مادورو.. ماذا فعل فى فنزويلا؟

إعداد /أحمد أنور
إعلامى وباحث فى الشؤون الدولية
أثار اعتقال الولايات المتحدة الأمريكية المفاجئ الرئيسَ الفنزويلي نيكولاس مادورو يوم الثالث من يناير 2026 ردودَ فعل دولية متباينة.
فما بين رافض ومستنكر باعتبار ذلك اختطافًا لرئيس جمهورية،وبين مؤيد باعتباره مجرمًا وأحد أباطرة المخدرات فى أمريكا اللاتينية كما وصفه الرئيس الأمريكى دونالد ترمب تأتى ردود الفعل الشعبية العربية التى اتسمت بالتعاطف.

وفى ظل كل هذا الغموض والتباين تحتاج الحقيقة لتوضيح.
فماذا فعل نيكولاس مادورو فى بلاده فنزويلا منذ انتخابه فى 2013 وحتى الآن؟
تنظر الشعوب دائمًا للاقتصاد على أنه أهم المعايير فى تقييمها لحكامها.
1-يُعد اقتصاد فنزويلا واحداً من أكثر الأزمات الاقتصادية تعقيداً في التاريخ الحديث،حيث تحول بلد يملك أكبرَ احتياطيات نفط في العالم (330 مليار برميل) إلى اقتصاد يعاني انكماشًا حادًا وفقرًا مدقعا.
لقد تسبب ميراث الرئيس الراحل هوجو تشافيز وسياساته الاشتراكية والفساد المستشرى فى الدولة فى أعباء ثقيلة،وكما كان صديقاً مخلصاً للراحل تشافيز كان كذلك لسياساته وتوجهاته ولم يُفلت منها.
- انكماش الناتج المحلي: فقد الاقتصاد الفنزويلي نحو 75% إلى 80% من قيمته منذ عام 2013، وهي واحدة من أكبر حالات الانهيار الاقتصادي في دولة لا تمر بحرب أهلية تقليدية وذلك بسبب الديون التى وصلت إلى 165% من الناتج المحلي.
- التضخم المفرط: بعد سنوات من وصول التضخم لمستويات فلكية (تجاوزت 130% في بعض السنوات)، استقر التضخم مؤخراً عند مستويات تصل إلى 500%،ولا يزال من الأعلى عالمياً،وقد يصل هذا العام إلى 625% وهو معدل يعبر عن الفقر المدقع الذى يكابده الشعب.
- كل ذلك أدى لانهيار العملة والقدرة الشرائية: الحد الأدنى للأجور تآكل بشكل شبه كامل، حيث يقدر بنحو 1 دولار إلى 0.30 دولار شهرياً ما جعل السكان يعتمدون كلياً على المساعدات الحكومية أو التحويلات من الخارج.
- انهيار قطاع النفط: تراجع الإنتاج من 3 ملايين برميل يومياً في مطلع الألفية إلى أقل من 800 ألف برميل حالياً بسبب سوء الإدارة، ونقص الاستثمار، والعقوبات الدولية وكل ذلك رغم إمكانيات الدولة وقدرتها الإنتاجية الضخمة المعطلة.
2-ماذا فعل نظام مادورو؟ (السياسات والقرارات)
اتسمت فترة حكم مادورو (منذ 2013) بمزيج من التمسك بالسياسات الاشتراكية المركزية ثم التحول الاضطراري نحو “رأسمالية البقاء”:
فقد اتبع ما يلى:
- التمسك بضوابط الأسعار والعملة: في بدايات حكمه شدد مادورو الرقابة على الأسعار ومنع الشركات من تحديد أرباحها مما أدى إلى اختفاء السلع الأساسية (الأدوية، الغذاء) وظهور الطوابير الطويلة والسوق السوداء.
- طبع النقود: لمواجهة العجز المالي الناتج عن انهيار أسعار النفط (أهم ثروات الدولة) قام البنك المركزي بطبع مبالغ هائلة من العملة (البوليفار) ما فجر موجة التضخم المفرط التي دمرت مدخرات المواطنين.
- الدولرة غير الرسمية (منذ 2019):وبعد اشتداد الأزمة اضطر مادورو لتخفيف القيود والسماح باستخدام الدولار الأمريكي في المعاملات اليومية. هذا الإجراء أنقذ النظام من الانهيار التام لكنه خلق فجوة اجتماعية بين من يملك الدولار ومن يتقاضى بالبوليفار.
- تسييس شركة النفط الوطنية (PDVSA):فقد قام النظام باستبدال الخبراء الفنيين بمسؤولين “عسكريين وموالين سياسياً” الأمر الذى أدى إلى تهالك البنية التحتية وتفشي الفساد (واختلاس مليارات الدولارات).
- بيع الأصول والموارد:مع اشتداد الأزمة الاقتصادية الخانقة اضطر النظام لبيع احتياطيات الذهب وعدد من أصول الدولة لمواجهة العقوبات الأمريكية، وتوسيع نطاق التعدين غير القانوني في جنوب البلاد لتأمين السيولة.
3.لكن الأسباب الرئيسية للانهيار (من وجهة نظر اقتصادية)هى:
- الاعتماد المفرط على النفط:يمثل النفط أكثر من 90% من صادرات فنزويلا لذا كان لانهيار أسعاره عالمياً عام 2014 أثر قاتل.
- العقوبات الدولية: فرضت الولايات المتحدة الأمريكية إثر فوزه فى انتخابات 2024 التى اعتبرها المجتمع الدولى مزورة عقوبات مشددة استهدفت قطاع النفط والمالية، مما عزل فنزويلا عن النظام المالي العالمي.
- هجرة العقول:على أثر الأزمة الاقتصادية والتضييق السياسى غادر البلاد أكثر من 7.7 مليون شخص (نحو ربع السكان)، ومعظمهم من الكفاءات والشباب، ما أفقد الاقتصاد قوته البشرية والأيدى العاملة اللازمة.
والآن..
وبعد إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو من السلطة..يترقب العالم ما إذا كانت فنزويلا ستتمكن من إعادة هيكلة ديونها الهائلة (التي تتجاوز 150 مليار دولار) والعودة لسوق النفط العالمي بشكل طبيعي..خاصة وأن الرئيس الأمريكى دونالد ترمب قال إن واشنطن ستعمل على إعادة تأهيل وتشغيل قطاع النفط الفنزويلي بأقصى سرعة وكفاءة،وسيدعم عودة الشركات الأمريكية للعمل فيه وبقوة.
ولكن..
هل اكتفى نيكولاس مادورو بهذا الفشل والفساد والانهيار فى بلاده؟
إن الجرائم المنسوبة لنظامه تتوزع بين انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان،جرائم ضد الإنسانية،واتهامات جنائية دولية تتعلق بالإرهاب تصدرت قائمة التهم والجرائم التي يواجهها:
1. جرائم ضد الإنسانية (وفقاً للأمم المتحدة والجنائية الدولية)
خلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية إلى وجود أدلة على ارتكاب النظام لجرائم تشمل:
- القتل خارج نطاق القضاء: تنفيذ عمليات تصفية للمعارضين والناشطين من قبل الأجهزة الأمنية (مثل الشرطة والحرس الوطني).
- التعذيب المنهجي: تقارير موثقة عن استخدام الصدمات الكهربائية، الإيهام بالغرق، والاعتداءات الجنسية ضد المعتقلين السياسيين في السجون.
- الاختفاء القسري: اعتقال الأشخاص دون إبلاغ ذويهم بأماكانهم لمدد طويلة، وهى ما تعرف بـ “عملية تون-تون” (Tun-Tun) لترهيب المعارضين.
2. الإرهاب المرتبط بالمخدرات
هذه هي التهم الأساسية التي يواجهها مادورو حالياً أمام القضاء الأمريكي في نيويورك:
- قيادة “كارتل الشمس” (Cartel of the Sun): يُتهم مادورو بإدارة منظمة لتهريب المخدرات تضم كبار القادة العسكريين، والتعاون مع جماعات متمردة كولومبية (مثل FARC) لإغراق الولايات المتحدة بالكوكايين.
- غسل الأموال: تحويل مليارات الدولارات من خزينة الدولة وشركة النفط الوطنية (PDVSA) إلى حسابات خاصة عبر شبكات دولية.
3. الجرائم السياسية والانتخابية
- قمع الاحتجاجات: مسؤولية النظام عن مقتل المئات وإصابة الآلاف خلال موجات الاحتجاج في 2014،و2017، وآخرها احتجاجات انتخابات 2024 التي اعتبرها المجتمع الدولي “مزورة”.
- الاعتقال التعسفي للأطفال: وثقت منظمة العفو الدولية اعتقال مئات القاصرين وتعذيبهم لإجبارهم على الاعتراف بالمشاركة في تظاهرات معارضة بعد انتخابات 2024.
4. الإبادة الاقتصادية والاجتماعية
يتهم منتقدوه نظامه بارتكاب “جريمة تجويع” من خلال:
- استخدام الغذاء والمساعدات (سلال CLAP) كأداة للسيطرة السياسية.
- التسبب في انهيار القطاع الصحي، مما أدى لوفيات جماعية بسبب نقص الأدوية الأساسية.
- تشريد أكثر من 7.7 مليون فنزويلي هرباً من الجوع والقمع، فيما تُعرف بأكبر أزمة نزوح في تاريخ أمريكا اللاتينية.
وبعد كل ذلك يظل السؤال.. مامصير الرئيس المخلوع أو المختطف؟
وهل يتولى القضاء الأمريكى محاسبته نيابة عن شعبه والعالم؟ إن الأسئلة كثيرة وجديدة ومعقدة لكن عجلة الزمن بالتأكيد لن تعود إلى الوراء..والأكيد أن صفحة نيكولاس مادورو أُغلقت للأبد،بدليل أن فى اليوم التالى لاختطافه وحتى قبل محاكمته تم تفويض نائبته ديلسي رودريجز لإدارة شؤون البلاد.أما هو وزوجته سيليا فلوريس فسيمثلان أمام محكمة اتحادية في نيويورك لمحاكمتهما بتهم قد تصل عقوبتها إلى السجن مدى الحياة.



