د. عبدالرحمان الأشعاري يكتب.. المغرب يفوز بكأس العالم

المتتبعون لما يجري من تحولات بنيوية وهيكلية على مستوى قطاع الرياضة، تحديدًا كرة القدم، لم يستغربوا أبدًا فوز المغرب بكأس العالم في كرة القدم للشباب التي نظمت أخيرًا بدولة تشيلي، فالمغرب أضحى أكثر من غيره من البلدان حتى الأوروبية والأمريكوجنوبية منها، حيث يعج بالعديد من المواهب الكروية ويحتضن منشآت وبنية تحتية رياضية تكاد تضاهي تلك التي توجد في دول مثل إسبانيا والبرتغال والمكسيك والبرازيل، وغيرها من الدول الرائدة في مجال الرياضة عمومًا، وكرة القدم خصوصًا.
وتعد أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي تأسست خلال عام 2007، من أهم المنشآت الرياضية الموجودة ليس فقط على مستوى المملكة، ولكن على المستوى القاري والدولي، وهي منشأة تسهم في تطوير لعبة المستديرة وتخريج نجوم كروية على أعلى مستوى، لأجل إعادة تشكيل الرياضة الوطنية في المغرب، وبالتالي تحقيق نتائج مهمة في مختلف المنافسات الرياضية الدولية.
وبالفعل، خلال بضعة أعوام فقط، استطاعت المنتخبات الوطنية وفي كل الفئات العمرية؛ سواء الرجالية أو النسوية، تحقيق نتائج مبهرة شدت لها أنظار كل العالم ووضعتها في صف الكبار، ورسخت مكانتها كأحد أبرز المنتخبات الصاعدة للعب أدوار طلائعية وإضفاء تنافسية وإشعاع آخر لهذه الرياضة الأكثر شعبية في العالم، آخرها فوز المنتخب الوطني لأقل من عشرين عامًا بلقب كأس العالم في كرة القدم بدولة تشيلي 2025.
لقد رسمت هذه الأكاديمية الملكية ملامح مستقبل جديد لرياضة كرة القدم في المغرب، معتمدة في ذلك على رؤية استراتيجية وتخطيط علمي وعملي واستثمار عقلاني في الموارد البشرية، وأعطت لهذه اللعبة الجماعية نفسًا جديدًا وتحولًا جذريًا شكلًا ومضمونًا، واضعة نصب أعينها هدفين اثنين؛ الأول: تكوين رياضي متكامل، والثاني: تعليم أكاديمي متوازن.

أداء جيد ومتواصل لهذه المؤسسة الملكية أثمر عن تحقيق إنجازات غير مسبوقة قاريًا ودوليًا، وتسجيل حضور لافت للمغرب في جل المنافسات الدولية، ابتدأت ببلوغ المنتخب الوطني الأول نصف نهائي كأس العالم بقطر 2022، مرورًا بالتتويج ببرونزية الألعاب الأولمبية باريس 2024، وانتهت بفوز المنتخب الوطني للشباب بلقب كأس العالم بتشيلي 2025.
إنجازات وألقاب كبيرة دفعت السيد جياني إنفانتينو Gianni Infantino، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) للإشادة بدور أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، واصفًا إياها بـ”جوهرة كرة القدم المغربية”، مضيفًا: “إنها من أنجح النماذج العالمية في الجمع بين التكوين الرياضي والتعليم الأكاديمي”.
المغرب إلى جانب كل ذلك هو أيضًا فضاء يحتضن منشآت رياضية أخرى هي عبارة عن ملاعب عصرية صممت بمعايير دولية تتوسطها أيقونة هذه الملاعب كلها، وواحدة من أجمل الملاعب الكروية على مستوى العالم، إنه ملعب الأمير عبد الله، التحفة المعمارية متعددة الوظائف، التي تصل طاقتها الاستيعابية إلى ما يزيد على 68 ألف مقعد، موزعة على مدرجات مجهزة بأنظمة متطورة للأمان والراحة، بالإضافة إلى الملعب الأولمبي الملحق لمجمع الأمير عبد الله (الرباط) بطاقة استيعابية تصل إلى 21 ألف متفرج، وملعب البريد (الرباط) بسعة 18 ألف متفرج، ثم المجمع الرياضي الأمير مولاي الحسن (الرباط) بطاقة استيعابية تصل إلى 22 ألف متفرج، فالمجمع الرياضي محمد الخامس (الدار البيضاء) بسعة 45 ألف متفرج، ثم ملعب أدرار (أكادير) بسعة 41 ألفًا و144 متفرجًا، فالملعب الكبير لمراكش (مراكش) بسعة 41 ألفًا و245 متفرجًا، وأخيرًا الملعب الكبير لفاس (فاس) بسعة 45 ألف متفرج، والملعب الكبير لطنجة (طنجة) بسعة تصل إلى 75 ألفًا و600 متفرج.
لقد حول هذا التكامل بين العمل التأسيسي والرؤية المستقبلية، المملكة المغربية إلى نموذج عالمي يحتذى به في كيفية تحويل الحلم الكروي إلى واقع معاش، وتخريج جيل جديد من اللاعبين القادرين على منافسة أساطير كرة القدم، وتسجيل أسمائهم كأساطير جدد للعبة المستديرة في العالم.
ونأمل، كما يأمل الجميع في أن يجري بباقي قطاعات الدولة، خصوصًا قطاعي التعليم والصحة ما يجري في قطاع الرياضة، تحديدًا كرة القدم، وأن تكون هذه الأخيرة هي القاطرة التي تجرّ وراءها باقي العربات لأجل الرقي الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وتحقيق حياة كريمة لكل مواطن ومواطنة، ذلك أن الروح الوطنية ليست فقط في الصياح والفرح والابتهاج بهدف في مرمى الخصم، ولكن أيضًا – وهذا هو المهم – في الفرح بتنزيل سياسة ناجحة ضد خصم أخطر هو الفقر والجهل.



