رأي

 السيد عيد يكتب.. الشرق الأوسط بين واشنطن وبكين: لعبة توازن أم فقدان وزن؟

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ظلّ الشرق الأوسط حجر الزاوية في الاستراتيجية الأمريكية، باعتباره مصدرًا للطاقة وملتقى طرق التجارة العالمية، وساحةً حاسمة لمعادلات الأمن الدولي. الولايات المتحدة رسّخت وجودها في المنطقة عبر قواعد عسكرية، وتحالفات أمنية، وضغوط سياسية واقتصادية جعلت من واشنطن اللاعب شبه الأوحد لعقود.

لكن مع دخول القرن الحادي والعشرين، تحديدًا بعد أحداث 11 سبتمبر ثم حرب العراق 2003، بدأت صورة واشنطن تتآكل في عيون كثير من شعوب المنطقة، فيما تزايدت تكلفة انخراطها العسكري والسياسي. في تلك اللحظة التاريخية، تسللت الصين بهدوء إلى المشهد، مستخدمة أدوات مختلفة تمامًا: الاقتصاد، والاستثمار، والبنية التحتية، لتطرح نفسها لاعبًا لا يقل شأنًا عن الولايات المتحدة.

واشنطن… حضور عسكري لا يُنازع لكنه مثقل بالأعباء

تمتلك الولايات المتحدة اليوم أكثر من 30 ألف جندي متمركزين في الخليج العربي وحده، إلى جانب قواعد في قطر (العديد)، والبحرين (الأسطول الخامس)، والكويت. هذا الحضور يمنحها نفوذًا مباشرًا في قضايا الأمن الإقليمي، لا سيما في مواجهة إيران، وضمان تدفق النفط عبر مضيق هرمز.

لكنّ نفوذ واشنطن يواجه تحديات داخلية وخارجية:

داخليًا: تزايدت الأصوات في الكونغرس والمجتمع الأمريكي التي تدعو لتقليص التورط في “حروب لا تنتهي”.

خارجيًا: فقدت الولايات المتحدة كثيرًا من مصداقيتها بعد إخفاقات العراق وأفغانستان، وتراجع قدرتها على فرض نموذج “الديمقراطية على الطريقة الأمريكية”.

بكين… القوة الصاعدة عبر الاقتصاد والدبلوماسية الهادئة

الصين دخلت من باب آخر، أكثر قبولًا في المنطقة: التجارة والاستثمار.

بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية أكثر من 430 مليار دولار في 2022، مقارنة بنحو 100 مليار فقط عام 2010.

الصين اليوم هي الشريك التجاري الأول لمعظم دول الخليج، وتستورد نحو 50 % من احتياجاتها النفطية من المنطقة.

إلى جانب الاقتصاد، خطفت بكين الأضواء بدورها الدبلوماسي المفاجئ في الوساطة بين السعودية وإيران عام 2023، وهو ما اعتُبر مؤشرًا على تحول نوعي في أدوار اللاعبين الدوليين في الشرق الأوسط.

العرب بين المطرقة والسندان

بالنسبة للعواصم العربية، المعادلة تبدو أكثر تعقيدًا مما يظهر:

أمريكا تظل الضامن الأول للأمن، خصوصًا في مواجهة التهديدات العسكرية والإرهاب.

الصين، من جهة أخرى، صارت شريكًا اقتصاديًا لا يمكن التفريط فيه، لا سيما في ظل تراجع أسعار النفط وتوجه المنطقة نحو تنويع مصادر الدخل.

المعضلة تكمن في أن واشنطن ترى في تمدد الصين تهديدًا مباشرًا لنفوذها، بينما تحاول بكين تجنّب الصدام العسكري وتكتفي بتمدد اقتصادي “هادئ”. وهنا يجد العرب أنفسهم أمام ضرورة الموازنة الدقيقة بين القوتين، دون إغضاب أي طرف.

هل نحن أمام لعبة توازن أم فقدان وزن؟

هناك سيناريوهان يلوحان في الأفق:

إذا نجحت الدول العربية في صياغة استراتيجية واضحة تقوم على الاستفادة من واشنطن في الجانب الأمني ومن بكين في الجانب الاقتصادي، فقد تتحول المنطقة إلى لاعب محوري يجبر القوتين على احترام مصالحها؛ بل وربما الاستفادة من تنافسهما لتعظيم المكاسب.

أما إذا ظل القرار العربي مجزأً، قائمًا على ردود الأفعال بدلًا من الرؤية الاستراتيجية، فقد ينزلق الشرق الأوسط إلى وضعية “مجرد ساحة” لصراع الكبار، حيث تُتخذ القرارات خارج حدوده ويقتصر دوره على التلقي.

العالم يتغير بوتيرة متسارعة، والتحالفات القديمة لم تعد ضمانة أكيدة. لم يعد ممكنًا الارتهان لقوة عظمى واحدة، ولا الانغلاق عن مسارات الاقتصاد العالمي. إن الخيار الحقيقي أمام العرب اليوم ليس بين واشنطن أو بكين؛ بل بين أن يكونوا أصحاب قرار في لعبة التوازن، أو أن يتحولوا إلى مجرد أوراق في صراع دولي يتجاوزهم.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى