رامي زُهدي يكتب.. «نزوح بلا نهاية.. هل تتحول أفريقيا إلى قارة المخيمات؟»
"اللاجئون والنازحون في إفريقيا: قراءة استراتيجية معمَّقة في الأسباب، الأرقام، التداعيات، والحلول الممكنة"
أصبحت قضية اللاجئين والنازحين إحدى أبرز ملامح المشهد الأفريقي المعاصر، أزمة إنسانية عميقة، لكنها أيضاً مرآة لضعف آليات الحوكمة، وفشل سياسات التنمية، وتأثيرات تغيّر المناخ، وتعقيد المشهد الأمني الإقليمي، لذا ينبغي أن تُقرأ هذه الظاهرة عبر منظور استراتيجي يربط بين الأسباب المباشرة والعوامل البنيوية، وينتقل من إدارة الطوارئ إلى حلول متكاملة تربط الحماية الإنسانية بالتنمية، والأمن والسياسة.
وصل عدد الأشخاص الذين يعيشون في نزوح داخلي على مستوى العالم إلى أرقام قياسية؛ تقرير الـGRID أشار إلى 75.9 مليون نازح داخلي بنهاية 2023، مع زيادة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
تقديرات لاحقة تشير إلى أن إجمالي عدد النازحين داخلياً عالمياً ارتفع إلى حوالي 83.4 مليون بنهاية 2024، ما يعكس تصاعد وتيرة النزاعات والكوارث.
إفريقيا تأوي نسبة كبيرة من هذه الأرقام، فالقارة تستضيف ما يقرب من 35 مليون نازح داخلي، تقريباً نصف إجمالي النازحين عالمياً في إحداثياتٍ زمنية محدّدة، كما يسجل عدد اللاجئين والإجمالي القابل للقياس ارتفاعات في مناطق مثل الساحل والقرن الأفريقي.
على مستوى الأقاليم، تشير تحديثات اليونِسف والـUNHCR إلى أن منطقة غرب ووسط أفريقيا استضافت بين نهاية 2024 وأبريل 2025 ما بين 12.7 — 14.3 مليون شخص مشمولين بقضايا النزوح واللاجئين بحسب مصادر إقليمية مختلفة، مع تزايد خلال 2025.
في 2024 فقط، سجّلت تقارير البنك الدولي أن حوالي 4.7 مليون فرد أُجبروا على النزوح داخل بلدانهم، مع تركّزٍ شديد في حالات مثل السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبعض بؤر منطقة الساحل الإفريقي.
النزاعات المسلحة والتمدد المسلّح
، الصراعات الداخلية، صعود الجماعات المسلحة العابرة للحدود، والتنافسات الإقليمية خصوصاً في الساحل، شرق الكونغو، السودان، وإثيوبيا هي المحرّك الرئيس لجزء كبير من النزوح، النزاعات تنتج نزوحاً جماعياً سريعاً يصعب استيعابه حتى داخل البلدان المستهدفة.
كذلك تغيّر المناخ والكوارث الطبيعية،
تزايد الفيضانات والجفاف وارتفاع تواتر الكوارث دفع إلى نزوح من مواطن زراعية وساحلية، والارتباط واضح بين تغيّر أنماط الطقس وتآكل سُبل العيش، ما يجعل التكيّف غير كافٍ وحده لمعالجة المشكلة، وهناك تقارير أفريقية وإقليمية بدأت تعترف بضرورة تبني وضع إطار قانوني لحماية المتضرّرين من النزوح المرتبط بالمناخ.
إضافة إلي الفقر، هشاشة الدولة، والحدّ من سُبل العيش،ضعف شبكات الأمان الاجتماعي، وانهيار الخدمات الأساسية، والبطالة خصوصاً في فئات الشباب، كلها دوافع تُسرّع الاستجابة النزوحية عند وقوع صدمات سياسية أو بيئية.
وأيضا عوامل محلية وإقليمية مساعدة، مثل التهريب، الاتجار بالبشر، انهيار قدرات الإجابة الحكومية، والهجرة القسرية عبر حدود غير مُدارة تؤدّي إلى تعقيدٍ إضافي لمسألة الحماية والعودة.
وبالتأكيد تأثيرات النزوح تتشعب مابين إنسانية، أمنية، واقتصادية، ابرزها الأثر المباشر على كرامة البشر، النقص في الغذاء، المياه، السكن، الصحة والتعليم يعيد إنتاج حلقات الفقر على مدار سنوات. وكذلك نقص الموارد يحول مخيمات ومجتمعات مضيفة إلى بؤر هشة.
كذلك فإن تجمّعات المشردين قد تصبح ساحة استقطاب للجماعات المسلحة أو سوقاً للمهربين، ومع تراكم الضغوط يتزايد احتمال الاستقطاب الاجتماعي والاحتقان بين النازحين والمجتمعات المضيفة.
بينما الضغوط على الخدمات العامة، وتكاليف الاستجابة الإنسانية، وتأثير ذلك على التنمية المحلية والميزانيات الوطنية، خصوصاً في دول ذات موارد محدودة،يمثل خطر كبير، كما يفرض النزوح عبئاً على دول الجوار التي تستضيف لاجئين وتكبدها تكاليف اقتصادية واجتماعية.
ومابين منطقة الساحل الإفريقي (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد)، تظهر موجات عنف مسلّح ونزوح داخلي متزايد، تهدّد الاستقرار الإقليمي.
وكذلك منطقة القرن الأفريقي (الصومال، إثيوبيا، السودان)، تمثل مزيج من نزاعات مسلحة وكوارث مناخية (فيضانات وجفاف)؛ أزمة مركبة.
وأيضا حوض البحيرات الكبرى وجمهورية الكونغو الديمقراطية، تمثل نزوح طويل الأمد بسبب صراعات متعددة الأطراف ومنافسات على الموارد.
وفي شمال أفريقيا وليبيا، يظهر نزوح هاربين من العنف وتحوّلت ليبيا إلى محطة عبور ونقطة ضغط على الأمن الإقليمي.
وبالتوازي تمثلت ابرز الدول المضيفة الرئيسية: في مصر، أوغندا، السودان (قبل وأثناء الصراعات)، كينيا وتشاد تستقبل أعدادا كبيرة من اللاجئين مع أعباء اقتصادية واجتماعية.
ورغم محاولات الحل او الاستعياب للأزمات،لكن فصل الحماية الإنسانية عن التنمية يؤدي إلى حلول مؤقتة فقط، كذلك فإن ضعف التنسيق الإقليمي سبب غياب لبنى إقليمية فاعلة للتعامل مع النزوح البيني والعابر للحدود.
بينما التمويل الغير المستدام والاعتماد على تمويل طارئ قصير الأمد بدلاً من صناديق للاستثمار في المجتمعات المضيفة وبناء سُبل العيش كان الأسباب الجوهرية لعدم فاعلية الحلول المطروحة.
إضافة إلي إهمال البعد السياسي، وتجاهل معالجة أسباب النزاع والحوكمة المحلية يجعل أي حل عائد غير دائم.
كمحلّل وسياسي مصري، أرى أن لمصر دوراً طبيعياً ومؤثراً في هذا الملف على عدة مستويات، اولها دبلوماسياً، مصر يمكن أن تكون وسيطاً إقليمياً في حوارات بنّاءة لدعم استقرار دول حوض النيل والمنطقة الشرقية لأفريقيا، مع ربط الحلول الأمنية ببرامج التنمية.
اما تنموياً وتقنياً، فيمكن نقل الخبرات المصرية في إدارة المشروعات القومية (بما فيها إدارة المياه والري، والبنى التحتية الحضرية) لدولها الشقيقة يمكن أن يقلّل ضغط النزوح إن تم استهداف المناطق المعرضة للخطر.
أما قانونياً وإنسانياً، فدعم المبادرات الأفريقية لتوسيع نطاق الحماية القانونية للنازحين بسبب المناخ، والمساهمة في صناديق دعم إقليمي كان من اهم الأسهامات المصرية سابقا ومستقبلا.
قضية اللاجئين والنازحين في إفريقيا ليست فقط عبئًا إنسانياً، إنها اختبار لقدرة القارة والدول على بناء مقاومة مؤسساتية واجتماعية. الحل الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن الخطر متعدد الوجوه، أمني، مناخي، اقتصادي وسياسي، وبناءً على ذلك يجب أن تكون استجابتنا متعددة الأبعاد، تمويلية مستدامة، وقائمة على شراكة إقليمية فعّالة وفي هذا السياق يمكن لمصر ان تضاعف تقديم دورًا فاعلًا يستند إلى العقلانية السياسية والرؤية التنموية.



