رأي
د. راندة فخر الدين تكتب.. قيمة الوقت واستثمار الفراغ: بين البناء والضياع

الوقت ليس مجرد أرقام تسجلها عقارب الساعة، بل هو الحياة نفسها. كل دقيقة تمر هي جزء من عمر الإنسان لا يعود، وكل لحظة تذهب فهي إما خطوة نحو المجد أو زلة في دروب الضياع. وقد عبّر القدماء عن هذه الحقيقة بقولهم: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، فالسيف هنا رمز للصرامة والحدّة، وكذلك هو الوقت لا يرحم المتخاذل ولا يلتفت للغافل.
الفراغ هو الوجه الآخر لإهدار الوقت، وهو آفة خطيرة تهدد الأفراد والمجتمعات على حد سواء. ولعل أخطر ما في الفراغ أنه يتسلل إلى حياة الشباب والمراهقين تحديدًا، في وقت يمتلئون فيه بالعاطفة والخيال والطاقة، فإذا لم يجدوا ما يملأ وقتهم بالخير، ملأه الشر بما يحمله من لهوٍ وضياع وانحراف.
مخاطر الفراغ
الفراغ لا يعني الراحة، بل قد يكون في كثير من الأحيان بابًا للملل والاضطراب النفسي والفكري. ومن أبرز مخاطره:
1.التضخم العاطفي والخيالي: إن الفراغ يضخم المشاعر ويجعلها تسيطر على تفكير المراهق أو الشاب، فيصبح أسيرًا لأحلام يقظة وأوهام عاطفية لا أساس لها، لأنه لا يجد ما يشغله بالعمل والإنجاز.
2.الانحراف السلوكي: كثير من المشكلات الأخلاقية تبدأ من لحظة فراغ. حين يغيب الهدف الواضح والقدوة الصالحة، يبحث المراهق عن تسلية بديلة، فينجذب إلى رفاق السوء، أو يقضي وقته في سلوكيات خاطئة مثل التدخين، المخدرات، العنف، أو حتى الإدمان على الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي.
3.إهدار الطاقات الشابة: الطاقة التي يملكها الشباب في قوتهم الجسدية واندفاعهم العقلي هي نعمة عظيمة، لكن الفراغ يحولها إلى نقمة. فالطاقة إذا لم تُستثمر في البناء والإبداع تحولت إلى هدم للذات وإضاعة للمستقبل.
4.الأثر النفسي السلبي: الفراغ يولد القلق والاكتئاب والإحباط، خاصة إذا شعر الفرد أنه بلا هدف أو دور في مجتمعه. فالشاب الذي لا يجد وسيلة لإثبات ذاته يعيش حالة من الفراغ الوجودي تقوده إلى الإحباط وربما العزلة والانطواء.
كيفية الاستفادة من الوقت بشكل إيجابي
إن استثمار الوقت هو الخط الفاصل بين النجاح والفشل، وبين حياة لها قيمة وأخرى تافهة بلا معنى. ومن الوسائل التي تساعد على استثمار الفراغ:
•تنمية المهارات العلمية والفكرية: يمكن للشاب أن يستغل أوقات فراغه في تعلم لغة جديدة، أو الدخول في دورات تدريبية، أو اكتساب مهارات تقنية في مجالات كالحاسوب والبرمجة والتصميم. هذه الأمور لا تفتح له أبواب الرزق فقط، بل توسّع مداركه وتزيد من ثقته بنفسه.
•القراءة والتثقيف: القراءة غذاء للعقل والروح. وهي وسيلة لملء الفراغ بأعظم الأفكار والتجارب الإنسانية. فمن خلال الكتب يتعلم المرء كيف يفكر، وكيف يفهم العالم من حوله، فيتسع أفقه ويقوى وعيه.
•الرياضة والأنشطة البدنية: الرياضة لا تصنع الجسد القوي فقط، بل تصقل الإرادة وتنظم الوقت وتعلّم الصبر والانضباط. فالرياضة وسيلة لحماية الشباب من الانحراف والكسل، وتحويل طاقتهم إلى إنجاز ملموس.
•العمل التطوعي وخدمة المجتمع: إن أرقى أشكال استثمار الوقت أن يُسخّر لخدمة الآخرين. فالعمل التطوعي يبني شخصية اجتماعية مسؤولة، ويُشعر الشاب بقيمته ودوره في المجتمع، ويغرس فيه قيم التعاون والانتماء.
•تنظيم الوقت وإدارته: لا يكفي أن يكون للإنسان أنشطة، بل يجب أن ينظم وقته بين العمل والراحة والترفيه. فالتنظيم يجعل الحياة متوازنة ويمنع الفراغ من السيطرة على الروح والعقل.
دور مؤسسات الدولة والمجتمع المدني
الفرد وحده لا يستطيع أن يخوض معركته مع الفراغ، فالمجتمع ومؤسساته شريك أساسي في مواجهة هذه المشكلة.
•المؤسسات التعليمية: المدارس والجامعات ليست مجرد أماكن للتعليم، بل هي ساحات لتكوين الشخصية. ومن هنا يجب أن توفر أنشطة ثقافية ورياضية وفنية، حتى يجد الطالب متنفسًا لإبداعه ومواهبه.
•المؤسسات الثقافية والرياضية: المكتبات العامة، المراكز الثقافية، ودور الشباب، كلها أماكن تحتضن طاقات الشباب وتوجهها نحو الإبداع بدلاً من اللهو.
•المجتمع المدني: الجمعيات الأهلية والمنظمات التطوعية تلعب دورًا مهمًا في استثمار أوقات الشباب، عبر توفير فرص المشاركة في المبادرات المجتمعية، مثل حملات النظافة، دعم الفقراء، رعاية البيئة، أو الأنشطة التوعوية.
التنمية المستدامة واستثمار طاقات الشباب
التنمية المستدامة ليست مجرد شعارات اقتصادية، بل هي خطة شاملة تجعل الإنسان في قلبها. ومن أبرز ملامح دور التنمية المستدامة في استثمار وقت الشباب:
1.إتاحة فرص العمل وريادة الأعمال: توفير برامج ومبادرات تشجع الشباب على إطلاق مشاريعهم الخاصة، فيتحول وقتهم إلى إنتاجية حقيقية.
2.تشجيع الابتكار والإبداع: عبر حاضنات الأعمال والمسابقات العلمية التي تدعم أفكار الشباب وتحولها إلى مشاريع عملية.
3.توظيف التكنولوجيا: من خلال منصات تعليمية وتدريبية إلكترونية تستثمر وقت الشباب في التعلم الذاتي.
4.المبادرات الوطنية: التي تدمج الشباب في قضايا المجتمع مثل البيئة والطاقة والصحة، وتمنحهم شعورًا بالمسؤولية والانتماء.
ختاما نؤكد إن قيمة الوقت لا تقدر بثمن، فهو عمر الإنسان وحقيقته وجوهر حياته. والفراغ إذا لم يُحسن استغلاله صار بابًا للضياع، بينما إذا استُثمر بوعي صار جسرًا نحو الإبداع. ومن هنا فإن الشباب مدعوون لملء أوقاتهم بما ينفعهم وينفع مجتمعهم، كما أن الأسرة والدولة والمجتمع المدني مطالبون بتهيئة البيئة الداعمة لذلك.
وبالتكامل بين الفرد ومؤسساته، تتحول الطاقات المهدرة إلى قوى بنّاءة، ويصبح الوقت وسيلة للنهوض لا للانحدار، وجسرًا إلى مستقبل أكثر إشراقًا يحقق التنمية المستدامة ويصنع أجيالًا قوية قادرة على مواجهة تحديات العصر.



