العنف الصامت: لماذا أصبح التحرش يطرق أبواب مؤسسات يفترض أن تحمي أبناءنا؟

في مجتمع اعتاد أن يرى الطفل “أغلى ما نملك”، جاءت الوقائع الأخيرة داخل بعض المدارس لتزلزل مشاعر الناس وتفتح جرحًا لم يكن أحد مستعدًا لرؤيته. لم نتحدث هذه المرة عن شارع مزدحم أو مواصلات عامة أو زحام مسائي، بل عن مؤسسات تعليمية يترك فيها الآباء أبناءهم مطمئنين… فإذا بالأمان يهتز، والخوف يتسلل، والبراءة تُنتهك في مكان خُلق ليحمي لا ليجرح.
هذه الصدمة لم تهز العائلات وحدها، بل أشعلت غضبًا عامًا فتحت الباب أمام أسئلة موجعة عن الرقابة، وعن دور المؤسسات، وعن المساحات التي يتسلل منها الخطر إلى بيئة يفترض أنها الأكثر انضباطًا وحرصًا. وسط هذه الحيرة الممزوجة بالمرارة، جاء بيان منتدى القيادات النسائية كصرخة واضحة: المجتمع غاضب، والوقت ليس مناسبًا لخطاب بارد أو ردود رسمية باهتة. البيان رفض ما حدث رفضًا قاطعًا، عبّر عن تضامن كامل مع الضحايا وأسرهم، وطالب بإجراءات فورية تُعيد الثقة للمدرسة كمكان للتعلم لا للخوف.
ورغم أن البيان كان بمثابة موقف، إلا أنّ فهم الظاهرة يتطلب النظر إلى التحرش باعتباره مشكلة أكبر من حادثة، أعمق من خبر، وأشد رسوخًا من كونه خطأ فرديًا. فالمشكلة في جوهرها ليست في واقعة واحدة، بل في سياق اجتماعي وثقافي وقانوني يسمح لهذه الممارسات أن تمرّ، وأن تختبئ، وأن تتكرر.
التحرش بحد ذاته ليس كلمة نمرّ عليها مرورًا عابرًا. إنه اعتداء على الجسد والكرامة والأمان. قد يبدأ بنظرة أو تعليق، وقد يتصاعد إلى لمس أو تهديد أو ابتزاز عبر الهاتف، وقد يحدث في الشارع أو في بيئة العمل أو حتى خلف شاشات الهواتف. الأخطر أنه قد يقع داخل المؤسسات التي يُفترض فيها أن ترعى السلوك وتضبطه: مدارس، جامعات، أماكن عمل، مراكز تدريب. وهذا ما يجعل الظاهرة أكثر تعقيدًا وصعوبة.
وعلى الرغم من أن قياس حجم التحرش صعب بطبيعته، فإن التقارير الدولية تعطي صورة قاتمة: نساء كثيرات حول العالم مررن بتجارب عنف جنسي أو جسدي، ونسبة ليست صغيرة منهن تعرضن للتحرش من خارج نطاق الأسرة. وفي مصر، وعلى الرغم من تطور الوعي والتشريعات خلال العقد الأخير، إلا أن الظاهرة ما تزال حاضرة بقوة في الشوارع، ووسائل النقل، والأماكن العامة، وحتى المنصات الرقمية. الخوف من التبليغ، ولوم الضحية، والفجوات الكبيرة في تطبيق القانون تجعل الأرقام المعلنة أقل بكثير مما يحدث في الواقع.
وإذا سألنا أنفسنا: لماذا يحدث التحرش؟ لن نجد إجابة واحدة، بل شبكة معقدة من الأسباب. بعضها يعود إلى تصورات مجتمعية قديمة تمنح الرجال سلطة غير مبررة على النساء والأطفال، وبعضها إلى ثقافة تقبل الأذى باعتباره شيئًا “عاديًا” أو “محتملًا”. وهناك ثقافة صامتة تقف ضد الضحية بدل أن تقف معها، وتشجع على الخوف بدل المواجهة. وفي خلفية كل ذلك، يقف الإفلات من العقاب كعامل أساسي: حين لا يُحاسب الجاني، يشعر غيره بالأمان ليفعل الشيء ذاته.
التكنولوجيا بدورها فتحت بابًا جديدًا للتحرش. الرسائل المسيئة، الابتزاز، نشر الصور، التعقب الرقمي… كلها أدوات حديثة تستغلها فئة قليلة لكنها مؤذية. أما الازدحام في المدن الكبيرة، وضعف الإضاءة في بعض الشوارع، والاختناق اليومي في المواصلات العامة، فهي بيئات مثالية يتحرك فيها الجناة دون خوف.
كل ذلك يترك آثارًا لا تُرى بسهولة. فالتحرش ليس فعلًا لحظيًا ينتهي بانتهاء اللحظة، بل جرح يرافق الضحية طويلًا. الخوف، فقدان الثقة، الانسحاب من التعليم أو العمل، الاضطرابات النفسية… كلها نتائج تعيش معها الضحية ولا يراها من حولها. وفي حالة الأطفال، يتضاعف الألم؛ لأن الطفل لا يعرف كيف يصف ما حدث، ولا يفهم لماذا يحدث، ولا يجد دائمًا اللغة أو الأمان ليبوح.
مواجهة الظاهرة تحتاج إلى مسار متكامل، لا يعتمد على الغضب وحده ولا على القانون وحده. المطلوب بيئة آمنة للتبليغ، إجراءات رادعة، تدريب للعاملين في المدارس، ثقافة تعليمية تُحدّث المناهج لتتضمن حقوق الجسد والموافقة والاحترام، وحملات توعية تغير الصورة النمطية وتكسر صمت العائلات. كما يحتاج المجتمع إلى دعم حقيقي للضحايا، عبر خطوط مساعدة وخدمات نفسية وقانونية، وإلى شراكات مع المجتمع المدني الذي نجح في الوصول إلى الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
لا يمكن مواجهة الظاهرة دون بيانات صادقة تُظهِر حجمها الحقيقي. فالمجتمعات التي تملك بيانات، تملك القدرة على اتخاذ قرارات واضحة. أما المجتمعات التي تخفي الألم، فتسمح له بالتجذر والتكرار.
وهنا، يصبح السؤال: هل نبقى خلف جدار الصمت أم نقرر أن الوقت قد حان للمواجهة؟
التحرش ليس قدرًا ولا ظلًا نعيش تحته؛ إنه جريمة جبانة لا تنمو إلا حين نصمت. وقد انتهى زمن الخوف—لن نمنحه مساحة يتحرك فيها، ولا صمتًا يختبئ خلفه. سنكشفه، ونقاومه، ونقتلع جذوره، دفاعًا عن كرامتنا وعن حق أطفالنا ونسائنا في حياة لا يخدشها أحد.
فالمجتمع الذي يحمي أضعف أفراده… هو المجتمع الذي يستحق أن يعيش.



