تقدير موقف

كريم سيد يكتب.. الحرب الأهلية الإثيوبية الجديدة: صراع داخلي بأبعاد إقليمية متصاعدة

باحث مختص في الشؤون الأفريقية 6 أكتوبر 2026‏

تدخل إثيوبيا مرحلة جديدة من الصراع الأهلي، في ظل عودة المواجهات المسلحة بين القوات ‏الفيدرالية وتحالف البناء، بعد سنوات من الحرب التي شهدها إقليم تيجراي خلال الفترة من 2020 ‏إلى 2022. ويبدو أن الصراع الحالي يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا، ليس فقط بسبب اتساع نطاق ‏العمليات العسكرية، وإنما أيضًا نتيجة سعي حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد إلى نقل الحرب من ‏إطارها الداخلي إلى مساحة إقليمية ودولية أوسع.‏
فالحكومة الإثيوبية باتت تتعامل مع المواجهات الحالية باعتبارها صراعًا داخليًا تتداخل فيه أدوار ‏أطراف خارجية، متهمة بعض القوى الإقليمية بتقديم الدعم والتمويل للحركات المسلحة السبع التي ‏تشكل تحالف البناء. ويمثل هذا الطرح محاولة لإعادة تعريف طبيعة الحرب، بحيث لا تبدو الحكومة ‏الإثيوبية في مواجهة مباشرة مع قوى معارضة داخلية فحسب، وإنما في مواجهة مشروع إقليمي ‏يستهدف الدولة الإثيوبية واستقرارها.‏
ويرتبط هذا التوجه، في جانب منه، بحسابات سياسية داخلية لدى آبي أحمد، إذ يمكن أن يساعد تحويل ‏الحرب إلى قضية أمن قومي في تعزيز قدرته على حشد التأييد الشعبي، وتخفيف الانتقادات الموجهة ‏إليه، خصوصًا مع دخوله مرحلة سياسية جديدة عقب فوز حزب الازدهار في الانتخابات التشريعية ‏الأخيرة، وتجديد البرلمان لولايته كرئيس للحكومة، بالتزامن مع الاستعداد لتشكيل حكومة جديدة.‏
ويأتي ذلك كذلك في ظل تقديم لجنة الحوار الوطني الإثيوبية تقريرها الشامل وتوصياتها إلى مجلس ‏نواب الشعب الإثيوبي، الأمر الذي يضع الحكومة أمام استحقاقات سياسية داخلية مهمة. كما أن تجربة ‏الحرب السابقة لا تزال حاضرة في حسابات آبي أحمد، خاصة بعدما أدت حرب تيجراي الأولى إلى ‏تعرض حكومته لانتقادات وضغوط دولية واسعة بين عامي 2020 و2022.‏
ومع اتساع نطاق المواجهات الحالية، تزداد احتمالات تحول الصراع من حرب داخلية محدودة نسبيًا ‏إلى مواجهة واسعة جغرافيًا داخل إثيوبيا، خصوصًا مع امتداد العمليات إلى أقاليم تيجراي وأمهرة ‏وعفر. ولا يتوقف الخطر عند هذا الحد، إذ يمكن أن يؤدي تصاعد التوتر بين أديس أبابا وأسمرا إلى ‏انتقال الصراع إلى المستوى الإقليمي، بما يهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله.‏
أولًا: الحسابات الداخلية للصراع الإثيوبي
رغم اختلاف أطراف الحرب الحالية عن بعض أطراف الحرب التي اندلعت عام 2020، فإن هناك ‏تشابهًا واضحًا في طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي المصاحب للمواجهات. فقد تبادلت حكومة آبي ‏أحمد وجبهة تحرير تيجراي الاتهامات بشأن الطرف الذي بدأ العمليات العسكرية، بينما تحولت وسائل ‏الإعلام التابعة لكل طرف إلى أداة رئيسية في إدارة الحرب المعلوماتية.‏
وتعاني الساحة الإثيوبية في الوقت نفسه من نقص واضح في المصادر الإعلامية المحايدة التي تستطيع ‏تقديم صورة مستقلة عن التطورات الميدانية، وهو أمر قد يرتبط بسياسة التعتيم الإعلامي التي تسمح ‏للسلطات الإثيوبية بالسيطرة على الرواية الرسمية للحرب، خصوصًا فيما يتعلق بحجم العمليات ‏والخسائر والسيطرة على المدن والمواقع الاستراتيجية.‏
ومن منظور الحكومة الإثيوبية، ربما يرى آبي أحمد أنه لم يكن أمامه خيار آخر سوى الدخول في ‏مواجهة واسعة مع القوى المسلحة، خاصة أنه اتبع خلال السنوات الماضية سياسة التعامل مع ‏الحركات المسلحة بصورة منفصلة، وهو ما كان يمنحه مساحة أكبر للمناورة والتحكم في مستويات ‏التصعيد.‏
فقد كانت جبهة تحرير تيجراي تمثل التحدي الرئيسي في الشمال، بينما استمرت المواجهات مع حركة ‏أمهرة فانو منذ عام 2023. إلا أن تشكيل تحالف يضم سبع حركات مسلحة غيّر المعادلة بصورة ‏جوهرية، وحوّل التحديات المنفصلة إلى تهديد جماعي يستهدف حكومة آبي أحمد.‏
وتزداد خطورة هذا التحالف بعدما تمكنت قواته من السيطرة على مطارات ومدن ذات أهمية ‏استراتيجية في إقليمي تيجراي وأمهرة، قبل أن تمتد العمليات إلى إقليم عفر، الذي يمثل حلقة أساسية ‏في شبكة التجارة الخارجية الإثيوبية، باعتباره يحتضن الطريق الحيوي الذي يربط أديس أبابا بميناء ‏جيبوتي.‏
تغير التحالفات الداخلية
أحد أبرز المتغيرات في الحرب الراهنة يتمثل في فقدان آبي أحمد لبعض الحلفاء الذين وقفوا إلى جانبه ‏خلال الحرب السابقة. فحركة أمهرة فانو، التي كانت من أبرز القوى الداعمة للحكومة خلال حرب ‏تيجراي الأولى، أصبحت الآن من العناصر الأساسية في التحالف المناهض للحكومة، الأمر الذي ‏جعلها جزءًا من جبهة ترى في آبي أحمد خصمًا مشتركًا.‏
كما أن قرار تفكيك القوات الإقليمية التابعة للأقاليم الإثيوبية، وفقًا لما تضمنه اتفاق بريتوريا عام ‏‏2022، أدى إلى تقليص إحدى أدوات القوة التي استفاد منها النظام الإثيوبي خلال الحرب السابقة.‏
ولا تبدو بعض المليشيات الموالية للحكومة، مثل “جيدا كوماندو” في أوروميا و”قوات سلام تيجراي” ‏في تيجراي، قادرة على تعويض هذا التراجع بصورة كاملة، وهو ما يجعل الجيش الفيدرالي أمام ‏مسؤولية أكبر في إدارة العمليات العسكرية.‏
المسيّرات كسلاح حاسم
في المقابل، تمتلك الحكومة الإثيوبية ورقة عسكرية مهمة تتمثل في الطائرات من دون طيار، التي ‏أثبتت فعاليتها خلال الحرب الأولى، خصوصًا عندما تمكنت القوات الحكومية من وقف تقدم قوات ‏دفاع تيجراي باتجاه أديس أبابا عام 2020.‏
وتشير تقديرات إلى امتلاك إثيوبيا أسطولًا كبيرًا من الطائرات المسيّرة يصل إلى آلاف الطائرات، ‏وهو ما يجعلها من أكثر الدول الأفريقية امتلاكًا لهذا النوع من الأسلحة من حيث العدد. ولا تعتمد ‏أديس أبابا على الاستيراد فقط، إذ تدير مصنعين محليين لتصنيع الطائرات المسيّرة، في مؤشر على ‏رغبتها في بناء قاعدة إنتاج عسكرية محلية تقلل اعتمادها على عقود الشراء الخارجية.‏
وتكتسب هذه السياسة أهمية خاصة في ضوء الطبيعة المتقلبة للمشهدين السياسي والأمني في إثيوبيا ‏خلال السنوات الماضية، وما تفرضه هذه البيئة من ضرورة امتلاك قدرات عسكرية يمكن استخدامها ‏بصورة مستقلة.‏
ومن ثم، يمكن أن تمنح المسيّرات القوات الفيدرالية قدرة نوعية على مواجهة التفوق العددي لتحالف ‏البناء، إلا أن احتمال امتلاك التحالف نفسه لهذا النوع من الأسلحة لا يمكن تجاهله، خصوصًا بعدما ‏ظهرت مؤشرات على استخدامه للطائرات المسيّرة في تنفيذ هجمات ضد منشآت ومواقع تابعة ‏للحكومة.‏
وقد استهدفت هذه الهجمات مواقع في العاصمة أديس أبابا، وهو تطور عسكري نوعي لم يكن حاضرًا ‏بالصورة نفسها خلال الحرب الأولى، ويشير إلى أن جبهة تيجراي وحلفاءها حاولوا الاستفادة من ‏دروس الحرب السابقة وتطوير قدراتهم العسكرية.‏
تحالف البناء بين تعدد الجبهات وصعوبة التماسك
يخوض تحالف البناء مواجهاته ضد الحكومة في أكثر من اتجاه، خصوصًا في تيجراي وأمهرة وعفر. ‏ومع ذلك، شهدت العمليات العسكرية انسحابات تكتيكية من بعض الجبهات.‏
وقد أقر رئيس جبهة تحرير تيجراي، ديبرسيون جبريمايكل، بوجود انسحابات استراتيجية لقوات ‏التحالف من بعض مواقع القتال، في ظل تقارير عن تقدم القوات الفيدرالية في محوري عفر وتيجراي ‏واقترابها من ميكيلي، عاصمة إقليم تيجراي.‏
غير أن هذه الانسحابات لم تعنِ التخلي عن القتال، إذ أكد جبريمايكل استمرار المواجهة، بما يعكس ‏طبيعة العمليات العسكرية في الشمال الإثيوبي التي تعتمد بصورة كبيرة على الكر والفر وإعادة ‏التموضع، وهي أساليب سبق أن ظهرت خلال الحرب الأولى في تيجراي.‏
وفي الوقت ذاته، حققت قوات التحالف مكاسب ميدانية في عدد من المناطق، مستفيدة من تكتيكات ‏حرب العصابات التي استخدمتها خلال الحرب السابقة.‏
وتشير تقارير إلى تقدم القوات نحو إقليم تيجراي والسيطرة على مدينة “ميزيلات” الواقعة جنوب شرق ‏ميكيلي، إلى جانب السيطرة على مقاطعة “دالول” شمال شرق ميكيلي، بالقرب من الحدود المشتركة ‏بين تيجراي وإريتريا.‏
كما انتقلت عمليات التحالف إلى المجال الجوي، من خلال تنفيذ هجمات باستخدام الطائرات المسيّرة ‏استهدفت منشآت جوية ومواقع عسكرية، من بينها مطارا “سميرا” و”كومبولوتشا” في إقليم أمهرة، ‏وقاعدة “هرار ميدا” الجوية في مطار بيشوفتو بإقليم أوروميا.‏
وامتدت الهجمات كذلك إلى مقر وزارة الدفاع الإثيوبية في أديس أبابا، وهو ما دفع جهاز المخابرات ‏الإثيوبية إلى تعليق رحلات الطائرات المسيّرة حول العاصمة.‏
وتكشف هذه التطورات عن تطور في القدرات العسكرية لجبهة تحرير تيجراي وحلفائها، وهو ما قد ‏يجعل الحرب أكثر طولًا وتعقيدًا، خصوصًا إذا تمكن التحالف من المحافظة على قدرته على تنفيذ ‏عمليات متزامنة في أكثر من منطقة.‏
الانقسامات داخل التحالف
رغم اتساع التحالف، فإن تركيبته لا تخلو من مشكلات عسكرية وسياسية. فبعض الحركات المنضوية ‏تحت مظلته لا تشارك بصورة كاملة في العمليات العسكرية.‏
ومن أبرز الأمثلة على ذلك جبهة تحرير أوجادين الوطنية، التي أعلن متحدث باسمها دعم الجبهة ‏للأهداف السياسية لتحالف البناء، دون الالتزام بالمشاركة في أهدافه العسكرية. ويشير ذلك إلى تفاوت ‏القدرات العسكرية بين مكونات التحالف، فضلًا عن اختلاف أولوياتها.‏
كما أن جيش تحرير أورومو لم ينخرط في القتال منذ بداية الحرب، رغم امتلاكه خبرة عسكرية كبيرة ‏نتيجة سنوات من المواجهة مع القوات الفيدرالية منذ عام 2018. وقد يرتبط ذلك بوجود خلافات ‏داخلية بين فصائل جبهة تحرير أورومو بشأن طبيعة المشاركة في الحرب الحالية.‏
وفي 24 سبتمبر 2026، حدث تطور جديد تمثل في إعلان جبهة تحرير سيداما الوطنية، وهي حركة ‏مسلحة تنشط في منطقة سيداما جنوب إثيوبيا، انضمامها إلى تحالف البناء. ويمثل انضمامها توسعًا ‏جديدًا في نطاق التحالف، وإضافة إقليم سابع إلى رقعة نفوذه، كما يفتح احتمال ظهور جبهة قتال جديدة ‏ضد القوات الفيدرالية.‏
لكن هذا التوسع الجغرافي لا يعني بالضرورة زيادة التماسك الداخلي للتحالف، إذ توجد خلافات داخل ‏بعض مكوناته.‏
فداخل جبهة تحرير أورومو الوطنية نفسها توجد مواقف متباينة بشأن مشاركة جناحها العسكري، ‏جيش تحرير أورومو، في التحالف. فبينما يرى تيار ضرورة الانضمام إلى الحرب، يتمسك تيار آخر ‏بالعمل السياسي والسلمي، وهو ما يفسر استمرار غياب الجيش عن المواجهات الحالية.‏
كما تظهر انقسامات داخل القوى الأمهراوية حول مشاركة حركة فانو في التحالف، الأمر الذي قد يمثل ‏نقطة ضعف إضافية، خاصة أن التحالف يقوم على مجموعة من الحركات التي تختلف في أهدافها ‏ومصالحها ودرجة استعدادها للمواجهة العسكرية.‏
ومن هنا، قد تراهن الحكومة الإثيوبية على أن هذه التناقضات ستؤدي إلى إضعاف التحالف وانهياره ‏تدريجيًا، فضلًا عن حرمانه من بناء قاعدة شعبية موحدة.‏
لكن من السابق لأوانه تأكيد هذه الفرضية، لأن الحرب لا تزال في مراحلها المتغيرة، ولم يتمكن أي ‏طرف حتى الآن من فرض حسم عسكري نهائي أو تحقيق أهدافه الاستراتيجية بالكامل.‏
ثانيًا: انتقال الحرب إلى المجال الإقليمي
لا يمكن فصل الحرب الإثيوبية الحالية عن التطورات المتسارعة في القرن الأفريقي، خصوصًا مع ‏ارتفاع مستوى التوتر بين إثيوبيا وإريتريا.‏
فقد اتهمت الحكومة الإثيوبية أطرافًا إقليمية بالمشاركة في دعم وتمويل الحركات المسلحة التي يتشكل ‏منها تحالف البناء، وعلى رأسها جبهة تحرير تيجراي.‏
وتحولت هذه الاتهامات إلى خطوات دبلوماسية مباشرة، تمثلت في إغلاق السفارة الإريترية في أديس ‏أبابا وطرد عشرة دبلوماسيين من البلاد، بينما ردت إريتريا بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع ‏إثيوبيا.‏
وتزامن ذلك مع اتهامات صادرة عن شخصيات سياسية وعسكرية إثيوبية للجيش الإريتري بالمشاركة ‏في العمليات العسكرية داخل إقليم عفر، فضلًا عن حشد القوات الإريترية الموجودة أساسًا في شمال ‏البلاد بالقرب من حدود إقليم تيجراي.‏
كما اتهم رئيس الأركان الإثيوبي برهانو جولا أطرافًا إقليمية بالمساهمة في تأجيج الصراع الداخلي ‏الإثيوبي، وهي اتهامات نفتها الخرطوم بشكل قاطع، مؤكدة عدم وجود أساس لها.‏
وتأتي هذه الاتهامات في وقت توجه فيه انتقادات إلى إثيوبيا بشأن احتضان معسكرات لتدريب عناصر ‏من مليشيا الدعم السريع المتمردة في السودان، إلى جانب تسهيل نقل أسلحة وطائرات مسيّرة ترسلها ‏أطراف إقليمية إلى الداخل السوداني.‏
التوتر مع مصر وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية
في سياق متصل، يبدو أن الحكومة الإثيوبية تسعى إلى الربط بين أزمتها الداخلية وبين صراعها ‏الأوسع على النفوذ في القرن الأفريقي، بما في ذلك مساعيها للحصول على منفذ بحري على البحر ‏الأحمر.‏
وفي هذا الإطار، أعلنت الحكومة الإثيوبية أحد أعضاء السفارة المصرية في أديس أبابا “شخصًا غير ‏مرغوب فيه”، لترد القاهرة بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، وإعلان مستشار السفارة الإثيوبية شخصًا ‏غير مرغوب فيه.‏
وتكشف هذه الأزمة الدبلوماسية عن ارتفاع مستوى المخاوف الإثيوبية من التحركات المصرية التي ‏ترى أديس أبابا أنها تستهدف الحد من قدرتها على التحرك إقليميًا وتضييق المجال الجغرافي أمامها.‏
وقد يدفع ذلك إثيوبيا إلى إعادة ترتيب أوراقها في القرن الأفريقي، الأمر الذي يمكن أن يفتح الباب أمام ‏تدخلات دولية وإقليمية جديدة لإعادة ضبط موازين القوى في المنطقة.‏
توظيف البعد الخارجي للحرب
تسعى أديس أبابا، من خلال خطابها السياسي، إلى تقديم الحرب الحالية باعتبارها تمردًا داخليًا يحظى ‏بدعم خارجي، مع وضع إريتريا في مقدمة الأطراف التي تتهمها بالتدخل، إلى جانب تصوير السودان ‏باعتباره ممرًا محتملًا لنقل الأموال والدعم إلى الحركات المسلحة المناهضة للحكومة.‏
ويحقق هذا الطرح للحكومة الإثيوبية عددًا من الأهداف السياسية.‏
أول هذه الأهداف يتمثل في إضعاف الشرعية السياسية لتحالف البناء داخليًا، من خلال تصويره ‏باعتباره أداة تستخدمها أطراف خارجية لضرب استقرار الدولة الإثيوبية.‏
كما تستهدف أديس أبابا التأثير على نظرة المجتمع الدولي إلى الحركات المسلحة، وهو ما ظهر في ‏مواقف دولية أدانت جبهة تحرير تيجراي، من بينها الولايات المتحدة والإمارات، على خلفية اتهامها ‏بزعزعة الاستقرار داخل إثيوبيا.‏
أما الهدف الثاني فيتمثل في محاولة وضع السودان وإريتريا أمام ضغوط دولية أكبر، عبر اتهامهما ‏بالمساهمة في زعزعة الاستقرار في إثيوبيا والقرن الأفريقي، وبالتالي تصوير أنشطة هذه الدول ‏باعتبارها تهديدًا للمصالح الدولية في المنطقة.‏
وفي الوقت نفسه، يمكن لهذه الاستراتيجية أن تساعد الحكومة الإثيوبية على تخفيف التركيز الدولي ‏على الانتهاكات التي قد ترتكبها القوات الفيدرالية خلال العمليات العسكرية، مقارنة بما حدث في ‏الحرب الأولى عام 2020، عندما تعرضت إثيوبيا لضغوط دولية قوية، خصوصًا من الولايات ‏المتحدة خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن.‏
التحركات الدولية وخطر التصعيد الإقليمي
تأتي هذه التطورات في ظل دعوات متزايدة من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة ‏إلى خفض التصعيد في القرن الأفريقي، مع التركيز بصورة خاصة على ضرورة احتواء التوتر بين ‏إثيوبيا وإريتريا.‏
كما دعت الأطراف الإثيوبية إلى العودة إلى الحوار والعمل على إنقاذ اتفاق بريتوريا، الذي أصبح ‏معرضًا لخطر الانهيار.‏
وفي السياق ذاته، دعت مفوضية الاتحاد الأفريقي مصر وإثيوبيا وإريتريا إلى ممارسة أقصى درجات ‏ضبط النفس، والابتعاد عن التصريحات والإجراءات التي يمكن أن تؤدي إلى زيادة التوتر.‏
ويعكس هذا الموقف محاولة من جانب المؤسسات الدولية والإقليمية لمنع تحول الأزمة الإثيوبية إلى ‏صراع متعدد الأطراف، إلا أن تبني بعض الجهات لمواقف أو سرديات متأثرة بالرواية الإثيوبية يثير ‏بدوره جدلًا حول مدى توازن المقاربة الدولية تجاه أطراف الأزمة.‏
خاتمة
تكشف الحرب الأهلية الإثيوبية الجديدة عن مشهد شديد التعقيد يجمع بين الصراع الداخلي والمنافسة ‏الإقليمية. فالمواجهة بين القوات الفيدرالية وتحالف البناء لم تعد محصورة في نطاق تيجراي أو أمهرة، ‏وإنما باتت تمتد إلى عفر وأوروميا ومناطق أخرى، في الوقت الذي يحاول فيه كل طرف توسيع نطاق ‏نفوذه العسكري والسياسي.‏
ويبقى مستقبل الحرب مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرة تحالف البناء على الحفاظ على تماسك مكوناته، ‏وتأمين احتياجاته العسكرية واللوجستية، والاستمرار في القتال على جبهات متعددة، مقابل قدرة الجيش ‏الإثيوبي على الاستفادة من تفوقه النوعي، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة.‏
وفي المقابل، لا يزال آبي أحمد يمتلك مساحة للمناورة السياسية والعسكرية، خاصة من خلال الاستعانة ‏بحلفائه الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم تركيا، للحصول على مزيد من الدعم العسكري واللوجستي، ‏كما حدث خلال الحرب الأهلية الأولى.‏
غير أن الخطر الأكبر لا يرتبط فقط بإمكانية حسم الحرب داخليًا، وإنما باحتمال خروجها عن الحدود ‏الإثيوبية، في ظل تصاعد التوتر مع إريتريا وتشابك الأزمة مع السودان ومصر وملف البحر الأحمر.‏
وبالتالي، فإن استمرار العمليات العسكرية دون مسار سياسي متزامن قد يحول الحرب الإثيوبية من ‏أزمة داخلية إلى أزمة إقليمية شاملة، بما يجعل مستقبل الاستقرار في القرن الأفريقي مرتبطًا بقدرة ‏الأطراف المحلية والإقليمية والدولية على احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة أوسع يصعب ‏التحكم في مساراتها ونتائجها.‏

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى