رامي زهدي يكتب.. «المتحف المصري الكبير .. حينما يلتقي المصريون القدماء بالمصريين الجدد»

إنها ليست مجرد لحظة افتتاح لمتحف، وليست فقط مناسبة ثقافية أو حدثاً أثرياََ، بل لحظة وعي واصطفاف حضاري يعيد تعريف الذات المصرية أمام نفسها وأمام العالم، فالمتحف المصري الكبير ليس صرحاً من الحجارة والواجهات الزجاجية، بل هو رمز لاستمرارية المعنى المصري في الزمان والمكان، ولحظة التقاء بين أجيال صنعت التاريخ وأخرى تصنع المستقبل، لحظة تتجسد فيها المعادلة الأبدية لمصر، حضارة لا تموت، وإن غابت لحظياً عن ضوء المشهد، فإنها لا تختفي، بل تعود في أبهى صورها عندما يشتد احتياج العالم للنور واليقين.
حين تتأمل واجهة المتحف المهيبة الممتدة على مساحة نصف مليون متر مربع، تشعر وكأنها جدار زمني يفصل بين عهدين ويتحد بهما معاً، هنا يقف المهندس والعامل المصري المعاصر كتوأم رمزي لبناة الأهرام، يحملان الأدوات نفسها وإن اختلفت الأشكال، فالأول يحمل أدوات القياس الرقمي، والثاني كان يقيس بظلال الشمس، ولكن الغاية واحدة وهي تشييد الخلود، فكما شيد أجدادنا صروحاً قهرت الموت، يبني المصريون الجدد اليوم صرحاً يعيد للأحياء معنى الحياة عبر التاريخ.
اقرأ أيضا: وفد مؤسسة رسالة السلام يهدي إصدارات “الشرفاء الحمادي” لمعلم وطلابه في مقر إقامتهم بموسكو
الأرقام تتحدث بلغة العظمة ذاتها، فالمتحف المصري الكبير يُعد أكبر متحف أثري في العالم مخصص لحضارة واحدة، يضم أكثر من مائة ألف قطعة أثرية تمثل رحلة المصري منذ أن خط أول فكرة عن الخلود وحتى أن رسم فلسفة الحياة الأبدية على جدران المعابد، وبحسب تقديرات وزارة السياحة والآثار المصرية، فإن المتحف يتوقع أن يستقبل ما يزيد على 7 ملايين زائر سنوياً خلال السنوات الخمس الأولى، وهو رقم يتجاوز ضعف عدد زوار المتحف القديم في التحرير في ذروته، هذه ليست فقط أرقاماً سياحية، بل مؤشرات على عودة مصر إلى قلب الخريطة الثقافية العالمية، واستعادة لقوتها الناعمة في زمن تتصارع فيه الأمم على تصدير رموزها.
الحالة التي تواكب هذا الافتتاح تتجاوز معمار المتحف وجماليات عرضه المتطورة، نحن أمام عودة الأمة المصرية إلى صدارة الوعي الجمعي الإنساني، المصريون اليوم لا يحتفلون بالماضي، بل يستدعون روح القدماء في الحاضر، المشهد في محيط الهرم والمتحف يكاد يكون استعارة لروح مصر كلها، بناء مستمر عبر الزمان، لا ينهار ولا ينكسر، فقط يتجدد، وكأن الزمن يدور ليعيدنا إلى نقطة الانطلاق ذاتها التي بدأ منها المصري القديم رسالته إلى العالم.
إن ما يحدث اليوم هو عودة للهوية المصرية بمعناها العميق، الهوية التي لا تُختزل في ملامح أو حدود جغرافية، بل في وعي جمعي يرى في نفسه امتداداً لآلاف السنين من العظمة والقدرة.
المصريون في لحظة افتتاح المتحف يتعاملون بذات الكبرياء والسمو الذي كان يملأ نفوس أجدادهم حين كانوا يرفعون حجارة الهرم أو ينحتون جدران المعابد، هي روح تقول للعالم إن مصر لا تعرف التراجع، وإنها إن غابت لحظة عن المشهد فإنها تعود لتقوده من جديد.
المتحف في جوهره رسالة سياسية واقتصادية وثقافية في آن واحد، فهو يعلن أن مصر لم تعد فقط حارسة لتاريخها، بل صانعة جديدة له، فالمتحف ليس معزولا عن رؤية الدولة المصرية الحديثة التي تبني عاصمة جديدة وتستحدث منظومة مدن ذكية، وتربط التاريخ بالمستقبل عبر معمار متكامل يجمع بين الأصالة والحداثة، وبذلك يصبح المتحف المصري الكبير حلقة في مشروع وطني ضخم يعيد تموضع مصر في مقدمة الأمم، لا فقط بالآثار، بل بالإدارة والتخطيط والرؤية.
اقتصادياً، تشير الدراسات إلى أن كل دولار يُستثمر في السياحة الثقافية يحقق عائدا يوازي أربعة دولارات في القطاعات الخدمية واللوجستية المصاحبة، وأن مصر بما تملكه من سبعة مواقع مسجلة على قائمة التراث العالمي، قادرة عبر هذا المتحف على رفع نسبة مساهمة السياحة الثقافية إلى أكثر من 35% من إجمالي الدخل السياحي، مقابل 22% حاليًا، هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات مالية، بل تعبير عن عودة مصر إلى الاستثمار في رأس مالها الرمزي وهو “الحضارة”.
وحين نتحدث عن المتحف كحدث استراتيجي، فإننا لا نتحدث عن الماضي، بل عن المستقبل، فالمتحف هو منصة لتفعيل الدبلوماسية الحضارية المصرية، وجسر للتواصل الثقافي مع العالم الإفريقي والعربي والمتوسطي، من قلب الجيزة ستنطلق رسائل ناعمة تذكر الجميع بأن الحضارة المصرية لم تكن يوما منغلقة، بل كانت دوما منفتحة على تبادل المعارف، وهي اليوم تؤكد عبر هذا المشروع أنها جاهزة لتقود نهضة ثقافية وإنسانية جديدة بالتوازي مع دورها السياسي والإقليمي.
في كل زاوية من المتحف روح مصرية تقول إن الحضارة لا تُورث فقط، بل تُبنى من جديد في كل جيل، المصريون الجدد الذين شيدوا المتحف ليسوا مجرد مهندسين أو عمال، بل امتداد لروح بنائين قدامى حملوا ذات الفكرة وهي أن مصر تستحق الخلود.
هذه الروح، حين تتجسد في مشروع بهذا الحجم، تتحول إلى طاقة وطنية تعيد للمصريين ثقتهم بأنفسهم، وتجعل العالم يعيد حساباته تجاه ما يمكن أن تقدمه مصر.
اليوم، ونحن أمام لحظة افتتاح المتحف المصري الكبير، نشهد لحظة نادرة من تداخل الزمن، حيث الماضي يستيقظ في الحاضر ليعلن المستقبل، كما تتعامد الشمس على وجه رمسيس في أبي سمبل كل عام في لحظة حساب كونية دقيقة، تتعامد اليوم أنظار المصريين على وجه حضارتهم من جديد، العالم يتأمل، ومصر تبني، والروح المصرية تستعيد موقعها الطبيعي في صدارة الدنيا.
إنها لحظة عودة، لحظة استدعاء المعنى، لحظة لقاء بين المصريين القدماء والمصريين الجدد في مشروع واحد يقول للعالم إن الحضارة المصرية لم تبهت ولم تندثر، بل كانت في انتظار هذا الجيل ليكمل المسيرة، فالمتحف ليس نهاية قصة، بل بدايتها الجديدة، قصة وطن أدرك أن بناء المستقبل لا ينفصل عن استحضار المجد القديم، وأن من شيّد الأهرام قادر أن يبني المستقبل بما يليق بعظمة التاريخ.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



