رأي

رامي زهدي يكتب.. الأمن العربي في زمن التهديدات العابرة للحدود من تنسيق المواقف إلى بناء القدرة المشتركة

لم يعد الأمن العربي مفهوما يمكن اختزاله في حماية الحدود السياسية لكل دولة بمعزل عن محيطها، كما لم تعد مصادر التهديد تأتي بالضرورة من جيوش تعبر الحدود أو صواريخ تطلق من ساحات مواجهة معروفة، المشهد الأمني العربي تغير بصورة أعمق من ذلك، وأصبحت الأخطار الأكثر تعقيدا هي تلك التي لا تحمل جنسية واضحة، ولا تتحرك في مسار واحد، ولا تتوقف عند نقطة تفتيش أو حدود سياسية.

الإرهاب عابر للحدود، وشبكات تهريب المخدرات والسلاح والبشر عابرة للحدود، والجريمة المنظمة وغسل الأموال وتمويل الإرهاب عابرة للحدود، والهجمات السيبرانية لا تحتاج إلى تأشيرة دخول، والطائرات المسيرة يمكن أن تغير قواعد الاشتباك من دون أن تعبر الجغرافيا بالطريقة التقليدية، كما أن اضطرابات الملاحة والطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد يمكن أن تنتقل آثارها من دولة إلى أخرى في وقت أقصر كثيرا من قدرة المؤسسات التقليدية على الاستجابة.

ومن هنا فإن السؤال عن مستقبل التعاون الأمني العربي لم يعد سؤالا بروتوكوليا حول عدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة، وإنما أصبح سؤالا يتعلق بقدرة النظام العربي نفسه على الانتقال من إدارة التهديدات بعد وقوعها إلى بناء منظومة قادرة على رصدها والتنبؤ بها واحتوائها قبل أن تتحول إلى أزمات ممتدة.

هذه النقلة أصبحت أكثر إلحاحا في ضوء البيئة الإقليمية شديدة السيولة، حيث تتقاطع النزاعات المسلحة في غزة والسودان واليمن وليبيا وسوريا وغيرها مع أزمات اقتصادية وإنسانية وحركات نزوح وتدفقات غير مشروعة وتنافس إقليمي ودولي على النفوذ والممرات الاستراتيجية والموارد، وفي مثل هذه البيئة، فإن أي تصور للأمن العربي لا يأخذ في الاعتبار الترابط بين هذه الملفات سيظل يتعامل مع أعراض متفرقة لأزمة واحدة أكثر اتساعا.

وقد بدا هذا الإدراك واضحا في الطرح المصري الأخير لتطوير ترتيبات الأمن العربي المشترك، والذي دعا إلى الانتقال بالأمن القومي العربي من مجرد مفهوم سياسي إلى قدرة عربية فعلية على المبادرة والوقاية والردع والاستجابة وحماية المصالح المشتركة، مع التأكيد على أن أمن الدول العربية منظومة مترابطة لا يمكن تجزئتها.

وهنا ربما تكون النقطة الأهم في مستقبل التعاون الأمني العربي: الانتقال من مفهوم التضامن الأمني إلى مفهوم الاعتماد الأمني المتبادل.

التضامن يعني أن تقف الدول إلى جانب بعضها عندما تقع الأزمة، أما الاعتماد المتبادل فيعني أن تدرك كل دولة أن قدرتها على حماية أمنها الوطني أصبحت مرتبطة، في بعض الملفات، بقدرة الدول الأخرى على حماية أمنها أيضا.

فإذا كانت دولة عربية تمثل ممرا رئيسيا لتجارة المخدرات، فإن تأثير ذلك لن يتوقف عند حدودها، وإذا تحولت دولة أخرى إلى مركز لتهريب السلاح، فإن السلاح سيبحث عن أسواقه ومساراته في دول أخرى، وإذا تعرضت البنية الرقمية لدولة لهجوم واسع، فإن آثار الهجوم يمكن أن تمتد إلى شبكات ومؤسسات مرتبطة بها إقليميا، وإذا اضطرب أحد الممرات البحرية الرئيسية، فإن التأثير يمكن أن يظهر في أسعار الطاقة والتأمين والنقل والغذاء في دول بعيدة جغرافيا عن مسرح الحدث.

هذه هي طبيعة الأمن في القرن الحادي والعشرين: الخطر قد يبدأ محليا، لكنه لا يظل محليا بالضرورة.

والمنطقة العربية تحديدا مرشحة لأن تكون أكثر تأثرا بهذا النمط من التهديدات بحكم موقعها الجغرافي، وامتلاكها بعض أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم، وفي مقدمتها قناة السويس والبحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز والبحر المتوسط، إضافة إلى وجود شبكات واسعة من التجارة البرية والبحرية والجوية.

ولذلك فإن حماية الأمن العربي لم تعد تعني حماية الأراضي فقط، وإنما حماية حركة التجارة والطاقة والاتصالات والبيانات والبنية الأساسية الحيوية.

وهذا يفتح الباب أمام مفهوم أكثر حداثة للأمن العربي: أمن الممرات الاستراتيجية.

الأمن البحري يجب أن يصبح جزءا أصيلا من منظومة الأمن العربي المشترك، ليس فقط لمواجهة القرصنة أو التهديدات العسكرية، وإنما لحماية الموانئ وخطوط الملاحة والمنشآت النفطية والغازية والكابلات البحرية وسلاسل الإمداد، وفي منطقة تعتمد اقتصاداتها بدرجات مختلفة على التجارة والطاقة، فإن أي اضطراب طويل في الملاحة يتحول في النهاية إلى قضية أمن اقتصادي واجتماعي.

وفي الوقت نفسه، فإن أمن الحدود البرية يحتاج إلى مستوى أعلى من التكامل، فحدود الدول العربية تمتد آلاف الكيلومترات، وتوجد في بعض المناطق مساحات صحراوية وجغرافية واسعة تجعل السيطرة التقليدية وحدها غير كافية، وهنا تصبح التكنولوجيا، والربط المعلوماتي، والمراقبة الجوية، والطائرات المسيرة، والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات أدوات لا تقل أهمية عن القوة البشرية.

لكن التكنولوجيا وحدها ليست الحل.

القضية الأساسية هي بناء منظومة عربية تتبادل المعلومات في الوقت المناسب، وتملك قواعد بيانات متكاملة، وآليات إنذار مبكر، وقدرة على تحويل المعلومة إلى قرار.

وهذا تحديدا هو أحد أهم الاختبارات أمام العمل الأمني العربي خلال السنوات المقبلة.

فالمعلومات موجودة في كثير من الأحيان، لكن قيمتها الحقيقية تتحدد بقدرة المؤسسات على جمعها وربطها وتحليلها ومشاركتها مع الجهة القادرة على التصرف.

والتعاون الأمني الأكثر فاعلية هو الذي يتحول من اجتماعات إلى عمليات مشتركة، ومن تبادل البيانات إلى إجراءات تنفيذية، ومن التنسيق السياسي إلى قدرة ميدانية قابلة للقياس.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل مكافحة الإرهاب عن مكافحة الجريمة المنظمة.

الحدود بين المجالين أصبحت أكثر ضبابية، شبكات تهريب الأموال والمخدرات والسلاح يمكن أن تتقاطع مع جماعات مسلحة، والجريمة الإلكترونية يمكن أن توفر التمويل أو البنية التحتية لعمليات غير مشروعة، كما أن العملات والأصول الرقمية والتقنيات الحديثة تتيح للمجرمين أدوات جديدة لإخفاء الأموال وتحريكها عبر الحدود.

ولهذا فإن مستقبل الأمن العربي يحتاج إلى تعاون أوسع بين وزارات الداخلية والدفاع والعدل والمالية والاتصالات والجهات الرقابية والمصرفية، لأن التهديد نفسه لم يعد يعمل داخل اختصاص مؤسسة واحدة.

التحدي إذن ليس غياب الأطر، وإنما تحويل الأطر القائمة إلى منظومة أكثر تكاملا وفاعلية.

وهنا يجب أن نكون واقعيين، بناء منظومة أمن عربي مشترك لا يعني بالضرورة إنشاء مؤسسة عسكرية واحدة أو إلغاء الخصوصية الوطنية للأجهزة الأمنية، فهذا تصور قد لا يكون واقعيا في ضوء اختلاف التحديات والأولويات والقدرات بين الدول العربية.

الأكثر واقعية والأكثر قابلية للتنفيذ هو بناء هندسة متعددة المستويات للتعاون.

تبدأ من تبادل المعلومات والإنذار المبكر، ثم التدريب المشترك، ثم العمليات المتخصصة، ثم قواعد البيانات الموحدة في بعض الملفات، ثم غرف التنسيق المشتركة عند الضرورة، وصولا إلى ترتيبات أكثر تقدما في المجالات التي تتوافر فيها إرادة سياسية وقدرات متقاربة.

وبهذا المعنى، يمكن أن يكون الأمن العربي شبكة مترابطة من القدرات، لا مؤسسة واحدة ضخمة.

وهناك مجال آخر سيحدد مستقبل التعاون الأمني العربي، وهو الأمن السيبراني.

العالم ينتقل بسرعة نحو اقتصاد رقمي، وكلما زادت الرقمنة زادت معها مساحة الهجوم المحتملة. البنوك، المطارات، الموانئ، شبكات الكهرباء، المياه، الاتصالات، المستشفيات، المؤسسات الحكومية، وحتى سلاسل الإمداد أصبحت أهدافا محتملة لهجمات رقمية.

والخطر هنا أن الهجوم السيبراني لا يحتاج إلى جيش تقليدي، وقد لا يكون مصدره دولة أصلا. يمكن أن تقف وراءه شبكة إجرامية، أو مجموعة قرصنة، أو جهة مدعومة من دولة، أو أفراد يستغلون ثغرة تقنية.

ولذلك فإن الدول العربية تحتاج إلى بناء منظومة للأمن السيبراني العربي تقوم على تبادل مؤشرات الاختراق، والاستجابة السريعة للحوادث، والتدريب المشترك، وحماية البنية التحتية الحرجة، وتطوير القدرات في الذكاء الاصطناعي والتحليل الجنائي الرقمي.

كما أن الذكاء الاصطناعي نفسه سيكون ساحة جديدة للأمن، ليس فقط لأنه يمكن استخدامه في الرصد والتحليل، وإنما لأنه يمكن أن يستخدم في التضليل وصناعة المحتوى المزيف واستهداف الرأي العام وتطوير أساليب الاحتيال والهجمات الإلكترونية.

ومن هنا يصبح أمن المعلومات جزءا من الأمن القومي.

لكن مستقبل الأمن العربي لن يصنعه الأمن الصلب وحده، فالتطرف والجريمة والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر لا تنشأ في فراغ، وإنما تتغذى أحيانا على الفقر والبطالة وانهيار المؤسسات والصراعات وانعدام الفرص.

ولهذا فإن الأمن الوقائي يجب أن يرتبط بسياسات التنمية والتعليم والتشغيل وبناء الدولة.

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى