رأي

د. فرج بوخروبة يكتب.. فنزويلا فصلٌ جديد في كتاب الهيمنة

منذ أن أعلنت الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر مبدأ مونرو، الذي نص على أن نصف الكرة الغربي منطقة نفوذ حصري لها، لم تتوقف عن التعامل مع أمريكا اللاتينية باعتبارها حديقتها الخلفية، حيث لا يُسمح لقوى خارجية بالتدخل أو التمدد. هذا المبدأ الذي وُضع في عام 1823 كان في بدايته ردًا على محاولات أوروبية لاستعادة نفوذها في القارة، لكنه سرعان ما تحول إلى قاعدة استراتيجية تبرر تدخلات واشنطن في شؤون الدول اللاتينية، سواء عبر دعم انقلابات عسكرية أو عبر فرض عقوبات اقتصادية أو عبر التدخل المباشر. ومع مرور الزمن، أصبح هذا المبدأ جزءًا من هوية السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يُعاد إنتاجه في كل مواجهة مع قوة دولية تحاول الاقتراب من أمريكا اللاتينية. التدخل الأمريكي في فنزويلا ليس إذن حدثًا معزولًا، بل هو استمرار لهذا الإرث التاريخي، وهو يحمل رسائل سياسية مشفرة إلى روسيا والصين، مفادها أن أي محاولة لاختراق هذه المنطقة ستُواجَه برد صارم، وأن واشنطن لن تسمح لأقطاب دولية بمنافستها في مجال تعتبره خطًا أحمر.

اقرأ أيضا:  كيف تدافع فنزويلا عن نفسها أمام قوة عظمى؟

في الحرب الباردة، تحولت أمريكا اللاتينية إلى ساحة صراع بين واشنطن وموسكو، حيث دعمت الولايات المتحدة أنظمة يمينية موالية لها، بينما دعمت روسيا وحركات يسارية وثورية. من تشيلي إلى نيكاراغوا، ومن كوبا إلى غواتيمالا، كانت المنطقة مسرحًا لانقلابات، ثورات، وحروب أهلية، كلها مرتبطة بالصراع بين القطبين. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، ظن البعض أن أمريكا اللاتينية ستخرج من دائرة الصراع الدولي، لكن الواقع أثبت أن واشنطن بقيت متمسكة بفكرة الهيمنة، وأن أي محاولة من قوى أخرى للعودة إلى المنطقة ستُواجَه بنفس الغطرسة القديمة. فنزويلا، بما تمتلكه من ثروات نفطية هائلة، وبما تبنته من خطاب سياسي معادٍ للولايات المتحدة منذ عهد هوغو تشافيز، أصبحت هدفًا مباشرًا لهذه السياسة، خاصة مع تقاربها مع روسيا والصين في مجالات الطاقة والتسليح والاستثمار.

الرسالة الأمريكية إلى الصين واضحة: التمدد الاقتصادي الصيني عبر مبادرة الحزام والطريق، وعبر الاستثمارات في البنية التحتية والطاقة في أمريكا اللاتينية، يُعتبر تهديدًا مباشرًا لنفوذ واشنطن التقليدي. الصين التي تسعى إلى تأمين مصادر للطاقة وإلى فتح أسواق جديدة، وجدت في فنزويلا شريكًا مهمًا، لكن الولايات المتحدة ترى في هذا التمدد محاولة لاختراق مجالها الحيوي. أما الرسالة إلى روسيا فهي أكثر حدة، إذ إن أي وجود عسكري أو سياسي روسي في أمريكا اللاتينية يُعتبر تحديًا لهيبة الولايات المتحدة، ويُذكّرها بأيام الحرب الباردة حين كانت كوبا قاعدة متقدمة للاتحاد السوفيتي. لذلك، فإن التدخل الأمريكي في فنزويلا ليس مجرد دعم للمعارضة أو ضغط على النظام، بل هو إعلان صريح بأن واشنطن لن تسمح بتكرار سيناريو كوبا، ولن تقبل بوجود روسي أو صيني في حديقتها الخلفية.

لكن واشنطن لا تقدم هذه الرسائل بشكل مباشر، بل تغلفها بشعارات حقوق الإنسان والديمقراطية. فهي تدّعي أن تدخلها في فنزويلا يهدف إلى حماية الشعب من الاستبداد، وإلى دعم الحرية، وإلى إنقاذ الاقتصاد المنهار. غير أن هذه الشعارات ليست سوى غطاء لرسالة حازمة مفادها أن “شرطي العالم” لن يسمح لأقطاب دولية بمنافسته في مجاله الحيوي. إن استخدام حقوق الإنسان هنا ليس إلا أداة لتبرير التدخل، بينما الهدف الحقيقي هو حماية المصالح الاستراتيجية. هذا الأسلوب ليس جديدًا، فقد استخدمته الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وليبيا، حيث رُفعت شعارات الديمقراطية والحرية بينما كان الهدف السيطرة على الموارد أو منع خصومها من التمدد.

أدوات الهيمنة الأمريكية متعددة، تبدأ بالعقوبات الاقتصادية التي تُستخدم لإضعاف الأنظمة غير الموالية وإجبارها على الانصياع. فنزويلا عانت من عقوبات قاسية أثرت على اقتصادها بشكل مباشر، وأدت إلى انهيار العملة وإلى نقص في المواد الأساسية. هذه العقوبات ليست مجرد وسيلة ضغط، بل هي سلاح استراتيجي يُستخدم لإحداث أزمات داخلية تُضعف النظام وتفتح الباب أمام تدخل خارجي. إلى جانب العقوبات، هناك الدعم السياسي والإعلامي للمعارضة، حيث تُضخّم الأزمات الداخلية وتُقدَّم للعالم باعتبارها دليلًا على فشل النظام، مما يبرر التدخل. وهناك أيضًا القوة العسكرية، حيث تلوّح واشنطن دائمًا بإمكانية التدخل المباشر أو غير المباشر عبر دعم حلفاء محليين أو عبر وجود عسكري في المنطقة.

انعكاسات هذا التدخل تتجاوز فنزويلا لتؤثر على الساحة العالمية. فهو يعيد إنتاج الثنائية القطبية بشكل جديد، حيث تتشكل محاور مضادة تقودها روسيا والصين في مواجهة الهيمنة الأمريكية. هذه المحاور لا تقتصر على أمريكا اللاتينية، بل تمتد إلى إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، حيث تسعى القوى الصاعدة إلى كسر احتكار واشنطن للقرار الدولي. التدخل الأمريكي في فنزويلا يُظهر أن النظام الدولي ما زال محكومًا بمنطق القوة لا بمنطق القانون، وأن سيادة الدول الصغيرة هشّة أمام مصالح الكبار. إنه يرسّخ فكرة أن العالم يعيش في ظل ثقافة الهيمنة، حيث تُستخدم الشعارات الحقوقية كغطاء لمصالح استراتيجية، وحيث تُسحق سيادة الدول إذا تعارضت مع مصالح القوى الكبرى.

من الناحية الثقافية والفكرية، هذا التدخل يعكس أيضًا طبيعة النظام الدولي الذي لا يعترف إلا بالقوة. فالدول الضعيفة تُعامل باعتبارها أدوات في لعبة الكبار، حيث تُستخدم مواردها وأسواقها كأوراق تفاوض، وحيث تُفرض عليها سياسات لا تخدم مصالح شعوبها. هذا الواقع يطرح أسئلة عميقة حول معنى السيادة في القرن الحادي والعشرين، وحول قدرة الدول الصغيرة على حماية استقلالها في مواجهة أطماع القوى الكبرى. كما يطرح أسئلة حول دور القانون الدولي، الذي يُفترض أن يحمي الدول من التدخلات، لكنه يُهمَّش أمام منطق القوة.

التدخل الأمريكي في فنزويلا إذن ليس مجرد حدث سياسي، بل هو نموذج يوضح كيف تُدار السياسة الدولية بأدوات الهيمنة، وكيف تُستخدم الشعارات الحقوقية كغطاء لمصالح كبرى. إنه يوضح أن النظام الدولي يعيش حالة من إعادة تشكيل، حيث تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على هيمنتها في مواجهة قوى صاعدة، وحيث تُستخدم كل الوسائل، من العقوبات إلى التدخل العسكري، لتحقيق هذا الهدف. ومن هنا، يصبح فهم هذه الديناميكيات ضرورة لكل متتبع للأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية في عالم يتأرجح بين هيمنة الكبار وصراع الأطماع.

إن قراءة هذا التدخل في سياقه التاريخي والسياسي تكشف أن الولايات المتحدة لم تتخلَّ يومًا عن فكرة الهيمنة، وأنها مستعدة لاستخدام كل الوسائل لحماية مصالحها. من مبدأ مونرو إلى الحرب الباردة، ومن العراق إلى فنزويلا، يبقى المنطق واحدًا: القوة فوق القانون، والمصلحة فوق السيادة. هذا المنطق هو ما يجعل العالم يعيش في حالة من التوتر المستمر، حيث تُعاد إنتاج الصراعات القديمة في أشكال جديدة، وحيث يبقى المستقبل مفتوحًا على احتمالات متعددة، كلها مرتبطة بصراع الهيمنة بين الكبار.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى