقد في أكتوبر الماضي، لكن قدرت الجماعة أن الوقت غير مناسب بالنظر لعدد من الأحداث التي عرفتها المملكة المغربية، مثل كارثة الحوز وما صاحبها من آلام، وأيضاً قضية التطبيع، ثم الحرب على قطاع غزة.
خلاصة تركيبية
وخلاصة القول أن ما يميز هذه المرحلة من تاريخ جماعة “العدل والإحسان” المغربية هو من دون منازع هذه الورقة السياسية، التي ظل الجميع يترقبها وينتظرها منذ عقود، وذلك من أجل تبديد الغموض واستجلاء الرؤية وتوضيح المنطلقات والكشف عن الأهداف والمرامي.
الورقة السياسية مؤشر مهم على أن الجماعة تؤمن بالديمقراطية وبحرية الصحافة وبالتعددية الحزبية، ومؤشر أيضاً على أنها تؤمن بالمشاركة السياسية مثلها مثل باقي الشركاء السياسيين، سواء أكانوا إسلاميين أو اشتراكيين أو ليبراليين أو غيرهم.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



