رأي

السيد عيد يكتب.. الأمن القومي العربي في ظل التحولات العالمية

في عالم يعاد تشكيله من جديد، وتتصاعد فيه التوترات بين القوى الكبرى، تواجه الدول العربية تحديًا مركزيًا: كيف تحافظ على أمنها القومي وسط نظام دولي غير مستقر؟ فالتحولات التي يشهدها العالم اليوم من صراع النفوذ بين أمريكا والصين، إلى الحرب الروسية – الأوكرانية، مرورًا بالأزمات الاقتصادية والمناخية لا تترك للعرب رفاهية الانتظار، بل تفرض عليهم إعادة تعريف أمنهم القومي وفق رؤية شاملة ومتجددة.

لم يعد الأمن القومي العربي يقتصر على حماية الحدود أو الردع العسكري. فالعالم يشهد تحولات عميقة تجعل التهديدات أكثر تعقيدًا وتشابكًا، من صراع القوى العظمى على النفوذ في البحر الأحمر والشرق الأوسط، إلى الحرب في غزة وما تحمله من تداعيات استراتيجية على استقرار الإقليم، والاضطرابات في السودان واليمن وليبيا التي تهدد بنقل عدم الاستقرار إلى دول أخرى، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتأثيرها على الأمن الاقتصادي، والحرب السيبرانية وتنامي الهجمات الإلكترونية على المؤسسات العربية، والتغير المناخي وما يسببه من موجات جفاف وتهديدات بيئية تمس الأمن الغذائي والمائي.

هذه التحولات تضع الدول العربية أمام عالم لا يخضع لقواعد ثابتة، بل لصراع مفتوح على الموارد والتكنولوجيا والسلاح. في السابق، كان مفهوم الأمن القومي يعني “حماية الدولة من العدو الخارجي”. أما اليوم، فالتهديدات تأتي من الدول، ومن الميليشيات، ومن الشركات العابرة للحدود، وحتى من الكوارث الطبيعية. لذلك أصبح الأمن القومي منظومة تشمل الأمن العسكري من خلال تعزيز الجيوش وتأمين الحدود وتطوير الدفاعات الجوية والبحرية، والأمن الاقتصادي عبر تنويع الموارد وضمان استقرار الطاقة وبناء مخزون استراتيجي من الغذاء، بالإضافة إلى الأمن السيبراني لحماية المؤسسات والبنية التحتية الرقمية من الهجمات المتزايدة، والأمن المائي والغذائي، خصوصًا في ظل الجفاف والتصحر وتراجع الموارد المائية، وأخيرًا الأمن المجتمعي للحفاظ على تماسك المجتمع ومنع التطرف والاضطرابات الداخلية.

لا يمكن الحديث عن الأمن القومي دون التطرق إلى المواقع الاستراتيجية، فالبحر الأحمر والخليج العربي يشكلان شريان التجارة العالمية، وأي اضطراب في مضيق باب المندب أو مضيق هرمز يعني هزة في الاقتصاد العالمي، وبالتالي يفرض على العرب دورًا أكبر في تأمين الملاحة، ومنع التمدد العسكري الأجنبي، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة. الصراع في غزة لم يعد مجرد ملف سياسي، بل أصبح محورًا استراتيجيًا يحدد شكل العلاقات الإقليمية والدولية، فكل تحول في الملف الفلسطيني ينعكس مباشرة على العلاقات العربية – الغربية، وأمن الحدود في مصر والأردن ولبنان، واستقرار المنطقة بأكملها. إدارة هذا الملف بطريقة متوازنة ومتماسكة جزء أساسي من الأمن القومي العربي.

ورغم التحديات، فإن الأرضية المشتركة موجودة، إذ هناك مصالح استراتيجية متقاربة في الأمن البحري والغذائي والطاقة، وتهديدات مشتركة تمتد من الإرهاب إلى الهجرة غير الشرعية، وقوى عربية صاعدة تمتلك قدرات اقتصادية وعسكرية يمكن البناء عليها، بالإضافة إلى محاولات عربية جديدة لتعزيز التعاون الدفاعي والاقتصادي. لكن نجاح هذا المشروع يعتمد على إرادة سياسية عربية موحدة، وتقليل الخلافات البينية، وبناء منظومة ردع مشتركة تحمي الجميع.

التحولات العالمية الكبرى تُعيد توزيع القوى والنفوذ، ولا أحد ينتظر العرب ليلحقوا بالركب. فالخيار اليوم واضح: إما أن يصنع العرب أمنهم القومي برؤية شاملة وتعاون حقيقي، وإما أن يجدوا أنفسهم جزءًا من صراعات لا يملكون فيها قرارًا ولا نفوذًا. إن الأمن القومي العربي ليس مشروع دولة واحدة، بل قدر أمة كاملة.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى