رأي

د. رانــدة فــخر الــدين تكتب.. إعلان “يا حليلة”… انحراف إعلامي يضرب الوعي المجتمعي في الصميم

الكاتبة نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات

في وقت تكثّف فيه الدولة المصرية جهودها لدعم المرأة وتمكينها، وعلى رأسها توجّهات الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي جعل تمكين النساء محورًا رئيسيًا في بناء الجمهورية الجديدة، جاء إعلان شركة أورنج “يا حليلة” ليشكّل صدمة لقطاع واسع من المتابعين، لا سيما أنه بُثّ في قلب حملة الـ16 يوم العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة. وبدلًا من أن يسهم الإعلان في تعزيز الرسائل الداعية إلى احترام المرأة وحمايتها، قدّم صورة معاكسة تمامًا لتوجّه الدولة، مستخدمًا نمطًا ساخرًا ومشوّهًا يُقزّم دور المرأة ويحصرها في قوالب سلبية تُهدد الوعي المجتمعي، وتتناقض مع الجهود الوطنية الهادفة للارتقاء بمكانتها.
ولأن توقيت الإعلان ومضمونه يُمثلان خروجًا حادًا عن السياق الوطني الداعم للمرأة، تحرّك منتدى القيادات النسائية بمجلس الشباب المصري سريعًا لإجراء تحليل إعلامي وقانوني شامل للمحتوى، قبل أن يصدر بيانًا رسميًا يُحذّر فيه من خطورة الرسائل الضمنية التي يتضمنها الإعلان، وما تحمله من إسقاطات مُسيئة تتعارض مع روح حملة الـ16 يوم، بل وتتحدى بشكل مباشر مسار الدولة بقيادة الرئيس السيسي نحو تعزيز تمكين المرأة وحمايتها.
وجاء البيان ليؤكد أن الإعلان ليس مجرد طرح كوميدي، بل رسالة منفلتة من سياقها، تخالف سياسات الدولة المصرية، وتضرب صورة المرأة المصرية في عمقها، وتُعيد إنتاج أنماط تمييزية تجاوزها المجتمع والدستور والقانون.
“تشويه مُمنهج في قلب معركة الوعي”… قراءة في بيان منتدى القيادات النسائية
تفنّد الدراسة التحليلية التي أعدّها المنتدى الأساليب التي اعتمد عليها الإعلان في تقديم المرأة بصورة مشوّهة، بدءًا من حصرها في إطار الاستهلاك والتكلفة المادية، وصولًا إلى تصويرها بوصفها مصدرًا دائمًا للضغط والصراع داخل الأسرة.
وأشار المنتدى إلى أن تمرير هذه الصور في توقيت عالمي مكرس لرفض العنف ضد المرأة لا يمكن التعامل معه كفعل عابر، بل باعتباره تشويهًا مضاعفًا للوعي يضرب الرسائل التوعوية في الصميم.
كما شدّد البيان على أن الإعلان يُفرغ التمكين النسائي من جوهره، ويستبدل صور الإنجاز بمشاهد ساخرة تُقزّم من دور المرأة، وتُعيدها إلى قوالب اجتماعية هزيلة تجاوتها الدولة عبر تشريعات وسياسات حديثة.
صور نمطية تُقوّض الوعي… وانعكاسات خطيرة على استقرار الأسرة
عكس الإعلان عبر مشاهده المتتابعة رؤية تختزل المرأة في دور “العبء المادي”، مقدّمًا الزواج كمعادلة فوضوية أساسها التكلفة والصراع، لا الشراكة والمودة.
ويحذر مختصون من أن هذا النمط من التناول يخلق فجوة شعورية بين الجنسين، ويغذي اتجاهات العزوف عن الزواج، ويُضعف قيم الاحترام المتبادل داخل الأسرة.
كما أن تقديم المرأة في قالب الاستهلاك المبالغ فيه، وربط جاذبيتها أو قيمتها الاجتماعية بالإنفاق عليها، يعزز خطابًا استهلاكيًا يهدد البناء القيمي للأسرة المصرية، ويسيء لجهود الدولة في رفع وعي الفتيات والنساء بمكانتهن ودورهن الحقيقي.
انعكاسات اجتماعية مقلقة… وخطاب يفتح الباب للعنف الرمزي
يرى الخبراء أن هذا الإعلان يساهم في تطبيع خطاب التمييز عبر:
تكريس صور دونية ضد المرأة.

تشجيع السخرية من دورها الطبيعي داخل الأسرة.

إباحة التنمر المجتمعي باعتباره “كوميديا”.

تحويل الوعي العام إلى أداة تُعيد إنتاج التمييز.

ويشير التحليل إلى أن الخطورة لا تكمن في الضحك العابر، بل في الرسالة العميقة التي تُزرع في الوعي، وأن الأثر النفسي والاجتماعي لمحتوى كهذا يمتد أبعد من الإعلان ذاته.
مخالفات قانونية واضحة… وإعلان تحت طائلة المساءلة
أوضح التحليل القانوني للمنتدى أن الإعلان تضمن مخالفات صريحة، منها:
الإضرار بالقيم الأسرية وفق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

التحريض على التمييز والسب والقذف للمرأة وفق مواد قانون العقوبات.

التضليل الإعلاني الذي يجرّمه قانون حماية المستهلك.

وبذلك، تتحمل الشركة المُنتجة والوكالة الإعلانية وصنّاع المحتوى المسؤولية القانونية الكاملة عمّا تم بثه.
دعوات للحذف والمحاسبة… ومجتمع يرفض المساس بصورة المرأة
دعا المنتدى إلى:
وقف بث الإعلان فورًا وسحب جميع نسخه.

تقديم اعتذار رسمي للمجتمع والمرأة المصرية.

اتخاذ إجراءات قانونية عبر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والمجلس القومي للمرأة وجهاز حماية المستهلك.

وأكد البيان أن الدفاع عن صورة المرأة هو دفاع عن قيم المجتمع واستقراره، وليس مجرد موقف حقوقي أو مؤسسي.
خاتمة: حين يختل الوعي الإعلامي… تهتزّ القيم
تؤكد أزمة إعلان “يا حليلة” أن الإعلام قادر على البناء والهدم معًا؛ فهو قد يكون شريكًا في حماية الوعي وترسيخ احترام المرأة، وقد يتحول – إذا غابت المسؤولية – إلى أداة تشويه تُقوّض القيم وتعيد المجتمع خطوات إلى الخلف.
وحين تُستخدم السخرية في غير موضعها، وتتحول المرأة إلى مادة للهزل، يصبح من الواجب إعادة ضبط الخطاب الإعلامي بما يليق بدولة تصنع مستقبلًا جديدًا، وتؤمن أن تمكين المرأة ليس خيارًا…

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى