رأي

 أشرف عثمان يكتب.. بيوت الشباب حين يُختزل الاستثمار في الإنسان في ورقة وإجراء

الكاتب الأمين العام للإتحاد العربى لبيوت الشباب ورئيس جمعية بيوت الشباب المصرية

في الوقت الذي تؤكد فيه الدولة المصرية أن الإنسان هو أغلى ما تملك، لا تزال بعض الإدارات المحلية تتعامل مع المبادرات الشبابية وكأنها عبء إداري أو ملف مؤجل.

فتضيع الرؤية الوطنية في دهاليز المحافظات، ويُختزل مشروع الدولة في ورقة تُختم أو توقيع يُؤجل، بينما تُهدر القيمة التي تقوم عليها فلسفة بيوت الشباب.

اقرأ أيضا: تحت رعاية وزير الشباب والرياضة.. ورشة عمل “تماسك” بالتعاون مع مؤسسة رسالة السلام لتعزيز التماسك المجتمعي

فبيوت الشباب لم تُنشأ لتكون مباني أو وحدات فندقية تُدر عائدًا، بل مدارس وطنية تصنع الوعي والانتماء وتُخرّج أجيالًا قادرة على التفكير والابتكار.

ومع ذلك، لا يزال البعض في الإدارة المحلية يُعاملها وكأنها مشروع اقتصادي يُقاس بالمتر لا بالبصمة الفكرية، وبالتحصيل لا بالتأثير.

وهنا تبرز المشكلة الحقيقية: حين تتحول أدوات بناء الإنسان إلى بنود محاسبية على مكتب موظف محلي.

 

إن منطق الدولة واضح وضوح الشمس: التخصيص المجاني لبيوت الشباب ليس تفضّلًا، بل استثمار في الإنسان وحماية لوعيه وهُويته.

لكن بعض التنفيذيين على مستوى المحافظات يربطون بقاء هذه المؤسسات بقدرتها على السداد والتحصيل، وكأنهم لم يقرأوا بعد فلسفة الدولة في “تمكين الشباب” و“توسيع الوعي المجتمعي”.

ومن يظن أن بناء الإنسان يُقاس بفاتورة كهرباء أو قيمة أرض، فقد جانبه الصواب.

 

وهنا يكون “قصف الجبهة” واجبًا بالحق:

ليس من المصلحة العامة أن تُطفأ منارات الوعي باسم الإيرادات، ولا أن يُختزل مستقبل الشباب في ميزان المدفوعات المحلية.

فمن يُطفئ شمعة الفكر بحجة التحصيل، لا يُدير محافظة، بل يُدير مكتب جباية.

 

ولعل المقارنة كفيلة بتوضيح الفارق في الرؤية والإدارة:

ففي الجزائر الشقيقة، التي لا يتجاوز عدد سكانها نصف سكان مصر، يوجد أكثر من 280 بيت شباب منتشر في كل المحافظات والولايات، تُدار بمنظور ثقافي وتنموي وتُعد أدوات للدبلوماسية الشعبية وبناء الهوية الوطنية.

أما في بعض محافظاتنا، فبيوت الشباب تُعامل وكأنها عبء أو مساحة يمكن تحصيلها، لا مؤسسة وطنية تُسهم في صناعة الوعي والانتماء.

 

بيوت الشباب ليست عبئًا ماليًا، بل ذراعًا فكرية للدولة وجزءًا من قوتها الناعمة وصورتها أمام العالم.

هي مؤسسات تُغرس فيها قيم المواطنة والانتماء، وتُعيد صياغة وعي الشباب من الداخل.

لكن حين تُحاصر هذه الرسالة بقرارات محلية جامدة، تتحول الفكرة إلى ورقة، والرؤية إلى إجراء، والحلم إلى انتظار في دهاليز المكاتبات.

 

إن منطق الإدارة المحلية لا يجب أن يتناقض مع منطق الدولة.

فالدولة تخطط بعقل استراتيجي نحو بناء الإنسان، بينما لا يزال بعض التنفيذيين يُديرون الفكر بعقل الروتين.

وشتّان بين محافظ يرى في بيوت الشباب عبئًا إداريًا، وآخر يراها ذراعًا تنموية لصناعة المواطن قبل الطريق والمبنى.

 

ولنكن منصفين: هناك محافظون يدركون جيدًا مغزى الرؤية الرئاسية، ويؤمنون بأن تمكين الشباب هو الأساس الحقيقي للتنمية.

هؤلاء شركاء الدولة في الوعي، ومراكز إضاءة في خريطة الوطن.

أما من يتعامل مع بيوت الشباب على أنها “أرض يمكن تحصيلها”، فقد أخطأ الهدف تمامًا؛ فالأوطان لا تُبنى بالمتر، بل بالفكر، ولا تُقاس بالعقود، بل بالوعي الذي تزرعه في أبنائها.

 

إن دعم وزير الشباب والرياضة لهذه الرؤية واضح ومتواصل، لكن نجاحها مرهون بأن تمتد هذه الرؤية إلى كل محافظة وكل مسؤول محلي يؤمن أن الشباب ليسوا بندًا في الموازنة، بل رأس المال الحقيقي للدولة.

فالإدارة المتناغمة لا تُقاس بعدد الردود على المكاتبات، بل بقدرتها على تحويل الفكر إلى منجز، والرؤية إلى واقع.

 

ويبقى التحدي الثقافي هو الأهم:

أن ندرك أن بيوت الشباب ليست نُزلاً فندقيًا، بل مشروع وطني لبناء الإنسان قبل البنيان.

ومن يضع المادة فوق الفكرة لا يُدير محافظة، بل يُعطل وطنًا بأكمله.

 

فبيوت الشباب هي “بيوت الوعي والانتماء”، وجسور بين الحلم والواقع، ومن لم يُدرك بعد أن قيمتها أبعد من أي ميزانية، فليعلم أن خسارة الفكرة أثمن من خسارة أى رقم.

وللحديث بقية.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى