إدريس إحميد يكتب.. بعد ثمانون عامًا من تأسيس الأمم المتحدة: بين أداء مهامها وتعطيل دورها

تأسست الأمم المتحدة في 26 يونيو 1945، عقب الحرب العالمية الثانية، وسط آمال كبيرة لبناء نظام دولي يقوم على السلام والتنمية وحقوق الإنسان، ويمنع تكرار ويلات الحروب. ومنذ البداية، أُنشئت منظمات وهيئات متخصصة في مجالات التعليم والصحة والثقافة والاقتصاد، لتكون روافد لتحقيق التنمية المستدامة بين الشعوب.
إلا أن الواقع سرعان ما كشف عن مفارقة كبيرة؛ فبينما كانت المنظمة تسعى لتحقيق العدالة الدولية، جاء تأسيس مجلس الأمن ليجسد نوعًا من تقسيم النفوذ العالمي، حيث انفردت خمس دول دائمة العضوية بالقرار والفيتو، مقابل جمعية عامة تضم كل دول العالم لكن قراراتها غير ملزمة.
وخلال العقود الماضية، شهد العالم استعمارًا جديدًا وانتهاكات متكررة للسيادة، وبرزت حركات تحرر وطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وفي ظل الحرب الباردة، تأسست تحالفات عسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو) وحلف وارسو، ما جعل الأمم المتحدة أداة في أيدي القوى الكبرى. وجاءت حركة عدم الانحياز كرد على سياسة الأحلاف ومحاولة لإقامة توازن عالمي مستقل، تبعتها منظمات إقليمية مثل منظمة الوحدة الإفريقية والجامعة العربية.
منذ البداية، تحملت الولايات المتحدة العبء المالي الأكبر في ميزانية المنظمة، واحتضنت مقرها في نيويورك، ما منحها تأثيرًا واسعًا في قراراتها. كما خضعت الأمم المتحدة لاختبارات قاسية في حروب عدة، مثل كوريا (1950) وفيتنام والحروب العربية – الإسرائيلية، لكنها فشلت في فرض قراراتها أو إنهاء النزاعات، رغم صدور مئات القرارات التي بقيت حبرًا على ورق.
⚖️ مفارقات السلطة داخل الأمم المتحدة
يتحكم مجلس الأمن في مصير القضايا الدولية الكبرى، فيما تظل الجمعية العامة رمزية بلا صلاحيات تنفيذية. الولايات المتحدة استعملت حق النقض (الفيتو) عشرات المرات لحماية إسرائيل ومنع إدانتها في جرائمها ضد الشعب الفلسطيني، ما كشف ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي.
وأحد أبرز الأمثلة على هذا التسييس ما حدث مع الأمين العام الأسبق بطرس بطرس غالي، الذي حاول أن يكون مستقلاً في قراراته، خاصة عند إصراره على إخراج تقرير حول مذبحة “قانا” عام 1996، التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين داخل مقر تابع لقوات الأمم المتحدة. أثار التقرير غضب واشنطن التي استخدمت الفيتو لمنع أي إجراء ضد إسرائيل، ثم رفضت التجديد لبطرس غالي رغم الإجماع الدولي على كفاءته.
📌 قادة المنظمات الدولية بين الإدارة والعدالة
الأمين العام للأمم المتحدة، إلى جانب رؤساء المنظمات الدولية الأخرى التي تشهد حراكًا سياسيًا أو إنسانيًا، يمثلون الرمز الرسمي للمنظمة ومشرفيها الإداريين. تشمل مهامهم الأساسية تنسيق أعمال الأمانة العامة، تمثيل المنظمة داخليًا وخارجيًا، وقيادة مهام مثل حفظ السلام أو التفاوض.
لكن الواقع يظهر أن استقلاليتهم غالبًا مقيدة بالضغوط الدولية والدول الكبرى. فقد أصر بطرس غالي على كشف تفاصيل مذبحة قانا رغم اعتراض القوى الكبرى، مما أدى إلى عدم تجديد ولايته. وبالمثل، واجه كوفي عنان قيودًا كبيرة نتيجة موقفه الصريح ضد احتلال العراق عام 2003، حيث حاول الدفاع عن مبادئ القانون الدولي والعدالة لكنه اصطدم بالسياسات الأمريكية والأطراف الكبرى الأخرى.
التساؤل النقدي يبقى: هل يستطيع هؤلاء القادة اتخاذ قرارات عادلة ومستقلة دون الخضوع للسياسات الكبرى؟ الواقع يشير إلى أن تأثيرهم محدود، مما يجعل تحقيق العدالة تحديًا دائمًا، حتى عندما تتوافر الإرادة الرسمية.
فشل أم عجز منظم؟
لقد فشلت الأمم المتحدة في تحقيق السلام أو حماية الشعوب من المجاعات والنزاعات الحدودية، وفشلت في منع انتشار السلاح النووي، بينما استمرت بعض النجاحات في مجالات التنمية والصحة ومكافحة الفقر.
اليوم، تتعالى أصوات تدعو إلى إعادة صياغة ميثاق الأمم المتحدة لضمان تكافؤ المصالح بين الدول وإنهاء الهيمنة السياسية والعسكرية. فالعالم بحاجة إلى منظمة دولية عادلة وفاعلة، تُعيد دور الأمم المتحدة كصانعة للسلام وليس مجرد شاهد على الأزمات.



